الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء اللاجئ صامتاً

اللاجئ صامتاً

في إحدى المقابلات التي جرت بين لاجئ في إحدى الدوائر الحكومية الألمانية وبين الموظف المسؤول، تحدث الموظف عن عدة إجراءات يتوجب على ذلك اللاجئ القيام بها كفترة تدريبة على عمل تُلزمه به الحكومة الألمانية ضمن قوانين اللجوء. العمل المطلوب التدرب عليه من قبل اللاجئ يستوجب تغيير مهنته الأساسية وتعلم مهنة جديدة، وهذا ما لا يريده اللاجئ، يريد العمل ضمن مهنته ذاتها. أعرب اللاجئ عن عدم رغبته بتلك المهنة، وعن تمسكه بمهنته ذاتها، وأنه يتقنها جيداً وسوف ينجح بها لأنه يحبها، إلى آخر ما هنالك من أسباب يمكن للمرء أن يعرضها كي لا يغيّر مهنته وكي يبقي على عمله الأساسي. ثم قال للموظف: ليس من حقك أن تفرض علي مهنة جديدة لا أحبها ولا أعرفها، وتغير لي مهنتي، من حقي أن أختار العمل الذي أحب.

لفتت كلمة “حق” التي نطق بها انتباه أحد المواطنين الألمان في المبنى، ثم توجه للاجئ وقال له بصوت مرتفع: حق؟ حقك؟ وهل تعرف ما هو الحق في بلدك؟ لو كنت تعرفه ما أتيت إلى هنا، ثم حتى لو كنت تعرفه، هل مارست حقوقك في بلدك ذات يوم؟ هذا ليس حقك أنت. هل شاركت في صياغة القانون؟ نحن صنعنا هذا القانون، نحن ناضلنا لأجله، دفعنا حياتنا ودفعنا دمنا لأجله.. هذا حقنا نحن فقط. ليس حقك أنت. خلال قيام أمن المبنى بإخراج هذا المواطن، علت بعض الأصوات من ألمان تتهم مواطنهم أنه يميني متطرف، وأنه ضد اللاجئين، وأن القانون يخص جميع الناس الذين يعيشون في ألمانيا… ثم توجهت إحدى الموظفات إلى اللاجئين واعتذرت منهم بالنيابة. قد يكون ذلك المواطن يمينياً متطرفاً، وقد يكون مجرد غاضب لسبب أو لأسباب ما، فليس كل تعبير مضاد يمكن أن يوصم صاحبه بالتطرف والعنصرية.

المشكلة ذاتها حدثت مع اللاجئ التالي: تم تغيير مهنته، وقبِل. لم يعترض. لم ينطق. شكر الموظف بتهذيب جم، أي مع بعض الانحناءات، وغادر. لكن تعابيره المنزعجة دفعتني لسؤاله: أتريد تعلم مهنة جديدة؟ قال: لا، أحب مهنتي. وعندما سألته عن سبب قبوله ذلك، وعدم اعتراضه على الموظف، وفيما إذا كانت اللغة سبباً في ذلك، أي لو أن لغته لم تسمح له بالتعاطي مع الموظف ورفض ما أملاه عليه… قال: لا، أنا أتحدث الألمانية كما ترى وتسمع على نحو ممتاز، إنما ألم تسمع ما قاله ذلك المواطن؟ الاعتراض ليس من حقي، لا أريد مشاكل هنا. سأعمل ما يريدون!

فكرة الحق شائكة، خاصة، أو على وجه الحصر، بالنسبة للاجئين في بلدان اللجوء، وليست بديهية كما يمكن أن يظن المرء. ثمة شعور ما، يعبر عنه بطرائق شتى، أن علاقة اللاجئ مع المنظومة العامة في البلد المستضيف ليست مستندة على مفهوم الحق، بل مفوم “الامتنان”. يغذي هذا الشعور استغلال بعض الأحزاب السياسية في بعض بلدان اللجوء لوجود اللاجئين ووضعهم في البورصة السياسية بين من يقف ضدهم ويريد إعادتهم إلى بلدانهم، وبين من يقف معهم مرحباً، وبين من يريد إبقاءهم بشروط أو ترحيلهم بشروط. وتزداد شعبية الحزب أو تنقص اعتماداً على الحالة العامة للبلد ومدى التقبل العام أو الرفض العام لوجود لاجئين، الأمر الذي يعني نجاح حزب ما في الانتخابات أو عدم نجاحه. في الفترة التي صعد فيها اليمين المتطرف في ألمانيا ممثلاً بحزب “البديل لأجل ألمانيا” كان جزء من الإعلام الألماني مشغولاً بالحديث عن اللاجئين: بين مرحب ومستنكر، كان “اللاجئ” على واجهة الشاشات والحدث، في الشوارع والمحلات، في المدارس، وفي كل مكان… كان ذلك حديث جزء من الشعب الألماني. بصرف النظر عن ماهية تفكير الناس باللاجئين، وأغلبها متعاطفة معهم، إلا أن هذا الأمر أشاع مناخاً عاماً بين اللاجئين يتسم بالقلق وانزياح مفهوم الحق لصالح مفهوم “الامتنان“. وعلى الرغم من أن أغلبية اللاجئين تدرك أن بلدان اللجوء الأوربية بلدان قانون وحقوق وواجبات، إلا أن الاستناد إلى هذا المفهوم يبقى متخلخلاً، وغير راسخ، بل غائباً في أغلب الأحيان.

في الثقافة الألمانية والأوربية عامة يتم تعريف الكاتب، أيّ كاتب، بأنه ألماني من أصول (كذا)! ذكر أصول الكاتب يدل بطريقة ما على نهج تذكيري بأن هناك ألمان (أقحاح؟) وألمان ليسوا كذلك، دون أن يشير ذلك إلى نوع من التمييز بالضرورة. روت إحدى السيدات الألمانيات من أصول تركية أنه حتى هذه اللحظة ثمة من يقول لها: تركية الأصل؟ لكنك تتحدثين الألمانية بشكل جيد! لا ينطوي هذا على تمييز بالضرورة، ولكنه ينطوي على شعور عام بالفرق بين الألماني الأصل وبين غيره… فكيف لو كانت هذه السيدة مثلاً لاجئة!

هذه المناخات قادرة بقوة على إحداث تفكير يرى اللاجئ من خلاله أنه مجرد دخيل على المجتمع المضيف، وعالة عليه، وليس صاحب حق (في الحقيقة صاحب حقوق) أقرته اتفاقية 1951، ثم بروتوكول 1967 الصادرين عن الأمم المتحدة، والمعمول بهما دولياً. إضافة إلى أن هذه الحقوق مكفولة ومرعية بالقوانين الألمانية والأوربية عموماً.

يضاف إلى ذلك فإن مفهوم “الحق” غائب في بلدان كثيرة من بلدان اللاجئين، إن لم يكن غائباً عنها جميعاً، وبالتالي فإن ثقافة “الحقوق” مغيبة أصلاً. نحن، السوريين، نعرف تماماً كيف هي فكرة ومفهوم “الحق” في سوريا منذ أن غزاها الهمج بقيادة حافظ الأسد، نعرف غيابها كلياً لصالح الإرغام والسيطرة والهيمنة. لذلك فإن صوتنا، في كل مرة نذكر فيها أو يمكن أن نذكر فيها كلمة “حق”، يبدو مرتجفاً، غير واثق، متردداً، وخافتاً، بل مبحوحاً.

خلال تلك المقابلات مع الموظف المتخصص، وبعد ذلك التعريف الذي قدمه المواطن الألماني لمفهوم “الحق”، مر أكثر من لاجئ أمام الموظف دون أن يبدي أية كلمة، دون أن يعترض، دون أن ينطق. كانوا صامتين و”ممتنين” فقط!

*كاتب سوري