بدأ عمل المنظمات الإغاثية في الشمال السوري مع ظهور الحاجة الملحة إليها وذلك بعد عمليات القصف والتهجير والاعتقالات التي ابتدأت مع العام الأول للثورة، وأجبرت المدنيين على النزوح إلى مناطق أكثر أمناً وعلى الإقامة في مخيمات تتركز غالبيتها على الحدود السورية التركية، أو ضمن مناطق ريف إدلب الجنوبي. وهذه الأخيرة انتشرت بعد العمليات العسكرية في الريف الشرقي لحماة وإدلب. ونسمع اليوم الكثير من انتقادات سكان المخيمات فيما يتعلق بالجانب الإغاثي، وهي انتقادات تطال آلية وطريقة عمل المنظمات المعنية في توزيعها السلال الإغاثية، تقابلها ردود المنظمات حول طبيعة وشروط من يجب أن تشملهم عمليات التوزيع.

الحال في المخيمات

تتشابه مخيمات ريفي إدلب وحلب في معاناتها مع المنظمات الداعمة واختيارها الفئات المستهدفة بحسب كلام نازحين في تلك المخيمات، مع وجود فوارق بين كل منطقة وأخرى، وأحياناً بين كل مخيم وآخر في نفس المنطقة.

يتحدث أحمد أبو خالد وهو نازح من ريف حماة الشرقي ويقطن في “مخيمات عين الدير” في ريف إدلب الجنوبي لـ” بوابة سوريا”: “تُقدم المنظمات ما يلبي احتياجات 10% من النازحين فقط، ولم توزع أية منظمة سلالاً غذائية منذ قرابة الستة أشهر، ولكن يأتينا الماء بشكلٍ مجاني فقط، بينما تتوجه أكثر المنظمات إلى مخيمات محددة”.

بدوره، قال مدير “مخيمات الأخوة” في ريف إدلب الجنوبي بهجت أبو عهد أن “التوزيع يتم حسب الاحتياجات، إلا أنه لاتوجد منظمة تغطي المخيمات بسلال شهرية، ويكاد التوزيع يكون شبهَ معدوم وفي فترات متباعدة فضلاً عن أنه لا يشمل الجميع”. وفي السياق ذاته، أكد مدير “مخيم الدانا الشمالي” إبراهيم أبو خليل أنّ “التوزيع يتعلق بالمنظمة، فمخيمنا مثلاً كان موضوعاً على الهامش لفترة قبل أن تبدأ المنظمات مؤخراً بالتوزيع فيه من دون أن تسد احتياجات المهجرين”.

في ريف إدلب الغربي وتحديداً في منطقة جسر الشغور “تم اختيار آلية تقوم على التوزيع الشامل لكامل المخيم تفادياً للمشاكل، ووزعت كراتين غذائية لآخر مرة قبل ثلاثة أشهر، سبقها استهداف كبار السن ممن تجاوزت أعمارهم 60 عاماً” بحسب مدير “مخيم عطاء الخير” محمد بيطار، والذي بيّن أن “التوزيع لم يشمل جميع هؤلاء العجّز نتيجة العدد المحدود من السلال، ولذلك تم اختيار الفئات الأكثر حاجة. وكانت السلال توزع أيضاً لزوجات الشهداء كل ثلاثة أشهر لكنها توقفت في الفترة الأخيرة”.

وعزا بيطار ذلك إلى “قلة المنظمات الفاعلة في ريف جسر الشغور الغربي. فمثلاً وأثناء موجة السيول التي اجتاحت المنطقة، جاءت عدة منظمات مثل منظمة شفق وأطباء بلا حدود وجمعية الوفاء، واستهدفت المخيمات المجاورة من دون مخيمنا بحجة أنه كبير (750 خيمة) علماً أن عدد سكان المخيم يقارب أعداد سكان باقي المخيمات. وقد وصل الأمر ببعض النازحين لأن يتمنوا أن تكون لديهم حالات مشابهة لحالات الأرامل والمعاقين وزوجات الشهداء”.

من جانبه أشار أبو بشار وهو مدير “مخيم صلاح الدين” إلى “معاناة المخيمات على صعيد قلة دعم المنظمات المعنية وتباعد فترات التوزيع والتي قد تصل إلى السنة، وكذلك بطء الاستجابة للمشروعات المقدمة حيث تأتي الموافقة على مشاريع الصيف شتاءً ومشاريع الشتاء صيفاً”.

وعن كيفية اختيار الأسماء المشمولة بالتوزيع من قبل المنظمات الداعمة، يقول نائب رئيس “المجلس المحلي في قرية حنتوتين” بريف إدلب الجنوبي مصطفى دباس: “تضع المنظمة شروطاً ومعايير محددة، فمثلاً يجب أن يكون الشخص نازحاً ضمن خيمة، مقيماً معاقاً أو أرملة أو زوجة معتقل لا تقل أعمار أولادها عن 18 سنة. وبعد وضع الشروط نرفع ملف الأسماء ثم تقوم المنظمة بالتدقيق ثم توزيع البطاقات وتتم عملية التسليم باليد”. وختم كلامه مبيناً أن “التوزيع لايشمل الجميع، فمثلاً منذ فترة تم توزيع بيرين للتدفئة في المخيمات التابعة لمجلسنا، وكان التوزيع يتم وفقاً للمدفأة الواحدة حتى لو كانت هناك أكثر من عائلة تستخدم هذه المدفأة. وقد كانت المخيمات مشمولة من منظمتين، إلا أن الدعم لم يشمل النازحين الجدد الذين وصلوا منذ شهرين تقريباً”.

لا يختلف الحال كثيراً في “مخيم قرطبة 1” والواقع غرب حلب، إذ تحدث محمد علي العمري وهو النازح من ريف حماة الشرقي قائلاً أن “توزيع السلال يتم وفق أوضاع معينة وذلك عند حدوث الفيضانات والأمطار الغزيرة ثم يتم تجاهل المخيم بعد ذلك”، مؤكداً أن “المنظمات لا تغطي احتياجات النازحين، كما تقوم المجالس المحلية بتوزيع السلال لأبناء القرية أولاً ثم لبعض النازحين وليس كلهم، وذلك حسب المتوفر منها”.

ردود المنظمات

منسق مشروع التدفئة في “منظمة مرسي- قطاع أريحا” واصل الدياب قال لـ”بوابة سوريا”: “تم اختيار منطقة أريحا بحسب معيار درجة البرودة، حيث خُيّرنا بين ثلاث مناطق هي أريحا، جرابلس، الباب، ووقع الخيار على أريحا وعملنا ضمن معيار كافة النازحين والأشد ضعفا بالنسبة للمقيمين في المنطقة وكانت نسبة المستفيدين من المقيمين في كل منطقة مايقارب 30% من شرائح المجتمع الموجودة”. وتابع: “يكون معيار التوزيع للأرملة حسب عدد أفراد الأسرة. فإذا كان عدد اولادها 8 وثمة أخرى لديها 3 أولاد فإن الاستحقاق هو للأكثر أولاداً. وكذلك يشمل المعيار أصحاب الإعاقة وكبار السن”.

وعن قدرة المخيمات على استيعاب أصحاب الحاجة قال أحمد لولو مدير مكتب “عطاء” في مخيمات جسر الشغور “تقوم المنظمات بتأمين الإغاثات الغذائية والشتوية إلا أنها لا تكفي حاجة الناس، لكثرة المخيمات وضخامة أعداد سكانها في ظل قلة الواردات. وقد تم توزيع سلال غذائية وملابس شتوية لكنها لم تغطّ الجميع. إن حاجة الناس كبيرة جداً وأوضاعهم صعبة وهم بحاجة إلى جميع أنواع الدعم”.

أيمن المرعي مدير فرع منظمة “إحسان” في ريف إدلب الجنوبي تحدث بدوره قائلاً : “بالنسبة للشق الإغاثي نعمل ضمن مشروعين معاييرهما متطابقة، مشاريع تستهدف المقيمين والنازحين وفق معايير عدم الاستفادة من منظمة أخرى في نفس المشروع، وألا يكون هناك دخل شهري لكل فرد من أفراد العائلة (مبلغ مالي معين)، وألا يملك أصولاً ثابتة (سيارة مؤجرة، دكان، سوبر ماركت) تدرّ قيمة مالية بحسب عدد أفراد العائلة. مثلاً، في أسرة من 6 أشخاص يجب أن يكون الدخل أقل من 15000 ليرة حتى تستحق المساعدة، أي 2500 ليرة سورية لكل شخص”.

وأضاف: “هناك أيضاً معايير ضعف ويجب أن يكون واحد منها متوفراً على الأقل حتى يستحق الشخص المساعدة، وهي أن يكون رب الأسرة أنثى كأرملة معتقل أو مطلقة، أو يكون معاقاً أو يعاني من أمراض مزمنة. كذلك أن يتجاوز عمر رب الاسرة 60 عاماً” مبيناً بالقول “يتم التواصل مع المجلس المحلي ويتم الاجتماع معه وإعطاؤه هذه المعايير، وعلى هذا الأساس يرفع ملف من قبل المجلس المحلي. وكذلك الأمر بالنسبة للمخيمات إذ نعتمد نفس الآلية حيث يتم التواصل مع أقرب مجلس محلي بالتعاون مع إدارة المخيم، وترفع الأسماء للمنظمة ويجب أن تكون متطابقة مع المعايير. ثم يتم إرسال فريق من المنظمة أو من منظمة شريكة بالمشروع وأخذ عينة من الأسماء ليتم التحقق منها، فإذا حققت تطابقاً بنسبة 85 % نبدأ بالملف ونباشر بالتوزيع ونشر البطاقات أو من خلال جمعها في المجلس المحلي أو المخيم، ومن ثم توزيع المساعدات حسب الأسماء والأوراق الثبوتية كالهوية ودفتر العائلة”.

وفي ريف حلب، التقت “بوابة سوريا” مع مدير منظمة “تجمع شباب وعلماء النهضة” في الداخل السوري أنس عارف والذي قال: “بالنسبة للنازحين يتم اختيارهم عبر مجموعات يتم تنظيمها من قبل إدارة المخيم التي تكون لديها إحصائيات عن عدد الأيتام الموجودين، وعن عدد أسر العجزة وعدد الأسر التي تحتاج الى أدوية (ربما يوجد أمراض مزمنة أيضاً). وتقوم إدارة المخيم بإعطاء العدد الكلي ثم التأكد عبر جرد البيانات بأخذ عينات عشوائية ثم يتم اعتماد المخيم بشكل كامل مع الأخذ بعين الاعتبار المخيمات الصغيرة أو ما يسمى بــالعرب الرحل كمخيمات الريف الجنوبي، وهؤلاء يتم استبعادهم لأنهم يتنقلون من مكان لآخر في كل عام”. وأضاف: “وفي حال كان عدد العائلات أكبر من عدد الحصص، مثلاً 100 عائلة ولدينا 80 حصة، يتم التوزيع بين أبناء المخيم بالتراضي. وفي أغلب الأحيان يتم التوزيع تبعاً للفئات أكثر تضرراً مثل الأيتام والعجزة، تتبعها العائلات ذات العدد الكبير من الأفراد والذين ليس لديهم سوى معيل واحد ويكون باقي أفرادها صغار السن”.

وختم عارف كلامه بالقول: “تؤخذ المعايير من إدارة المخيم لأنها المسؤولة عن أفراد المخيم وهي منتخبة من قبلهم، ودورنا هو وضع شروط التوزيع. وأثناء الكوارث وحدوث الفيضانات والأمطار الغزيرة، تُوزّع الحصص ومن ثم يتم تجاهل المخيم بعد ذلك. ولا يحصل النازحون على حصص إغاثيه أكثر من غيرهم بسبب المجالس المحلية التي تقدم الحصص لأبناء القرية أولاً ثم بعد ذلك لبعض النازحين”.

وبين أخذ وردّ، يعيش الكثير من النازحين الذين لا يملكون قوت يومهم منتظرين الحصول على سلّة إغاثية لا تسمن ولا تغني من جوع، لكنها تسدّ رمق من فقد بيته وأرضه وأُجبر على بناء خيمته في العراء.

*بالتعاون بين بوابات حماه وحلب وإدلب

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments