الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء … أو نحرق البلد: بخصوص إعادة الإعمار في سوريا

… أو نحرق البلد: بخصوص إعادة الإعمار في سوريا

في وقت مبكر من الثورة السورية ربيع 2011 ظهر شعار يعبر عن غرائز نظام بشار الأسد العميقة، يقول: الأسد أو لا أحد! أو: الأسد أو نحرق البلد! أو: الأسد أو بلاها هالبلد! وبعد ما يقترب من ثماني سنوات من ثورة سلمية فحرب أهلية، فحرب العامة بمشاركة قوى وشبكات دولية متنوعة، وسقوط ما قد يزيد على 600 ألف من السوريين، ولجوء ما يقترب من ستة ملايين خارج البلد وفوق مليون إلى أوربا، ما يزيد بالمجموع على ربع السكان، يمكن القول إن البلد احترق فعلاً. وهذا مع بقاء الأسد الذي ورث الحكم عن أبيه قبل نحو 19 عاماً.

وبأثر سياسة “حرق البلد” قدرت الأمم المتحدة في آب/ أغسطس 2018 كلفة بناء سورية بـ 400 مليار دولار، وفي التداول أرقام أكبر. وليس بين ما يمكن أن تجري “إعادة إعماره” إحياء الموتى ومعالجة آلام من فقدوا أحبتهم أو من لا يعرفون مصيرهم منذ سنوات، وليس منها ضياع مستقبل مئات ألوف الأطفال، وليس منها محاسبة االقتلة. 400 مليار دولار هي فقط أكلاف إعادة بناء “البنية التحتية” التي دمرها بالبراميل والقنابل الفراغية والارتجاجية والفوسفورية نظام يحكم البلد منذ نصف قرن، وبمشاركة روسيا وإيران وأتباعها، وذلك كنهج لتدمير مجتمع التمرد السوري. في آب/ أغسطس 2017 قال بشار الأسد إن هناك مكسب يحد من الأثر السلبي لسقوط الكثير من الضحايا ودمار البنية التحتية، هو الحصول على “مجتمع متجانس”. التجانس عزيز على قلب النظم الفاشية كما هو معلوم، يذكّر بسياسة النازيين في ألمانيا، والتطهير العرقي في البلقان في تسعينات القرن الماضي.  بشار نسي أن يتكلم على مكسب آخر، هو الوجه الآخر لـ”التجانس”: بقاء حكم السلالة القائمة على الإبادة.

هل يمكن أن تجري إعادة الإعمار دون تغيير سياسي أساسي؟ ليس هذا غير أخلاقي فقط، ولا هو ينكر على السوريين الأهلية السياسية والأخلاقية، ويتعامل معهم فقط كاحتياجات مادية، ولكنه لا يمكن أن يثمر حتى على هذا المستوى الأخير. لماذا؟ لأن مالكي البلد فاحشي الثراء اليوم تصرفوا طوال نحو جيلين بمنطق مافيا كلبتوقراطية (حكم اللصوص) تستولي على الموارد العامة بقوة السلاح، دون كشف حساب أمام أحد. لقد جرى تحطيم المجتمع المدني وكل المنظمات السياسية المستقلة التي يمكن أن تراقب أو تحتج. أثرى أثرياء سوريا اليوم هو رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، وهو جنى ثروته من خصخصة الدولة بالذات، وجعلها ملكاً عائلياً للأسرة الأسدية ومحاسيبها. في مقابلة صحفية في نيويورك تايمز بعد أسابيع من بداية الثورة، قال رامي مخلوف الذي ليست له أي صفة رسمية إنهم قرروا “القتال حتى النهاية”، وقال إن “الإصلاح السياسي” يمكن أن ينتظر! إلى متى؟ ربما نصف قرن آخر. 

لم تعرف سوريا في سنوات الحكم الأسدي قضاء مستقلاً يمكن اللجوء إليه لبتّ المشكلات التي تنشب بين الشركاء. حين اختلف رامي مخلوف مع شريكه نجيب ساويرس، رجل الأعمال المصري، في عام 2002، عيّن شقيقه إيهاب حارساً قضائياً “محايداً” على أملاك الشريك قبل أن يستولي عليها. وفي الوقت نفسه انعدمت الشفافية وحرية تداول المعلومات، فلا تتاح للسوريين أو غيرهم معرفة العقود والصفقات الحكومية، ومن هم الشركاء فيها، ولا يتاح لغير المقربين العلم بإجراءات تنظيمية تنعكس على أسعار العقارات مثلاً، أو القرارات الخاصة بالاستيراد أو التصدير. وغير انعدام القضاء المستقل وحرية المعلومات، ليس هناك جسم تشريعي مستقل، يصدر وينشر قوانين يتساوى أمامها الجميع، ويراقب تنفيذها. ما يتصل بالشؤون الاقتصادية من قوانين يغلب أن يعلم بها مقربون قبل صدورها ويستفيدوا تفضيلياً من ذلك، وحتى أنها قد تصدر من أجلهم بالذات. وليس في البلد نقابات مستقلة أو حقوق إضراب أو منظمات يمكن أن تتفاوض جماعياً على الأجور أو حقوق العمال.

والقصد أنه حتى لو جرى القبول اللاأخلاقي بأن للسوريين حاجات مادية فقط وليس حقوقاً سياسية، فإن غياب القضاء المستقل والتداول الحر للمعلومات وتبعية الجسم التشريعي وانعدام النقابات المستقلة، كل ذلك ينذر بأن تكون إعادة الإعمار بمثابة إعادة تمويل لنظام إبادة، تغطي كلفة حربه على محكوميه، وقد تثمر عن أبنية ومرافق فخمة في بعض الضواحي المهدمة، التي يجرد سكانها من ملكيتها ويقيم فيها أثرياء النظام وشركاهم.

يدفع الفقراء بالمقابل إلى مساحات غير مرئية، فلا يعكرون صفو الحكم الأبدي. المرسوم رقم 10 الي صدر في نيسان/ أبريل 2018، يجرد عملياً من ملكياتهم أولئك الذين لا يستطيعون إثباتها، إما لأنهم فقدوا السجلات مع البيوت المدمرة، أو لأنهم لاجئون في بلدن أخرى ويخشون على حياتهم، أو لأنهم مختفون قسرياً (نحو 85 ألفاً)، وهو ما يشرع التغيير السكاني الذي جرى بالقوة، ويقطع طريق العودة على اللاجئين.

أما وأن محصلة سياسة “الأسد أو نحرق البلد” هي اليوم الأسد وحرق البلد معاً، فإنه ليست هناك أسباب لأن يكافأ الحارق على الحريق، خصوصاً بعد أن فتك بمحكوميه وشردهم، وصار في موضع أفضل للسطو على موارد إعادة الإعمار دون حسيب أو رقيب.

هذا فوق أنه بعد جيل من اليوم، حين ينفجر المجتمع السوري المفقر والمهان من جديد، وللأزمات الكبرى في تاريخ سوريا إيقاع جيلي (كل ثلاثين عاماً تقريباً)، لا يبعد أن يتجدد حرق ما جرى إعماره كي تدوم دولة السلالة وأثرياؤها القدامى والجدد.

فالأصل في حرق البلد هو إرادة البقاء في الحكم إلى الأبد، كما يقول شعار آخر للحكم الأسدي، وكما ترجم عمليا بإقامة سلالة ورث فيها الابن أباه في حكم “الجمهورية”، وعليه أن يورثها لابنه (واسمه حافظ، بالمناسبة).

الخلاصة البسيطة لما تقدم وجوب الربط بين إعادة الإعمار والتغيير السياسي الحقيقي في سوريا. لستُ متفائلاً بذلك. الدول والمنظمات الدولية لا تريد التفكير الصعب في السياسة، بل النوم دون كوابيس. وهي تفضل لو يختفي السوريون بصورة سحرية، وتُكتم أصواتهم، لا أن تعالج جذور الشر المتمثلة في حرمانهم من ملكية بلدهم؛ تفضل كذلك الحلول المالية والتقنية لما هي مشكلات سياسية واجتماعية. لن ينجح ذلك. ما تحتاجه سوريا هو دولة السياسة، دولة عامة تقوم على التفاوض والتسويات والحلول الوسط، وليس دولة مخصخصة تقوم على التعذيب والقتل والسرقة.

*كاتب سوري