الصفحة الرئيسية رأي وتحليل حول “الحركة التصحيحية”.. بما قد يختلف عن السائد!

حول “الحركة التصحيحية”.. بما قد يختلف عن السائد!

تُلحّ عليّ رغبة عارمة في أن أبدأ حديثي من النقطة التالية: لم يكن هنالك حزب أو قوة سياسية تقف مع النظام السابق على “الحركة التصحيحية” إلا “الحزب الشيوعي السوري” آنذاك، وبتأثير من جناحه الراديكالي الذي انبثق عن المؤتمر الثالث للحزب. ذلك الجناح كان يقوده ما كان يعرف بــ “مكتب العمل الفدائي” الذي كان يرأسه رياض الترك ويعاونه فيه د. أحمد فائز الفواز. أذكر ذلك جيداً لأنني كنت ضمن ذلك الإطار ومساره، وكان خالد بكداش نفسه يقاوم ويتذمر، ويحاول الذهاب عكس التعاون مع ذلك النظام حين قضى أحد رفاقه تحت التعذيب في حوران.

وفي حين كانت الغالببية العظمى من القوى السياسية معارضةً لذلك النظام، وبشكل خاص حين تجمعت في تحالف يضمها كقوى ناصرية (جاسم علوان ومحمد الجراح وجمال الأتاسي)، وقوميين عرب (الجناح السوري القوي)، واشتراكيين (أكرم الحوراني)، وبوجود انسجام مع الإخوان المسلمين الذين بقوا خارج هذا التحالف، قوبل هذا الأخير بعمليات قمع وتفكيك قادها عبد الكريم الجندي قبل انتحاره تحت ضغوط وإهانات حافظ الأسد.

هكذا كانت الأمور: “لوحة غروتسك” لا يمكن فهمها، وتحتاج إلى تشريح ذاتي قبل “النقد الذاتي”.

كان النظام البعثي اليساري قد نجح في استعداء جمهور مهم من السنة والدروز والعلويين، من من حيث الانتماء الديني الشعبي لهؤلاء والمتعلق برجال الدين. وكانت العلاقة بينه وبين رجال الدين في منتهى التوتر بمن فيهم رجال الدين العلويين الذين كان أنصاره يهينونهم ويعادونهم. وعادى أيضاً، وبالطبع، التجار والصناعيين المتمركزين في دمشق وحلب خصوصاً بإجراءات انتقامية متتابعة. وكان أركان النظام يرون في ذلك تحققاً للثورة و”الفعل الثوري”!

في الوقت نفسه، كان حافظ الأسد يتابع “إزالة آثار عدوان 1967” على ما كانت تقول أجهزته، وذلك عبر بناء الجيش والأمن على هواه وبأحجام ومواصفات مختلفة جذرياً عما سبق، وعبر السيطرة على الإعلام والحصول على رضى الأمريكان والأوروبيين والسوفييت، وبعض هؤلاء كان قد ملّ تطرف خصوم الأسد وخاصة موقفهم السلبي من قرار مجلس الأمن 242 المتعلق بنتائج حرب حزيران.

أولئك الخصوم كانوا أنقياء من حيث نواياهم الطيبة ومن حيث تعليقهم الآمال على أن “الحزب الحاكم” معهم، و”الحق” كذلك. “وتأكدوا” من صحة تقديراتهم تلك، حين ظهر لهم في المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي لحزب البعث أن عزل الأسد وطلاس يكاد يحصل على الإجماع الساحق، وهنا تتبدّى الغرابة والمأساة والمهزلة، فقد استطاع الأسد، وببساطة شديدة، أن ينقلب عليهم ويصادر ما بقي عندهم من سلطة ويزجهم في السجون عقوداً.

انعقد المؤتمر يوم الخميس 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 وصدر قرار بعزل الأسد وطلاس وإحالتهما لمهام أخرى في الحزب والدولة. وقرر الأسد قراره النهائي مساء ذلك اليوم، بعد أن كان قد حاصر مسبقاً كل مكان تنبغي محاصرته، وكان لديه الوقت الكافي ليجتمع مع اليساري الأبرز آنذاك في القيادة القطرية ومسؤول المكتب العسكري في الحزب، شكلاً بالطبع، مصطفى رستم، وليحاول إقناعه بالوقوف معه وإغرائه بمنصب رئيس الحكومة لو وافق. وطبعاً لم يوافق رستم، وذهب مع الآخرين إلى سجن استغرق ما يقارب ربع قرن.

صباح الجمعة، بدأ تحرك القوات والأجهزة الأمنية لاعتقال وملاحقة الآخرين حتى الليل. ويوم السبت بدأ الطلاب البعثيون تظاهراتهم داخل حرم الجامعة واستمروا في ذلك لأسبوع. وفي نفس اليوم، خرجنا في مظاهرة تجاوز قوامها ٥٠٠ متظاهر من الطلاب والعمال، لتواجهنا وتهاجمنا سيارات اللاندروفر الرمادية التابعة للمخابرات العسكرية، وتُفرقنا أيدي سبأ نلملم جراحنا الصغيرة بعد معركة غير متكافئة.

بعد حوالي شهر، خرجت مظاهرة مؤيدة للأسد وحركته ضمت حوالي نصف مليون متظاهر. ولم تكن قد درجت موضة المسيرات المٌصنّعة المفتعلة في ذلك الوقت، والقائمة على الترهيب والترغيب… أي إن تلك المظاهرة كانت إلى حد لا بأس به “حقيقية”!

المهم: كنا 500 وكانوا 500 ألف! كنا سابقين لعصرنا في الوقوف بوجه الأسد رغم ما نتحمله من المسؤولية عن أخطاء التقدير والسلوك. ولعلّني، ولهذا، أبتسم حين يقولون إن “حافظ الأسد كان غبياً”، وأكاد أبكي من أي حديث نظري عن الشعب واكتسابه فقط بقوة الحق والحقيقة والنقاء بعيداً عن الحسابات والبرامج والجهود الفعالة لاكتساب نقاط القوة. وبعد غروب شمس السادس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر صدر بيان “القيادة القطرية المؤقتة” التي عيّنها الأسد وتضمن برنامجاً يلبي ما أرادته وطالبت به القوى السياسية السورية سابقاً وفق بوصلتها البدائية في تلك الأيام، وما كانت تريده القوى الإقليمية والدولية، بالتفصيل.

تضمن البيان تعهدات بالتضامن والوحدة العربية (ودخل في خطوات عملية مباشرة)، وكذلك دعْم الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح والاعتراف بالقرار 242، ثم تعهد بإصدار قانون وانتخابات نيابية لمجلس الشعب وقانون وانتخابات للإدارة المحلية، وبالسير لوضع دستور دائم والاستفتاء عليه. وربما يكون “الأهم” هو قيام “جبهة وطنية تقدمية” طالما طالبت بها القوى السياسية وقاومها النظام السابق. كما قال البيان بــ “دعم دور الأمم المتحدة” بالإضافة إلى تطوير القوات المسلحة والجامعات والبنى التحتية وغير ذلك، وهو قام بتنفيذ ذلك مع تفريغه للمسائل الحساسة من مضامينها في الوقت نفسه.

استمعتُ إلى ذلك البيان على راديو بائع العصير في نزلة الفردوس في الشام، وأحسست بأن نظاماً طويل الأمد قادم، وتملكتني ورفاقي الكآبة مع بداية عهد ثقيل الوطء غليظ الطبع، كاذب بعمق لا يمكن مقاومته بسهولة، وسيحظى بتأييد ودعم غير مسبوقين، و”استقرار” يعد وسوف يفي به!

ربما كان أهم ما وعد به ذلك البيان والانقلاب هو الانتقال من الشرعية الثورية إلى “الشرعية الدستورية”، والتي تعني “الاستقرار” ضمن تقلبات طال بها الزمن وتوتّر خلالها المجتمع واقتصاده وبناه التحتية والفوقية معاً، وتحاول تطمين قوى رئيسة في البلاد وخارجها، واجتذاب دعمها وتأييدها.

يومها وفي مكتب مراد القوتلي، سألني أكرم أنطاكي رحمه الله عن توقعاتي لقرار “اللجنة المركزية” للحزب الشيوعي، بحكم قربي من الاجتماع وعلاقتي بمكتب العمل الفدائي، وعن ردّ اللجنة على طلب الأسد من الحزب ترشيح اسمين لعضوية الحكومة، ومن ثم احتمالات دعم “الحركة التصحيحية” أو الوقوف في وجهها، وكان جوابي وببساطة هو أن توجه الأغلبية سيكون بالرفض، لظني أن ثمانية منهم على الأقل من أصل خمسة عشر هم ضد الأسد. وخاب ظني بسرعة لدى مجيء القرار من موسكو وقيام ثلاثة أعضاء بتغيير موقفهم. ولم يتأخر هذا التفصيل بالوصول إلى الأسد نفسه، بل ووصول أسماء الخمسة الذين كانوا ضده في الاجتماع إليه. الأهم من ذلك، أنه “بلعها” وخبأ حقده للقادمات من الأيام، بصبر وباطنية و”طول بال”، ولاحقاً، حين كان الأسد يطلب الاجتماع مع قيادة الحزب، كان يشير خصوصاً إلى ضرورة حضور رياض الترك، الأمر الذي كان السوفييت أيضاً يفعلون مثله.

قبل أن أختم، لا بد أن أؤكد على نقطتين: أولاهما أن الحديث أعلاه لا ينال بشكل من الأشكال  من الروح الكفاحية العالية والتضحيات التي قدمها قياديو النظام السابق على الأسد، والذين أمضوا ما معدله 22 عاماً في سجن المزة الرهيب، مات أحدهم أو قتل في السجن، ومات الثاني بعد خروجه مباشرة، ولم يخرج عديدهم إلا منهكاً عليلاً. وكلهم كانوا وما زالوا مثالاً للنقاء والإخلاص والوطنية. وثانيتهما، أن الحديث هنا هو بحث عن الفرق في الاستراتيجيا وامتلاكها علماً وتطبيقاً، بين حافظ الأسد وخصومه منذ أكثر من نصف قرن. أعلم أن كثيرين لا يوافقون على هذه الرؤية، بل لا يريدون أن يروها. فلنعتبرها إذن مجرد تمرين على التشريح، مثلاً.

أخيراً، لم نستفد في قوى المعارضة السورية من تلك “الخبرات” الجارحة على الشكل الصحيح! وخصوصاً بما فعلناه في زمن الثورة العجيب. وللحديث تتمة…

*كاتب سوري