الصفحة الرئيسية المدونة عن صالح بشير في ذكراه و”انهيار المشرق العربي”

عن صالح بشير في ذكراه و”انهيار المشرق العربي”

كان أبو العلاء المعري يذكر أسماء الشعراء واحداً واحداً لدى الحديث عن كل منهم، لكنه كان يكتفي بكلمة “الشاعر” بألف التعريف ولامه عندما يتحدث عن المتنبي. هذه الملاحظة التي ذكرها الياس خوري في معرض رثائه لمحمود درويش يمكن أن تنسحب على قلة من المثقفين العرب، من دون أن يكون كل منهم “مالئاً للدنيا وشاغلاً للناس” على ما كان عليه الحال مع أبي الطيب، وصالح بشير كان واحداً من هؤلاء.

كان صالح والذي تمر اليوم ذكرى وفاته العاشرة (19 شباط 2009) من المثقفين الذين لم يبحثوا عن الشهرة ولم يكترثوا بها، وكان كثرُ من متابعيه وقرائه طوال عقود، سواءً في ملحق “تيارات” في جريدة “الحياة” أو في ملحق “نوافذ” وموقع “مصباح الحرية” لا يعرفون، إن وقعوا بالمصادفة على صورة له، أنه الكاتب والصحفي الذي يقرأون. حتى “Google” بجلالة قدره وعلمه يكاد يتنكر له ولا يذكره إلا لماماً، في مقابل نتائج كثيرة يسردها محرك البحث المذكور عن لاعب كرة قدم سعودي يرى البعض أن الكاتب التونسي محظوظ جداً بحمل اسمه.

هذا ليس للقول بأن المثقف يفترض أن يكون من طينة معادية ومناهضة للّعب والمزاح والتسلية على أنواعها واختلافها، على ما يفعل ويسوّق أنصار فكرة “المثقف النضالي” الذي يحاول عسكرة كل من حوله، ويحلم بجمع البشر فرادى وزرافات في جموع لا ترضى إلا بتحرير العالم، كل العالم فقط. بل هي إشارة إلى العزلة الاختيارية للمثقف ودأبه ومواظبته الكتابة بهدوء وطوال عقود ثلاثة سبقت موته، وبلغة رفيعة يعلو كعبها فوق أسلوب الحكايات الساذجة و”صفّ الكلام”. لغة لا يقبض عليها إلا من تمرّس في قراءة النص “البشيري” ومحتواه وأفكاره المدافعة عن قيم الحداثة والحرية في وجه الشعبوية التي تنتصب اليوم جداراً في وجهنا. بهذا المعنى كتب الصديق بلال خبيز: “كنت أتهيب الكتابة في كل مرة وأنا أفكر بأن صالح بشير قد يقرأ ما أكتب”، وهذا كله جزء مما يمكن أن يدفع المرء إلى التأمل ملياً في الكتابة الاستسهالية المنتشرة يميناً وشمالاً (كي لا نقول يساراً)، والمحيطة بنا من كل حدب وصوب.

وصالح الذي ألّف كتاباً واحداً فقط بالاشتراك مع حازم صاغية وحمل عنوان “تصدع المشرق العربي – السلام الدامي في العراق وفلسطين”، هو الذي كان يثابر دائماً على التلويح بما هو كامن في هذا المشرق من احتمالات وكوارث تنتظر لحظة إعلان نفسها، وذلك نتيجة خضوعه لديكتاتوريات تبدو تعريفاً للحروب الأهلية وبوابةً للدخول في نفق خراب عميم وطويل، على ما حصل بعد الثورات العربية وبعد الثورة السورية بشكل خاص. دوائر غربية كثيرة تنظر إلى الاحترابات والاقتتالات الداخلية والتدخلات الإقليمية وتدمير كل مقومات الحياة في سوريا لعقود قادمة، من “وجهة نظر” تحمّل الضحية مسؤولية موتها، وتغيّب الأسباب والمقدمات الحقيقية للكارثة والتي تتجلى في مجرم مثل بشار الأسد، وتتناول الضحية باعتبارها كائناً متخلفاً بالفطرة و”الجينات”. هكذا يبدو التخلف تبعاً لهذه السرديات جبلّة عربية غير قابلة للتجاوز وإلى الأبد. وغني عن القول أن تلك الــ “إلى الأبد” هي ما يفترض وضعه في غير هذا الموضع الجوهراني على ما يعرف غربيون وشرقيون من مؤيدي الحكم السلالي في سوريا وداعميه. “السلطات تؤسس للحروب الأهلية وتبتعثها. وهي عندما تخفق في احتكار العنف أو عندما تحتكره على نحو غير شرعي، إنما تشرع الباب واسعاً أمام خصخصة العنف، عنف الطوائف والفئات والإثنيات التي لا تتعرف على نفسها في الدول القائمة”، على ما كان يقول صالح بشير في نصوص كانت ترفع الصوت دائماً برفض كل ما هو جوهراني وثقافوي في نظرتـ”هم” إليــ”نا”.

لكنّ التركيز على ما هو محض سياسي ممثلاً بأنظمة على شاكلة النظام السوري، لا يعفي الموروث التاريخي والثقافي من مسؤوليته أيضاً، وهذا الموروث المتعلق بالمسألتين الطائفية والدينية الإسلامية يبقى قابلاً للتجاوز بفعل سياسي تراكمي وفي ظل نظم إصلاحية طبيعية وغير مارقة، تتيح للمجتمع حل تناقضاته وتدوير زواياه الحادة في ظروف وأجواء من الحريات السياسية والاجتماعية والفكرية. البديل عن ذلك هو ما نراه اليوم، والمسؤول الأساسي عن كل ذلك هو “طبيب العيون” و”حامي الأقليات” و”عاشق الانترنت” و”معشوق الحكومات الغربية وربيبها”. إذاً، فلنعد إلى السياسة.

كتب صالح بشير وحازم صاغية عن التصدع بعد موت اتفاق أوسلو ثم حرب العراق. أما وقد آلت الثورات العربية والثورة السورية إلى ما آلت إليه، فإن مرحلة “التصدّع” قد أفُلت لتولد مرحلة لاحقة من رحمها تحت مسمى “الانهيار”. هكذا، باتت كيانات المشرق التي كانت احتمالات استمرار وجودها تُطرح على المحكّ.. في خبر كان اليوم، ولم تعد ممكنة وموجودة بشكلها وحدودها التي استقرت عليها خلال القرن الماضي إلا في أذهان من يعيدون استخدام الأدوات نفسها في التفكير والسياسة، سواء كانت تلك الأدوات مستمدة من القرن الأول الهجري، أو من يسار الخمسينات في القرن الماضي. فأن تعيد العمل وفقاً لنمط التفكير ذاته بعد كل هزيمة، هو أمر لا يعني إلا أن ثمة مشكلة سياسية وفكرية بنيوية تعتريك وتعتري بنى وقيادات لا تقارب التجديد إلا لفظاً مملاً، من دون طرق أبواب التجديد في الممارسة وطرح الأسئلة والحديث الصريح عن مصير هذه الكيانات بعد كل ما حصل ويحصل وسيحصل. والحداثة هنا إنما تتمثل بشكل أساسي في “الدولة الأّمة”. وعليه، ربما يقع محللون سياسيون ومثقفون غربيون داعمون للثورات العربية في حيرة من أمرهم وهم يراقبون المشهد السوري والعربي المعارض وكاريكاتوريته، قبل أن يعزّوا أنفسهم معتبرين أن في الشرق وفي أوساط “نخبه” السياسية ألغازاً وعجائب وخوارق لا قِبل للعلوم السياسية والاجتماعية بفهمها والإحاطة بها.

تمكن الاستفاضة كثيراً في هذا الموضوع والعودة إلى بعض أفكار الكاتب التونسي الذي رحل قبل عقد بالتمام والكمال، وهو الذي امتلك من الرأي السديد والحس النقدي والأفكار ما يمكن أن يحبّر به كتباً عديدة. في آذار 2009 كتب كاتب هذه السطور نصاً عن صالح بعد أيام من رحيله، ونُشر النص يومها في جريدة “النهار” اللبنانية. وإذ يعيد الكرّة بعد عشر سنوات، فبطريقة مختلفة في الكتابة والتفكير.

أن تكتب عن الأموات أمرٌ يعفيك ويريحك من ثقل ووزر الكتابة عمّن لا يزالون على قيد الحياة. آثر صالح بشير إصدار نصف كتاب ونشْر مئات النصوص التي قد تفسر، لمن قرأها وتابعها، هذا الاحتفاء المتجدد اليوم بــ “المثقف” بألف التعريف ولامه أيضاً. وقد تبرر للكاتب جريمة اقتراف هذا المقال اليوم، وللحديث تتمة..

*كاتب وباحث سوري

_____________________________________________

بطاقة تعريف:

صالح بشير: كاتب وباحث تونسي من مواليد 1952.

عمل محرراً في صفحة “الرأي” في جريدة “السفير” في السبعينات والثمانينات، ثم سافر إلى باريس حيث عمل في مجلة “اليوم السابع”، وانتقل بعدها للكتابة في جريدة “الحياة” وتحول إلى واحد من أبرز كتّاب الرأي فيها منذ منتصف التسعينات وحتى وفاته. أسس موقع “الأوان” وكان رئيس تحرير الموقع، ونشر نصوصه وأبحاثه باللغات العربية والفرنسية والإنكليزية والإيطالية. ألف كتاب “تصدع المشرق العربي” بالاشتراك مع حازم صاغية، وصدر الكتاب عام 2004 عن “رياض الريس للكتب والنشر”. نال مع حازم صاغية جائزة “مؤسسة البحث عن أرضية مشتركة” عن دراسة حول الصراع العربي الإسرائيلي تضمنها كتابهما المشترك. أقام لسنوات في العاصمة الإيطالية روما ثم عاد إلى تونس في أيامه الاخيرة لتوافيه المنية صباح الخميس 19 شباط 2009.