سنوات الحرب الطويلة التي عاشتها محافظة إدلب خلّفت أعداداً كبيرة من الأيتام الذين فقدوا الأبوين معاً أو أحدهما، ما جعل الكثيرين منهم معرضين للانحراف من جهة وإلى ترك المدرسة ودخول ميادين العمل في سن مبكرة من جهة ثانية، الأمر الذي يحتم على المنظمات الدولية التحرك بشكل جدي لتأمين هؤلاء الأطفال والسعي لمنحهم كامل حقوقهم.
أمام طاولة خشبية مليئة بأنواع مختلفة من البسكويت، يجلس أنس ( 10 أعوام) ليبيع ما تيسر من بضاعته ويعود بغلّة بسيطة تساعد والدته في نفقات المنزل. أنس يتيم الأب وتشرف والدته على تربيته بعد أن فقدت زوجها في إحدى المعارك بمدينة دير الزور شرقي سوريا، وانتقلت للعيش في إدلب.
تصف أم أنس ابنها بأنه انعزالي ويميل للوحدة، ويرتبط ذلك من وجهة نظرها بمعاناتهم في دير الزور والتي انتهت بموت والده الذي كان يشكل السند الحقيقي للعائلة. وقد شجعت أم أنس طفلها على العمل، في محاولة منها لمنحه بعض الثقة بنفسه. “الأموال التي يجنيها أنس من ذلك العمل لا تكفي ثمن ربطة الخبز، لكن ما يقوم به كفيل بزرع العزة والأنفة في روح ابني والتي ستجبره على الاعتماد على نفسه في المستقبل”.
آليات عمل المنظمات وتحدياتها
يحصل عدد كبير من الأيتام في إدلب على كفالات توزع عليهم بشكل شهري أو دوري، لكن تلك الكفالات باتت عاجزة عن سد كافة احتياجاهم اليومية مع ارتفاع الأسعار في المحافظة.
الناشط الإنساني أحمد مصطفى (اسم مستعار) يقول لـ “بوابة سوريا”: “هناك مراكز تتكفل بإيواء الأطفال في سكن خاص وبتأمين التعليم والطبابة بشكل مستمر لهم، أما المراكز الأخرى فلا ترقى إلى مستوى دور الأيتام المتكاملة وهي تتوزع بين مراكز دعم نفسي وعلمي تستقبل الأيتام في ساعات محددة، ومخيمات تستقبل الأرامل وأطفال الشهداء” مشيراً إلى أن “الكثير من المنظمات والجمعيات الخيرية قامت بتنفيذ مشاريع كفالة مادية للأيتام وذويهم، وتتراوح قيمة تلك الكفالات بين 28 دولار و 48 دولار بحسب المنظمة وقدرتها المادية”.
مؤسسة “عثمان بن عفان الخيرية” واحدة من عشرات المنظمات التي تتكفل برعاية الأيتام في الشمال المحررة، وهي “تهتم بالأيتام المهجرين بشكل أكبر من غيرهم بسبب افتقار هؤلاء إلى أي مساعدة أخرى، ويتجاوز عدد الأطفال الأيتام الذين يحصلون على كفالات من تلك المؤسسة 750 طفل” بحسب مدير المؤسسة أبو عبادة الحموي.
ويضيف الحموي: “نعمل اليوم على التنسيق مع عدد كبير من المؤسسات الخيرية بهدف الوصول إلى مؤتمر عام للمنظمات المانحة، للحصول على معلومات موحدة لكافة المنظمات وزيادة تغطية كفالات الأيتام”.
من ناحية أخرى اعتمدت الكثير من المنظمات والجمعيات على إقامة مخيمات خاصة بالأيتام وعوائلهم، بهدف إيوائهم في مكان واحد، وتقديم المساعدة لهذه الشريحة بالذات، مثل جمعية “أهل الحديث” وهي واحدة من المنظمات المهتمة بالأيتام، وتدعم عدة مخيمات في الشمال السوري من بينها ثلاثة مخيمات مختصة بالأرامل والأيتام.
ويقول مدير الجمعية أبو العوف (اسم مستعار): “تتكفل الجمعية بغالبية الأيتام التابعين لها من خلال مشروع كفالة اليتيم، عن طريق منح مالية تقدم لهم بشكل شهري، وقد بلغ عدد الأطفال المستفيدين من تلك المنح 500 طفل” مبيناً أن “الجمعية تعمل على رعاية الأيتام الموجودين في مخيماتها من الناحية الصحية وتتكفل الجمعية بتعليم الأطفال ضمن مدراسها، بالإضافة إلى حملات الإغاثة والنظافة الشهرية وحملات الشتاء الموسمية وغيرها من الخدمات”.
وختم بالقول: “تعترض عملنا الكثير من الصعوبات من أهمها الوضع الأمني الذي تعيشه إدلب بشكل عام، كما أن غياب المرجعية القانونية في المحافظة زاد من صعوبة التأكد من ثبوتيات الأرامل والأيتام، وبالتالي قد يضيع حق بعض الأيتام”.
مبادرات ناشطين
وسعى بعض الناشطين والمهتمين بملف الأيتام إلى إقامة مراكز ودور خاصة بالأيتام بهدف منحهم المزيد من الاهتمام كما هو الحال في تجربة “مركز أحلام الطفولة لرعاية الأيتام” الذي افتتح قبل ستة أشهر في قرية سفوهن، ويضم نحو 90 طفلاً يتيماً تتراوح أعمارهم من 5 سنوات إلى 10 سنوات.
والتقت “بوابة سوريا” مع مدير المركز عبد الغفور أبو الخيش الذي قال: “يعمل المركز على تقديم الدعم النفسي والخدمات التعليمية والأنشطة الترفيهية خلال ساعات محددة في اليوم، لكننا نعجز عن تأمين المنامة والطعام للأطفال بسبب غياب الجهات الداعمة، حيث يعمل طاقم المركز بشكل تطوعي بالكامل”.
وعلى الصعيد ذاته، انطلقت “دار رعاية الأيتام الأولى” في بلدة الدانا عام 2013، حيث استطاع ناشطون تأمين دعم من بعض المتبرعين وافتتاح أول دار للأيتام في إدلب، وتضم 90 طفلاً تتراوح أعمارهم من شهر واحد وحتى 14 عاماً.
“وتقدم الدار كافة الخدمات للأطفال بما فيها المنامة والطعام والطبابة والتعليم، وتضم كادراً متطوعاً من المربيات والمربين، بالإضافة إلى كادر متكامل لتلبية جميع مستلزمات الأطفال المذكورة” بحسب مدير الدار أحمد يحيى الذي أوضح أيضاً: “تستقبل الدار الأطفال الذين فقدوا أحد الأبوين أو كلاهما على حد سواء، بالإضافة إلى المشردين بسبب الحالة الأسرية، ونأمل زيادة عدد الأطفال المستفيدين من خدمات الدار، لكن غياب المنظمات الداعمة وقف حائلا أمام هذه الرغبة، حيث يسعى القائمون على الدار إلى التواصل مع جهات خاصة لتأمين المصاريف اللازمة للأطفال، وقد تمكنّا مؤخرا من توسيع القسم المخصص للإناث، ما سمح باستقبال أعداد جديدة”.
وتابع “نعمل على تعليم قسم من الأطفال عن طريق المربيات الموجودات في الدار، كما تم التعاقد مع مدارس خارجية لتعليم القسم المتبقي من الأطفال، لكن حجم المعاناة والصعوبات التي تواجه المربيات كبير جداً حيث تشرف المربية على رعاية الطفل ومتابعته صحياً، وعلى متابعة وظائفه وفروضه المدرسية ناهيك عن أن دوام المربية يستمر لثلاثة أيام ونصف. وتشكل الحالة النفسية التي يعاني منها الطفل عقبة أساسية أمامها، وهي تسعى قدر الإمكان إلى معاملة الطفل كما تعامله والدته”.
في جسر الشغور يسعى ناشطون أيضاً لإعادة تفعيل “دار الأيتام والمسنين” في المدينة وهو صرح قديم تعطل عمله خلال الثورة، ويعملون على تأمين دعم ثابت يمكنهم من رعاية الأطفال الأيتام واستقبال أطفال جدد. بعض الأشخاص الميسورين قدموا دعماً للمشروع مكّن القائمين عليه من فرش إحدى غرف الدار لتأمين إقامة الاطفال فيها.
تغيرات السلوك والحالة النفسية عند الطفل
على رصيف إحدى الطرق في كفرنبليجلس طفلان يتيمان يسأل أحدهما الآخر “تغيرت حياتكم بعد ما مات أبوك؟”.
لقد أصبح هذا السؤال هاجساً لدى الكثير من الأيتام الذين يخشون تغير حياتهم نتيجة وفاة الأب.
يرى أخصائي الصحة النفسية سعيد عز الدين أن “هناك العديد من العوامل التي تترك أثراً في حياة الطفل اليتيم، ومن الممكن أن تنعكس بشكل سلبي أو إيجابي على الحالة النفسية والسلوكية له، وتختلف تلك العوامل بحسب جنس الطفل وبحسب المتوفى، الأم أم الأب، أو كلاهما بالإضافة إلى عمر هذا الطفل”.
ويفسر عز الدين سبب التغير الذي قد يصيب الطفل بالقول “التربية الناجحة تقتضي توازن منطقي بين الأب والأم والطفل، وترك أحد هؤلاء الثلاثة لمكانه سيشكل خللاً وفراغاً ليس من السهل تعويضه، وسيفقد الطفل عنصر الامان الذي كان يشعر به بحضور الأبوين، فالشعور بعدم الأمان وفقدان الاستقرار والطمأنينة ستهز ثقة الطفل بنفسه وتعزز عامل الخجل لديه”.
ويقارب أخصائي الصحة النفسية هذه الحالة بكونها مشابهة لحالة الطفل الذي يعيش مع أب يضربه ويهينه ليل نهار، أو آخر ربما أحاطه والده برعاية مفرطة ورسم له حدوداً لدرجة لا يستطيع معها خوض تجارب جديدة بنفسه أو تحمل ماينتج عن هذه التجاربـ معتبراً أن “مثل هذا الطفل سينجح أكثر في حال بات يتيماً مع القليل من العناية به من طرف آخر”.
لكن الفراغ الذي يتولَّد عند الطفل نتيجة فقدان أحد الأبوين قد يدفعه للانحراف، “فالطفل بحاجة إلى الإرشادات المستمرة، وتلك الارشادات يجب أن تأتي من مربٍّ يعتبر قدوة ومثالاً له ويجيب على التساؤلات التي ستشكل الخارطة الذهنية ونمط الحياة والتفكير لديه في وقت لاحق”. بحسب عز الدين.
ورغم كثرة الجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية المهتمة بتلك الشريحة من المجتمع، إلا أن تلك المنظمات لم تتمكن حتى الآن من خلق حالة منتظمة وقوانين واحدة للتعامل مع الأيتام، إذ يصنف الجميع في خانة واحدة. ويبقى من الضروري العمل على توفير الدعم بكافة أشكاله لهؤلاء الاطفال في ظل تنامي خطر ابتعادهم عن المدارس، أو احتمال تعرضهم للانحراف الذي قد يجرهم إلى واقع لا تمكن السيطرة عليه.
لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الأيتام في إدلب، إلا أن الأرقام التي صدرت عن منظمة “منسقو الاستجابة” تتحدث عن وجود 189924 يتيماً في الشمال السوري، الأمر الذي يؤكد على ضرورة التحرك بشكل أسرع بهدف تنظيم وتقديم الخدمات اللازمة لهؤلاء الأطفال.

*فريق بوابة إدلب