الصفحة الرئيسية رأي وتحليل نقاش في مفهوم الطـوائف والصراعات الطائفيـة

نقاش في مفهوم الطـوائف والصراعات الطائفيـة

 

تزايد الحديث عن “المسألة الطائفية”، والصراعات الطائفية، والعنف الطائفي، والمخاوف الناجمة عنها، في السنوات الأخيرة، بخاصّة على خلفية الصراعات في بلدان المشرق العربي (العراق وسوريا ولبنان)، مع ما تنطوي عليه كل هذه المسائل من التباسات ومبالغات وتوظيفات متباينة، لاسيما أن هذا الحديث، على الأغلب، يخلط، أو لا يميز، بين مفاهيم من مثل: الطوائف والطائفية والأقليات، بالنظر إلى خلفياتها ودلالاتها المتباينة.

مثلاً، ينبغي التمييز بين الطوائف والطائفية، ففي حين أن الطوائف هي ظاهرة تاريخية، اجتماعية ودينية، فإن الطائفية ذات طابع سياسي، وتتضمن حمولات هوياتية وعصبوية وضدّية، كونها تتأسس على تنميط الأفراد، ومصادرة حريتهم أو خياراتهم الشخصية، وتفرض عليهم الخضوع لتنميطات جمعية طائفية، بدعوى المشترك الديني، لوحده. أما الأقليات فهي جماعات إثنية تعيش في نطاق دولة ما، من دون أن تكون من ذات الإثنية التي تتشكل منها الأغلبية في هذا البلد. لكن في هذا المجال ينبغي التمييز بين الأقليات الإثنية، التي يتألف منها مجتمع ما (الأكراد والآشوريين مثلاً في العراق وسوريا وإيران وتركيا)، والأقليات الإثنية الوافدة، أي التي لها بلد أمّ، وكانت وفدت إلى بلدٍ ما في ظروف ومراحل تاريخية معينة (الأرمن والتركمان والشركس الأرناؤوط في سورية مثلاً).

معنى ذلك أن المشكلة في المجتمعات، بخاصة في المشرق العربي، لا تكمن في وجود الطوائف، بوصفها جماعات بشرية تشكّلت عبر التاريخ، فهذا أمر طبيعي، وقد أمكن التعايش معه، لاسيما أنها يمكن أن تشكل عامل إغناء وتنوع وإثراء حضاري وثقافي لأي بلد. لذا فإن المشكلة تكمن في الفكر السياسي الطائفي، الذي يحيل هذه الطوائف إلى وحدات اجتماعية مختلفة عن بعضها، حتى من الناحية الهوياتية، ناهيك عن إصراره على إنتاج الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي يعيد إنتاج هذه التمايزات، بأشكال شتى، وضمنها، إقامة جدران بين المجتمع الواحد، وإيجاد صيغ دستورية، وقانونية، تؤبّده. المشكلة، أيضاً، تكمن في التلاعب بالمسألة الطائفية، أي بالطوائف، وتوظيفها في إطار الصراعات السياسية، صراعات القوة والسلطة والهيمنة، وهو ما بات واضحاً في سعي النظام السوري إظهار نفسه باعتباره مدافعاً عن طوائف معينة، رغم أنه ينظر إليها باعتبارها مجرد “أقليات”، كما في السياسات التي انتهجها المالكي في العراق.

ثمة أربعة عوامل دفعت نحو بروز النزعة الطائفية، والصراعات الطائفية، في الظروف الحالية، أولها: السياسات التي تنتهجها إيران إزاء العالم العربي، مع أذرعها السلطوية والمسلحة في عديد من البلدان (حزب الله في لبنان والأحزاب المسلحة الموالية لها في العراق وربما في اليمن). وثانيها: عمليات القتل والتدمير الأعمى، بالطائرات والدبابات والمدفعية، التي انتهجها نظام الأسد إزاء مناطق بعينها في سوريا. وثالثها: السياسات التي انتهجها المالكي رئيس الوزراء العراقي السابق في العراق. ورابعها: المشكلات والتحديات المتعلقة بالمواطنة والديمقراطية وبناء الدولة في البلدان العربية.

الفكرة الأساسية هنا أن التنازع، أو التصارع، الطائفي نشأ من حوادث سياسية، لا من خلافات دينية، لا سيما من جهة محاولات إيران مد نفوذها في عديد من البلدان، لتعزيز مكانتها الإقليمية، ومن تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي سهّل قيام نظام سياسي طائفي فيه، ومن مساندة إيران وقادة العراق و «حزب الله» (في لبنان) للنظام السوري، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية، فإن هذا الوضع إنما هو تحصيل حاصل للواقع الذي اشتغلت عليه النظم الاستبدادية، طوال عدة عقود، لتأبيد تسلّطها على المجتمع، وتكريس تحكّمها به، فهذه النظم لم تسع إلى بناء الدولة الحديثة، دولة المؤسسات والقانون والمواطنين، بل إنها كرّست الانتماءات ما قبل الوطنية (الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية والجهوية)، باستمرائها اللعب على “العصبيات الطائفية” (والإثنية).

القصد أن المشكلة لا تكمن في وجود الطوائف الدينية، أو في الكلام عنها، وإنما في الطائفية السياسية التي تحاول أن تمنح تلك الطوائف، باستغلال مشتركها الديني، معنى هوياتياً، مغلقاً ومطلقاً ومتمايزاً، ما يسبغ عليها وظائف ومصالح سياسية محددة، إزاء الطوائف الأخرى، على رغم أن أصحاب الفكر الطائفي هم على الأغلب من غير المتدينين، كونهم فقط أصحاب مصالح وأصحاب سلطة، ما يفسر تركيزهم على العامل الهوياتي أكثر من العامل الديني.

هكذا، فإن الفكر السياسي الطائفي هو فكر استلابي، يحرم الإنسان الفرد من مجاله الخاص، أي من حريته، ومن حقه في المساواة مع الآخرين، من المواطنين الأفراد، وذلك بإخضاعه لسلطة الطائفة المتعينة دينياً، أو مذهبياً، والتي هي في واقع الأمر كناية عن هيمنة لجماعة، أو لطغمة، مهيمنة في الطائفة ذاتها، وهذا هو المعنى السياسي للفكر الطائفي. وتالياً لذلك فإن الفكر السياسي الطائفي يصدر عن وجهة نظر تقسم المجتمع بطريقة أفقية، لا عمودية، بحيث تغدو الطوائف وكأنها بمثابة بيئات متجانسة، في حين أنها في الواقع متباينة سياسياً وثقافياً ومصلحياً، وفي وضعية كهذه يجري تنميط الأفراد ومصادرة خصوصياتهم وخياراتهم، كما يجري وضع الطوائف في مواجهة بعضها، في إطار من العصبية والانغلاق إزاء الآخر.

فوق هذا وذاك فإن خطورة الفكر السياسي الطائفي تكمن في أن تطييفه المجتمع يزعزع الاندماجات المجتمعية، ووفق مفهوم المواطنة، الذي يتأسس على الإنسان الفرد، بمعزل عن أي تمايزات بينه وبين غيره من الأفراد، وأيضاً بمعزل عن أية جماعات أوّلية ينتمي إليها، هذا الفرد، وضمنها الجماعة الدينية. ولنلاحظ أن الطوائف الدينية، من وجهة نظر الفكر السياسي الطائفي الهوياتي والمغلق، تغدو بمثابة «أقليات»، وهذا تنتج منه نظرتين خطيرتين، أولاهما توحي بأن هذه الطوائف غريبة عن مجتمعها، وثانيتهما أن هذه الطوائف لها امتدادات إقليمية، بمعنى أن الأولوية ليست لانتمائها إلى بلدها وإنما لانتمائها إلى طائفتها الممتدة.

لهذه الاعتبارات كلها تبدو الفكرة الطائفية والصراعات الطائفية، تعّسفية، وعبثية، ومدمرة، وتنطوي على تلاعبات وتوظيفات، لا تخدم إلا أقلية، لكنها الأقلية التي تتحكّم بالسلطة أو بالطائفة ذاتها. ولعل هذا ما قصده برهان غليون (في كتابه: “نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة”) باعتباره أن “الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة.”

*كاتب سياسي فلسطيني