الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء قصّة فتاتين: داعش بوصفها حكاية أوروبية

قصّة فتاتين: داعش بوصفها حكاية أوروبية

حين حسمتْ صوفي أمرها في 2014، وقررت الالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ارتأتْ أن تسلك سلوكاً مهذباً مع والديها، وأن تخبرهما بقرارها، عسى أن يساعداها في ترتيب إجراءات الذهاب إلى سورية، وعدم الاضطرار إلى طلب النصائح من “الأخوة” أو “الأخوات” هنا وهناك، في شبكات ومنتديات الواقع الافتراضي أو في حلقات الواقع الحقيقي، من أبناء وبنات الجيل الثاني أو الثالث من التوانسة والمغاربة والجزائريين في أوروبا.
أُسقط في يدي الوالدين حين سمعا القرار، على الرغم من أن “صوفي” كانت قد أبدت على مدى السنتين الماضيتين اهتماماً ملحوظاً بأخبار سورية، من بطشٍ دموي بالمظاهرات السلمية، إلى قصفٍ بصواريخ السكود على المدن الثائرة، إلى إلقاءِ البراميل العشوائية على المناطق السكنية الفقيرة، إلى استهدافِ المستوصفات والمشافي المأهولة والمخابز، إلى المجازرِ المتتالية، إلى استخدام السلاح الكيماوي في قتل أطفال وأهالي الغوطة.
فوجئ الوالدان بهذا القرار لعدّة أسباب.. فصوفي التي تنحدر من أب سوريّ وأمّ إسبانية، لم تكن يوماً شخصاً مهتماً بالسياسة، فوالدها المناضل الشيوعي (السوري سابقاً والإيطالي لاحقاً) المقيم في ضواحي روما منذ عقود مديدة، والذي نجح عدّة مرات في انتخابات المجالس البلدية كممثل عن الحزب الشيوعي، كان ليبرالياً ديمقراطياً في المنزل، ولم يكن يمارس أي ضغط على أبنائه وبناته يهدف للالتحاق بهذا التيار السياسي أو ذاك، تاركاً لهم حريّة القرار. وأمّها، الفنّانة الشيوعية الإسبانية أيضاً، كانت نموذجاً في الإدارة المنزلية الناجحة، وفي التفاني من أجل اندماج أبنائها في المجتمع ونجاحهم.
صحيح أنّ صوفي، بنت العشرين، باتت في الفترة التي سبقت اتخاذ قرارها شخصاً أكثر جدّية، وأكثر انشغالاً باللقاء مع أترابها من أبناء الجاليات العربية والمسلمة في البلاد، لكن لم يخطر ببال أهلها أنّ اهتمامها بالقضية السورية سيتجاوز التعاطف الإنساني، وجمع التبرعات العينية والنقدية للمشردين السوريين، وتقديم خدمات لوجستية للاجئين السوريين القادمين إلى إيطاليا أو العابرين منها. لم يخطر ببالهم أن صوفي التي لم تزر يوماً بلداً عربياً أو إسلامياً ولا حتّى سورية ذاتها للتعرف على جدّها وجدّتها كونها لا تعرف اللغة العربية، صوفي التي لا تربطها أي علاقة تذكر ولا حتّى عبر فيسبوك بأعمامها وعمّاتها في حمص، ستتخذ هذا القرار المرعب: الالتحاق بداعش!

أثارت قصّة شميمة بيغوم، الفتاة التي فرت من لندن للالتحاق بتنظيم الدولة الإسلامية، وقرار الحكومة البريطانية بسحب جنسيتها البريطانية، ردود فعل متعدّدة، قانونياً وسياسياً وإنسانياً. لا شك أن هناك جانباً خاصاً يتعلّق بهذه الفتاة يختلف عمّن سواها من الأوروبيات الملتحقات بداعش، فهي ما تزال تعدّ قاصراً (19 سنة) وفق كثير من القوانين الأوروبية، وهي أمّ لطفل رضيع، صرّحت أنها ترغب بتنشئة وليدها الذي يبلغ من العمر بضعة أيام تنشئة سليمة، معربة عن أملها في أن يبقى هذا الطفل على قيد الحياة، وأن لا تخسره كما خسرت أبناءها الآخرين.
وبعيداً عن (لا) أخلاقية نبرة التشفّي بكونها باتت من دون جنسية، والتي قرأناها – للغرابة- في ردود أفعال بعض أكراد سورية الذين عانى كثير منهم من حرمانه من الجنسية، وعن تأييدهم قرار الحكومة البريطانية بنزع الجنسية، وحرصهم الذي يفوق حرص البريطانيين أنفسهم على نقاء المجتمع البريطاني من أمثال شميمة، فإن ثمة معطىً كبيراً لا ينبغي لجغرافية العراق والشام أن تحجب رؤيته، وهي أنّ داعش في جانب كبير من جوانبها قضية أوروبية داخليّة، وأن الميل الشائع هذه الأيام إلى امتناع الحكومات الغربية عن تسلّم جهادييها أنفسهم، عداك عن أهالي جهادييها، هو استقالة وهروب من مواجهة سؤال داخليّ كبير: لماذا يفشل الاندماج الاجتماعي مع لاجئين ووافدين نستقبلهم، ونحن في أمسّ الحاجة لهم.
تعتمد الحكومة البريطانية على أساسٍ قانوني براغماتي يقول إنّ أم شميم تمتلك (ربما) جواز سفر بنغالياً، ما يؤهّلها أن تمنح ابنتها الداعشية جنسية بنغلادش. وكأنّ شميم (زوجها هولندي) تعرف أساساً بنغلادش، أو تعرف اللغة البنغالية، أو أن لديها أصدقاء بنغال!

لم تنته قصة شميم، لكن نهاية قصّة صوفي كانت على نحو مختلف. إذ فكّر والدها على انفراد بما يمكنهما فعله مع ابنتهما. اتخذا قراراً حاسماً بمنع ابنتهما من الالتحاق بداعش، مهما كانت الطرق التي يمكنهما تباعها في هذا المنع. وعلى اعتبار أنّ إبلاغ السلطات المحلية لم يكن وارداً، إذ لا تبرر القوانين الأوروبية للسطات اتخاذ إجراءات استباقية ضد أشخاص يودون السفر خارج البلاد؛ وعلى اعتبار الحوار الديمقراطي الهادئ لن يجدي نفعاً مع الفتاة الحرّة بعد أن حددت موعداً مبدئياً لمغادرتها؛ فقد اتخذ الوالدان قراراً صعباً بانتهاك القوانين الأوروبية ووضع نفسيهما بالتناوب مع ابنتهما في إقامة جبريّة في غرفة نائية من المنزل (ما يعدّ جريمة يعاقب عليها القانون)، وبدء حوار مكثف بشأن قرارها، يتضمن احتفاءً بالبعد الإنساني لتعاطفها مع الشعب السوري، وتوعيةً بأبعاد البروباغندا التي تبثها داعش في صفوف الأوروبيين عموماً، وليس فقط أبناء الجاليات ذات الأصول الإسلامية أو العربية؛ وتوضيحاً للبدائل المطروحة لكيفية التعاطف مع الثورة السورية المغدورة. وهو ما اقتنعت به صوفي فعلاً بعد أشهر من الحوار مع والديها.

خلاصة القول: منذ اليوم الأول لظهورها، شكلت داعش في أحد أبعادها مسألة أوروبية (إلى جوار أنها أساساً مسألة عراقية ومسألة شيشانية ومسألة إسلامية، وكذلك وبمعاني مختلفة قضية سورية). وإن النأي الأوروبي بالنفس عنها أشبه بسياسة النعامة التي تتعامى عن أن هذه القضية مازالت مطروحة – وستبقى إلى أمد طويل- في المجتمع الأوروبي الذي لم يعثر بعد على وصفة الاندماج المثلى. وإنّ استنكاف أوروبا عن المشاركة في محاكمة وعقاب من ساهم في داعش، سيتيح لسلطات الأمر الواقع في الشرق الأوسط أن تعيد استخدام هذه الورقة، وتدوير استخدامها مرات ومرات لغاياتها؛ وأن تتخذ قرارات غير مسؤولة أخلاقياً وقانونياً حيال شميم وأمثالها.
لكنْ. لا يُفهمنّ من كلامي دفاعاً عن الذين غررت بهم داعش، ولا مناشدة للأوربيين استخدام أساليب أمنيّة في “الحوار” مع الإسلاميين الأوروبيين؛ بل دعوة للحكومات الأوروبية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وهولندا وغيرها لاتخاذ إجراءات غير مائعة، إجراءات مبنية على أساس أخلاقي وقانوني سليم في التضامن مع الشعوب المقهورة التي تطالب بالحرية والكرامة، ودعوة إلى إجراءات ملموسة للوقوف بصلابة ضد جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والهندسة الديمغرافية، ودعوة إلى تحمل مسؤولية الفشل بذلك.

*كاتب سوري