الصفحة الرئيسية رأي وتحليل هل تشهد القمة مقايضة مناطقية في إدلب والشمال؟

هل تشهد القمة مقايضة مناطقية في إدلب والشمال؟

تفرض سيناريوهات ملء الفراغ في الشمال السوري نفسها على طاولة التفاوض بين دول حلفاء مسار آستانة العسكري وذراعه السياسي مؤتمر سوتشي، في اللقاء المعلن عنه يوم 14 فبراير، بالرغم من ان محور المفاوضات بين الحلفاء يكمن في إدلب، حيث يبسط تنظيم النصرة المصنف إرهابياً من الحلفاء الثلاثة (روسيا وإيران وتركيا) سيطرته على كامل المنطقة، خلافاً لمضمون التعهد التركي الذي يتضمن تطهير إدلب من مقاتلي التنظيم خلال مراحل زمنية متفق عليها، ما يعني انهيار كامل لاتفاق قمة سابق بين الرئيسين الروسي والتركي في سبتمبر 2018، الذي خلص إلى تحمل تركيا أعباء تحرير إدلب من الإرهابيين، وانشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين قوات المعارضة وجيش النظام، ما يفرض العودة من جديد إلى تفاهمات جديدة، قد تخلص إلى مقايضات مناطقية بين الدول الضامنة، تضع نقطة النهاية لمصير عفرين ليصبح تركياً خالصاً، مقابل إدلب روسياً، عبر عملية عسكرية منفردة، أي عودة النظام، وتغير مفهوم المنطقة الأمنية من أحادية إلى ثلاث مناطق متعاقبة تركية، عربية، كردية، تنتهي بوجود النظام أو ما يسمى مؤسساته الخدمية.

وحيث تمكث تركيا حائرة بين الإشارات الأميركية لها بالموافقة على مطلبها بإقامة منطقة آمنة بعمق (32) كم، وبين التزامات روسيا لها بالعودة إلى اتفاق أضنا 1998، الذي يخولها رسميا بدخول المناطق المحاذية لحدودها، بعمق خمسة إلى ثمانية كيلومترات، ومن ثم وضع درع بشري من قوات مختلطة عربية وكردية بشمركة، تتصدر المشهد فيها “قوات النخبة” التابعة لأحمد الجربا الرئيس الحالي لتيار الغد، والرئيس السابق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، والذي كان أحد أعضاء الهيئة العليا للتفاوض1، قبل أن يعمل الرئيس السابق لها رياض حجاب على فصله من عضويتها، ثم عاد ليكون أحد رموز المعارضة في مؤتمر الحوار السوري في سوتشي، ما يعني أن تركيا وخلال القمة المرتقبة عليها أن تعلن إلى أي من الثقلين تميل، مع الأخذ أن بروز دور الجربا من جديد، ليس بعيداً عن القبول الأميركي والخليجي والكردي الذي يدعمه مالياً وسياسياً.

ولعل من المفيد التذكير أنه في الوقت الذي عمل فيه الائتلاف على قطع كل أواصر العلاقة مع رئيسه السابق أحمد الجربا، كان الأخير يستعد ليكون الذراع الفاعل في العملية التفاوضية العسكرية والسياسية في مناطق الشمال والجنوب، رغم ما شاب علاقته مع تركيا من توترات، ما يضعنا من جديد أمام تساؤلات حقيقية عن الدور الذي يلعبه الائتلاف في ظل استبعاده من تركيا ،الداعمة له، كجهة معنية في الوصول إلى تفاهمات موازية لما يفعله الجربا، كفرد، وكتيار، كان مرفوضاً من كيانات المعارضة وفي مقدمتها الائتلاف عينه؟

وعلى الجهة المقابلة، يقتصر عمل وحراك المعارضة التي تمثلها هيئة التفاوض السورية على انشاء لجنة لصياغة الدستور، التي كانت إحدى ملفات سلال دي مستورا الأربعة سابقاَ، والتي تضمنت  عام (2016) في سلتها الأولى: القضايا الخاصة بإنشاء حكم غير طائفي يضم الجميع، خلال مدة زمنية لا تتجاوز ستة أشهر. أما الثانية فكانت تبحث بوضع جدول زمني لمسودة الدستور الجديد خلال ستة أشهر أيضاً. في حين يفترض بالسلة الثالثة بحث ما يتعلق بالانتخابات الحرة والنزيهة بعد وضع الدستور ومدة الإنجاز 18 شهراً. أما الرابعة والتي أفرد لها النظام كل طاقته لتتصدر مشهد أي مباحثات بينية، هي: استراتيجية مكافحة الإرهاب والحوكمة الأمنية. ورغم أنها كانت في عداد الخطط المرفوضة من المعارضة، والتي طالما شككت بجدواها في انجاز أهداف الثورة في الإطاحة بالنظام القائم، لإنجاز ما سمته سوريا الجديدة، إلا أنها سرعان ما أعادت حساباتها لتصبح هذه السلال هي مشروع المعارضة التي تنادي به، رغم استبعاد ملفات السلال جميعها، ليبقى العمل على ملفين منها فقط، وهي محاربة الإرهاب، وتشكيل لجنة لصياغة دستور سوري.

ورغم أن ممثلية المعارضة أي “وفد التفاوض” في مباحثات جنيف التي وصل عددها إلى  9-1 (على اعتبار أن جولة فيينا لم تعلن على أنها جولة تاسعة) قدمت كل التنازلات الممكنة، وصولاً إلى القبول بمقررات مؤتمر سوتشي للحوار (يناير 2018)، الذي رعته روسيا بين المحسوبين على النظام من جهة، والمحسوبين عليها كدولة راعية للنظام ومعارضته “اللايت”، أو المعارضة الخاضعة لإرادة تركيا الحليفة لروسيا، من جهة مقابلة، وقد امتنعت هيئة التفاوض عن المشاركة به إعلامياً، رغم مشاركة “منصات” منها في المؤتمر، إلا أن الملفت في الأمر أن كل من النظام والمعارضة تناوبا على عرقلة تنفيذ بيان سوتشي، الذي يتلخص حسب التفسير الروسي بتشكيل لجنة “لإصلاح الدستور” وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 2254، كمنطلق للحل السياسي لإنهاء الصراع المسلح في سوريا، ليتصدر الخلاف على آلية التشكيل، وحصص كل طرف – سواء من النظام أو المعارضة-، بهدف كسب الوقت لإنجاز التوافقات التي تحقق مصالح الدول المنخرطة في الصراع على سوريا، ومعهم النظام، الذي يرى في كل ما يجري على الأرض وبدعم من المعارضة أنها فرصته ليعود سيد الموقف من جديد، دون أي التفات لمطالب الثورة الأساسية.

واليوم بعد أن مضى عام كامل على بدء المساعي الدولية لتشكيل اللجنة الدستورية، التي لم يتم الاتفاق عليها، تارة لاعتراضات من النظام حول الثلث “المعطل”، المشكل من منظمات وهيئات المجتمع المدني، وتارة من المعارضة تحت ذات العنوان، وإنما لأسباب مختلفة، فحيث تحرص (تركيا) الدولة التي تمثل المعارضة في حلف آستانة الذي يجمعها مع داعمي النظام (روسيا وإيران) على وضع أجندة أولويات تبدأ من حل مشكلة عفرين، وإدلب والشمال السوري أولاً، وذلك قبل أن تظهر مسألة انسحاب القوات الأميركية، وتأزم الوضع بعدها، حيث فتح الرئيس الأميركي بقرار انسحابه من سوريا باب الخلافات والمساومات بين الدول الحليفة فيما بينها من جهة، ومع الإدارة الأميركية من جهة أخرى، ليعيد من جديد خارطة التفاهمات وفق مبدأ أولويات أميركا أولاً، والتي تتمثل حالياً بإعلان كل الجهات حربها على الإرهاب، وتحجيم الدور الإيراني في سوريا.

ما يعني أن قمة (بوتن- أردوغان- روحاني) المقبلة أمام مفترق طرق يهدد وجودها، بينما يضع أمام روسيا ومن بعدها النظام خيارات أحلاها مر، بين أن يخضع لكامل شروط التسوية الموافق عليها أميركياً ومن تحت الطاولة روسياً، أو يبقي على موقفه في حماية القوات الإيرانية “حسب تصريحات وزير خارجيته وليد المعلم الأخيرة” التي تحميه أساساً، سواء من ثورة الشعب، أو من غضب روسيا التي تستفزه تباعا، بتشكيل قوى سورية موازية لقوة جيشه، ومراكزه الأمنية؟

*كاتبة سورية