الصفحة الرئيسية رأي وتحليل التنافس الروسي الإيراني وانقسامات نظام الأسد

التنافس الروسي الإيراني وانقسامات نظام الأسد

تناقلت مواقع وصفحات إخبارية على الإنترنت، في الأيام القليلة الماضية، أنباءً عن اقتتال قوات نظام الأسد فيما بينها، إذ وقعت اشتباكات استمرّت عدة أيام في ريف محافظة حماه وسط البلاد، قيل إنّ أطرافها هم ما يُعرف بـ “قوات النمر” ومعها “الفيلق الخامس” من جهة، مقابل “الفرقة الرابعة” التي يقودها ماهر الأسد شقيق بشار. وعلى الرغم من أن سبب الاشتباك يعود إلى الخلاف “على التحكم في طرق مرور البضائع والسيطرة على المنازل التي هجرها سكانها جراء الحرب”، وفق ما ذكرت بعض المصادر، إلا أنّ معظم المعلّقين على الحدث ذهبوا إلى القول إنّ هذه الاشتباكات “مؤشّر على تصاعد النزاع الروسي الإيراني” في سوريا، على اعتبار أن الفريق الأول من المتقاتلين يحظى بدعم ورعاية من قبل الروس، في حين تقدّم إيران دعمها للفريق الآخر.

بصرف النظر عن دقّة المعلومات أو شدّة المواجهات المذكورة وسببها المباشر، فإنّ الأكيد هو وجود تنافس يرقى إلى درجة الخلاف بين الحليفين الاضطراريين، روسيا وإيران، اللذين وإن تكاتفت جهودهما معاً طيلة السنوات الماضية للحيلولة دون سقوط الأسد ونظامه، إلا أنّ استراتيجية كل ّمنهما تقوم أساساً على أهداف ومشاريع وأدوات مختلفة في سوريا. لذلك يبدو من المنطقي جداً أن يكون هذا هو السبب الحقيقي وراء “الحادث” الذي لم يكن الأول من نوعه وعلى الأرجح فإنه لن يكون الأخير. فوتيرة الخلاف وتباين المواقف بين موسكو وطهران في ازدياد ملحوظ، لا سيما بعد تكرار الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف المواقع الإيرانية في سوريا باستخدام الصواريخ وسلاح الجو، ودائماً بالتنسيق مع الجانب الروسي. وبلغ الأمر أنّ رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في “مجلس الشورى” الإيراني (البرلمان)، اتّهم القوّات الروسية بالتواطؤ مع إسرائيل عبر تعطيل منظومة صواريخ S-300 بشكل متعمّد أثناء الغارات الإسرائيلية على المواقع الإيرانية في سوريا. ومعلومٌ أنّ موسكو تنسّق مع تل أبيب بخصوص العمل على إبعاد أي قوات موالية للإيرانيين عن المناطق القريبة من الحدود مع الأراضي المحتلّة.

غير أنّ الوجه الآخر الذي تكشفه مواجهات كهذه ليس الخلاف الروسي الإيراني ففط، وإنما حقيقة تشظّي النظام الأسدي إلى عدّة مراكز قوى نشأت خلال سنوات الثورة ثم الحرب السورية على يد رعاة النظام وداعميه من الإيرانيين والروس على السواء، حيث أراد كل منهما الإمساك بمفاصل النظام ونقاط قوته العسكرية والأمنية على نحو خاص. وشيئاً فشيئاً بدأت التمايزات والحدود تظهر بين تلك القوى التي لم يلبث نفوذها أن نما باطّراد بعد نجاحها في تنفيذ المهام الموكلة إليها، سواء في استعادة معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها قوى المعارضة المسلّحة، أو بالالتزام فعلياً بما تمليه عليها مرجعياتها الإيرانية أو الروسية حسب الحال، ومن ثمّ سعي كل فريق إلى توسيع نطاق نفوذه وتثبيته على حساب الفريق الآخر.

الملفت أنّ ذلك كلّه يجري بصورة علنية وصريحة، فاللعب أصبح على المكشوف، ويمكن ببساطة تحديد أيّ من التشكيلات العسكرية النظامية أو حتى تلك الميليشياوية يتبع لإيران أو روسيا، وكذلك الحال في ما يخص أجهزة الأمن الرئيسية بفروعها المختلفة: إدارة المخابرات الجوية، المخابرات العامة أو ما يعرف بأمن الدولة، وشعبة المخابرات أو الأمن العسكري.

لكن ما سبق لا يعني بالضرورة فقدان بشار الأسد لسلطته بشكل نهائي أو أنّه قد جُرّد تماماً من أية قوة، لأنّ هناك فئات غير قليلة ما تزال على ولائها للأسد شخصياً، سواء ضمن ما تبقّى من التشكيلات العسكرية النظامية أو في صفوف كبار القادة الأمنيين ممن لم يدوروا بعد في الفلك الروسي أو الإيراني. واعتماداً على هؤلاء يحاول بشار الأسد الاستفادة من تصاعد حالة الانقسام والتنافس الروسي – الإيراني في سوريا، ويسعى قدر المستطاع إلى المناورة بينهما بما تبقّى له من دور أو سلطة تتيح له اللعب على خيوط المصالح المتناقضة بين الجانبين. وبمثل ما وقّع اتفاقيات عسكرية وأمنية واقتصادية مع إيران، فعل الشيء نفسه مع روسيا، وهو لا يكفّ عن الإشادة بأهمية العلاقة مع الجانبين والحرص على تطويرها، بحيث يضمن عدم تخلّي أي منهما عنه أو التخلّص منه، وهو ما يبدو أنه نجح فيه حتى اللحظة.

إنّ ما كان في السابق نظاماً ذا بنية صلبة شديدة التماسك، يدور برمّته حول مركز تجتمع فيه كافة عناصر السلطة والقوّة والسيطرة والتحكّم، ولا يرضى بأقلّ من الولاء الأعمى المطلق لهذا المركز، أصبح الآن منقسماً على ذاته إلى عدّة فئات رئيسية متنافسة، تسعى إحدى هذه الفئات إلى ضمان مصالحها والبحث عن دور مستقبلي من خلال روسيا، فيما تريد فئة أخرى الأمر ذاته لكن عن طريق إيران، إضافة إلى فئة ثالثة ما تزال تربط مصالحها ودورها ومصيرها، وجوداً وعدماً، مع العائلة الأسدية مباشرة. ما يجمع بين الفئات الثلاث، على اختلافها، أنّها ومصالحها ومشاريعها تقع على الجانب النقيض من تطلعات الشعب السوري ومصالحه، لذا فإنّ مستقبل سوريا سيبقى مظلماً وخطراً ما لم تتغيّر المعادلات وموازين القوى الحالية، بحيث يتاح للسوريين الإمساك بمصيرهم مجدداً وقول كلمتهم، الأمر الذي يُخشى أنه بات اليوم أصعب وأبعد منالاً من أي وقت مضى.

  * كاتب سوري