الصفحة الرئيسية رأي وتحليل وهل نختلف على العدالة أيضاً؟

وهل نختلف على العدالة أيضاً؟

مُحيّرٌ هذا الاتفاق السوري على عدم الاتفاق، حتى في مبدأ العدالة والمحاسبة. هذا ما تؤكّده الموجة الواسعة من الجدل والخلاف في الرأي بين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي، التي أثارها نبأ اعتقال السلطات الألمانية عضوين سابقين في أحد أجهزة أمن النظام السوري، هما العقيد أنور رسلان والمساعد أول إياد الغريب، اللذين كانا يعملان في أحد الفروع التابعة للمخابرات العامة (أمن الدولة) في دمشق.

انقسم المعلّقون بين من يؤيّد الإجراء ويجد فيه خطوةً هامّة على طريق تحقيق العدالة ومحاسبة المتورّطين في ارتكاب الانتهاكات بحق السوريين، وبين رافضٍ له يتعاطف مع المتًّهمَين المعنيَّين ويرى في اتّهامهما واعتقالهما ظلماً كبيراً لهما. تتركّز حجّة المتعاطفين في أنّ هذين الشخصين قد انشقّا عن النظام في وقت مبكّر نسبياً من عمر الثورة (انشقّ الغريب مطلع عام 2012 ورسلان أواخر العام نفسه)، وأنّهما كانا يكنّان تعاطفاً مع الثوار حتى قبيل الانشقاق، وفق بعض الشهادات، كما سبق للمعارضة السورية الاحتفاء بضابط المخابرات السابق رسلان، فشارك في مؤتمر جنيف2 ضمن وفدها إلى المفاوضات بصفة “مستشار أمني”. غير أنّ ذلك كلّه غير ذي قيمة من وجهة نظر أصحاب الموقف المقابل، لا سيما من ذاقوا الويلات في الفرع الأمني الذي عمل فيه المتّهمان، خلال الفترة التي كانا فيها على رأس عملهما.

يمكن ملاحظة قدرٍ غير يسيرٍ من المبالغات والتضخيم في التعامل الإعلامي و”الفيسبوكي” مع الموضوع، سواء في تبرئة الرجلين والإشادة بسيرة كل منهما الحسنة، أو في شيطنتهما وتحميلهما وزر الموبقات كلها التي اعتادت أجهزة المخابرات السورية على ارتكابها، فالقضية ما تزال منظورة أمام القضاء الألماني والتحقيقات فيها لم تنته بعد. ثم إنّ القانون في ألمانيا يقدّم لكلّ متّهَم ضمانات تتيح له الدفاع عن نفسه بشتى السبل، بما فيها تقديم الأدلة والوثائق واستدعاء الشهود لإثبات عدم تورّطه في الجرائم المنسوبة له، أي أنّ الفرصة متوفرة أمام كلّ من هذين الشخصين للحصول على حكم يقضي ببراءته فيما لو صحّ أنه بريء حقاً. وفي حال توصّلت المحكمة إلى إثبات التهم الموجهة إلى الرجلين أو أحدهما، وبرغم أنّ التهم موضوع الدعوى هي من الجرائم ضدّ الإنسانية، فلن يواجه أي منهما قطعاً عقوبة الإعدام لأنها ملغاة في ألمانيا، أي أنهما لن يلقيا المصير الذي ربما ساقا عدداً غير معروف من السوريين إليه خارج إطار القانون ودون أي ضمانات دفاع أو إجراءات قانونية.

وعليه، أليست مهمّة العدالة أن تدين وتحاسب من يثبت إجرامه وتبرّئ وتردّ اعتبار من تثبت براءته؟ فلماذا إذن كلّ هذه الاعتراضات والجدالات؟ إما الوثوق بالقضاء والإيمان بمبدأ العدالة والمحاسبة، أو أنّ أي كلام عنها هو محض هراء لأن أيّ متهم، كائناً من كان، سيجد فئات تدافع عنه وتجد له المبررات والأعذار ولو كان من أعتى المجرمين.

الأمر الآخر الذي يجدر التوقّف عنده هو استنكار بعضهم لما جرى بحجّة أنّ المجرمين الكبار من قادة المخابرات وأركان النظام مازالوا بعيدين عن دائرة العدالة والمساءلة، وأن هذين المتّهمين ما هما إلا “كبش محرقة” لأسباب لا علاقة لها بتطبيق العدالة حقاً، بل بلغ الأمر ببعضهم حدّ اعتبار القضية برمّتها من فعل النظام للانتقام من الضباط المنشقّين! لكن في الواقع، وخلافاً لهذا القول، لن تقف المسألة عند هذا الحد، لأن الإدّعاء الألماني نفسه كان قد أصدر بالفعل العام الماضي مذكّرة توقيف دولية بحق بعض كبار القادة الأمنيين ومن ضمنهم اللواء جميل حسن، مدير إدارة المخابرات الجوية وأحد أشهر مجرمي العصابة الأسدية، وبناءً على هذه المذكّرة بالذات توجّهت الحكومة الألمانية بطلب رسمي إلى السلطات اللبنانية قبل أيّام لتسليمها اللواء المتّهم، حيث كان في لبنان لإجراء فحوص طبية، وفق ما ذكرت مجلة ديرشبيغل الأسبوعية الألمانية.

وعلى الرغم من ضعف احتمالات تجاوب الحكومة اللبنانية مع الطلب الألماني، وهي التي يسيطر عليها حلفاء الأسد، تبقى هذه الخطوة جزءاً من مسار العدالة الطويل، وإلى أن تتوفّر الظروف التي تتيح إمكانية محاسبة المجرمين الكبار لا ينبغي أن يُستثنى المجرمون الصغار من الملاحقة والمحاسبة بذريعة عدم إمكانية الوصول إلى أسيادهم، فالعدالة واحدة وقضيّتها لا تتجزّأ، ومعلومٌ أنّ “ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه”. وكما أنّ هناك مجرمين أصدروا الأوامر بالانتهاكات، هناك مجرمون قاموا بتنفيذها، والمحاسبة تطال مصدري الأوامر ومنفذيها معاً. مبدئياً لا تنتفي المسؤولية الجنائية عن المنفذين لمجرّد القول إنهم لا يملكون خيار الرفض، لكنه من العوامل التي قد يُنظر إليها بوصفها من الأسباب المخفّفة للعقوبة.

يبقى التذكير بأنّ الجرائم ضدّ الإنسانية، سواء ارتُكبت في أوقات النزاع المسلّح أم في أوقات السلم، تعدّ جرائم بموجب القانون الدولي، ومنها التعذيب والإخفاء القسري للأشخاص. ولمّا كان عمل الأجهزة الأمنية في سوريا الأسد ما هو إلا مسلسل لا يتوقّف من ارتكاب جرائم من هذا النوع، فإنّ قرينة ارتكاب الانتهاكات قائمة، سواء قام بها الشخص مع توفّر النية الجرمية أو في معرض قيامه بالواجبات الوظيفية، ما يعني أن مجرّد كون المرء عنصراً  في أجهزة المخابرات الأسدية لهي تهمة بحدّ ذاتها، فكيف إذا كان في موقع المسؤولية والبلاد في حالة ثورة، والجهاز الذي يعمل فيه مسؤول عن قتل الناس واحتجازهم وإخفائهم قسراً لمجرّد شبهة المشاركة في المظاهرات أو التعاطف مع الثورة؟

 * كاتب سوري