منذ بدء حملاتها العسكرية على ريف حماة في منتصف عام 2011، عملت قوات الأسد على السيطرة على المناطق المرتفعة والاستراتيجية وخاصة في الأرياف، وذلك بهدف الإطلال على مساحات شاسعة والتحكم في مداخل ومخارج المدن والمزارع التي كانت تعتبر معاقل للفصائل المشكلة حديثاً.
لكن تلك السياسات لم تكن ناجعة بالنسبة للنظام في ريف حماة الشمالي، حيث تكثر سلاسل الوديان وتمتد الأراضي الزراعية المزروعة في غالبيتها بالأشجار المثمرة وخاصة أشجار الفستق الحلبي، فلجأ إلى القصف العشوائي والمتكرر على المزارع، وإلى زراعة الألغام بشكل مكثف لشلّ الحركة ومنع أي شخص من الاقتراب من نقاطه العسكرية وحواجزه.
وتعتبر الأراضي الزراعية في بلدة مورك وقرية عطشان من أكثر الأراضي المتضررة، نتيجة وقوعها على خط التماس بين المناطق المحررة وتلك التي يسيطر عليها الأسد، أو تعاقب الطرفان على السيطرة عليها خلال سنوات. ووقع المزارعون بين خيارين لا ثالث لهما، فسيطرة النظام على المنطقة تعني عدم قدرتهم على الوصول إلى مزارعهم، كما أن سيطرة فصائل الثوار عليها تبقيها تحت نيران المدفعية والذهاب إليها أشبه بالذهاب إلى الموت.
أراضي مورك شبه مهجورة
تتواجد أغلب الأراضي الزراعية في مورك شرقي أوتوستراد دمشق -حلب الدولي، ما حرمَ غالبية المزارعين من الوصول إليها، وتأثرت الأشجار نتيجة غياب العناية والاهتمام بها على مدى سنوات.
مدير “المكتب الزراعي في المجلس المحلي في مورك” المهندس أسامة العبد الله قال لـ “بوابة سوريا”: “تبلغ مساحة الأراضي المزروعة بأشجار الفستق الحلبي في مورك 6000 دونم، يقع أكثر من نصفها خارج نطاق الرعاية والاهتمام من قبل المزارعين بسبب قربها من نقاط تمركز قوات الأسد أو لأنها معرضة للقصف المستمر” مضيفاً أن “زراعة الفستق الحلبي هي الزراعة السائدة في بلدة مورك وما حولها، وقد لحقت خسائر فادحة بالقطاع الزراعي نتيجة الحرب الدائرة، انعكست سلباً على أكثر من 6000 عائلة كانت تقطن في البلدة “.
وإلى جانب “غلاء أسعار المبيدات الحشرية والفطرية والأسمدة، وتكاليف السقاية والفلاحة والعزق وغيرها من عوامل أدت إلى تراجع إنتاج هذه الشجرة”، فإن “3000 عامل كانوا يعملون في قطاف الفستق وكسره وقشره بعد قطافه أصبحوا عاطلين عن العمل” وفقاً لمدير المكتب الزراعي.
وبسبب عدم القدرة على الوصول إلى بعض الأراضي الزراعية، تجمعت الأعشاب في الشتاء والربيع ويبست في الصيف، وأدى استهداف تلك الأراضي بالقذائف بشكل مستمر إلى حرق هذه الأعشاب والأرض بشكل كامل، بالإضافة إلى قطع الكثير من الأشجار من قبل شبيحة الأسد لدى سيطرتهم على مورك، وما زال قطع الأشجار مستمراً حتى الآن.
يقول زياد كحاص وهو مزارع من مورك في حديث إلى “بوابة سوريا”: “كان بعض الناس يستطيعون الوصول إلى أراضيهم منذ أربعة أشهر، وسقط بعضهم ضحايا بسبب انفجار ألغام مزروعة من قبل قوات الأسد” مضيفاً أنه “ظهرت العديد من الأمراض والأعشاب الضارة بسبب كون الأراضي الزراعية مهجورة اليوم، حيث عانى المزارعون من حشرة (ثاقبة البراعم) ومن (حشرة كمبودس) التي ظهرت نتيجة تراكم الأغصان المحترقة والمكسرة والأشجار التي تعرضت للشظايا، وتشكل هذه الأشجار مسكناً ملائماً لها”.
أيضاً في قرية عطشان
ليست الأراضي الزراعية التابعة لقرية عطشان التي تسيطر عليها قوات الأسد أفضل حالاً على هذا الصعيد، وقد أثرت سيطرة قوات الأسد على القرية في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2017 على جميع المحاصيل الزراعية، وخاصة أشجار الفستق الحلبي.
المهندس الزراعي محمد كمال حلاق قال لـ “بوابة سوريا”: “تتواجد المياه الجوفية بعمق 150م في الغالب، ويعتمد أغلب الناس في عيشهم على المواسم خصوصاً في آخر 10 سنوات، وازدادت زراعة أشجار الفستق الحلبي وتم افتتاح عدة كسارات وقشارات له، وكانت أغلب العوائل تعمل على فرزه وتعبئته في البيوت. وتحتاج أشجار الفستق تحتاج لعناية مستمرة على مدار العام، وأي تقصير في الخدمة ينتج عنه تبعات سيئة.
وفي السياق ذاته يقول أحمد الياسين وهو مزارع وناشط من أبناء عطشان: “يعتبر محصول الفستق الحلبي المحصول الرئيسي في القرية، كما تقدر مساحة الأراضي الزراعية التابعة لقرية عطشان بـ 12 ألف دونم وتبلغ نسبة الأشجار فيها 75% أما باقي الأراضي فتزرع بمحصول الشعير والقمح والعدس والكمون، وتعتبر نصف هذه المساحة خطرة نتيجة قربها من أماكن تمركز قوات الأسد”.
الأرض المحروقة
وتقوم قوات الأسد المتمركزة في قرية عطشان ومعان باستهداف متكرر للأراضي الزراعية القريبة بغية تأمين محيط تمركزها، وتتكرر الاستهدافات بشكل أكبر في فصل الصيف ومع ازدياد حركة المزارعين في الأراضي الزراعية، ما يجعلهم ومحاصيلهم عرضة للخطر بشكل أكبر.
“وطالت الحرائق في الصيف الماضي أكثر من 1000 دونم من الأراضي المزروعة بالفستق الحلبي ونحو 500 دونم مزروعة بالشعير في قرية عطشان نتيجة قصف قوات الأسد للمنطقة، وتعود ملكية تلك الأراضي لأكثر من 30 مزارعاً. وطال الحريق أراضٍ محررة وأخرى واقعة تحت سيطرة قوات الأسد ما أدى لخسائر تتجاوز قيمتها 100 مليون ليرة سورية، بالإضافة إلى مئات الدونمات التي طالها القصف في مورك خلال السنوات الخمس الأخيرة” بحسب تقرير نشرته وكالة سمارت في تموز/ يوليو 2018.
ولا يقتصر الأمر على الخسائر المادية فحسب، بل يتعداها أيضاً إلى انفجار الألغام التي زرعتها قوات الأسد في محيط قواعدها وحواجزها العسكرية خوفاً من أي تقدم، وبعد تحرير المنطقة باتت تلك الأراضي خطرة جداً أودت بحياة العديد من المزارعين أثناء حراثتهم لأراضيهم أو اقترابهم منها.
دور النقطة التركية
“ساهم تثبيت النقطة التركية بالقرب من مورك صيف العام الماضي في عودة قسم كبير من السكان إليها وعودة غالبية المزارعين إلى مزارعهم أملاً منهم بتوفيرها -النقطة التركية-الأمان وحرية العمل والتنقل المفقودَين لأكثر من عامين” بحسب أسامة العبدالله.
بدوره، يقول عبد اللطيف الابراهيم (مزارع من مورك) لــ “بوابة سوريا”: “أثر وجود النقطة التركية على الوضع الميداني في المنطقة بشكل إيجابي نسبياً لكن بأقل من المتوقع، وأتاحت تلك النقطة هدنة ووقف لإطلاق النار لمدة 12 ساعة يومياً، الأمر الذي أعطى بعض الأمان لبعض المزارع المحيطة بالنقطة، وخاصة من الجهة الغربية. لكنّ قوات الأسد لم تلتزم دائماً بتلك الهدنة وخرقتها لمرات عديدة”.
وأضاف عبد اللطيف: “قبل 8 سنوات كانت نسبة كبيرة من سكان مورك من مُلاك الأراضي الزراعية ويعملون بزراعة الفستق الحلبي أو في ورشات لقطافه، ومنهم من كان يعمل بتجارة الفستق الحلبي أو من يملك قشارات أو كسارات للفستق، أما الآن فيعرض 70% من أصحاب الأراضي أراضيهم للبيع لتأمين لقمة العيش ودخل كافٍ لأسرهم”.
مع عودة جزء كبير من سكان مورك للعيش فيها وهي البلدة التي طالما تغنت بذهبها الأحمر (الفستق الحلبي)، وعلى الرغم من تثبيت النقطة التركية ومعبر مورك الذي يربط المناطق المحررة بالمناطق التي تسيطر عليها قوات الأسد، إلا أن الأهالي لم يستفيدوا من وجود المعبر ولم تتمكن النقطة التركية من توفير الأمان الكافي واللازم للعمل.
وإلى ما قبل اندلاع الثورة السورية، كان الكثيرون من أهل مورك أغنياء بحكم عملهم في مجال الفستق الحلبي وتجارته، إلى جانب موقعها التجاري الهام على الأوتوستراد الدولي، لكنّ ذلك انعكس على هؤلاء بشكل سلبي وجعل بلدتهم ذات موقعٍ استراتيجيٍ عسكريٍ تسعى جميع الأطراف إلى السيطرة عليه، وكان آخرها نهاية عام 2015 عندما سيطرت فصائل الثوار عليها.

*فريق بوابة حماه

guest
3 تعليقات
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] المواسم الزراعية في ريف حماة الشمالي لخطر الأمراض وقلة الاهتمام الذي […]

trackback

[…] تحدث لــ “بوابة سوريا” قائلاً إن “معبر مورك يتبع لإدارة المعابر التابعة لــهيئة تحرير الشام، وقد […]

trackback

[…] من الشرطة المدنية دخلوا إلى نقطة المراقبة التركية في مدينة مورك الخاضعة لسيطرة قوات الأسد شمالي حماة، بعد إخضاعهم […]