الصفحة الرئيسية رأي وتحليل طلقة “الأسد” الأخيرة

طلقة “الأسد” الأخيرة

0

 

لا يحتاج الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى آلاف الجنود الأميركيين ليثبت وجوده في سوريا، فهو إذ اكتفى بوجود رمزي أقل من العدد المومأ له بتصريح البيت الأبيض (200 جندي)، فستبقى المنطقة التي يحدد وجود قواته عليها -ولو وهمياً- تحتفظ بحصانتها ومرجعيتها الأميركية، وترتسم حولها حدود شبه محصنة، غير قابلة للاختراق، أو الاعتداء، سواء من الأطراف المحلية، أو الإقليمية، أو حتى الدولية. ما يعني أن الوجود العسكري في سوريا لهياكل الجيوش المحلية (النظام والمعارضة)، وكذلك للجيوش الدولية (روسيا، إيران، تركيا) المنخرطة في الصراع على سوريا، لا يقاس بالعدد والعتاد، ولكن بما تملكه الدول من قوة حقيقية على أرضها، وفي اقتصادها، ومكانتها الدولية غير الافتراضية، التي تجعل حتى من تغريداتها في عالم الافتراض ذات هيبة وقدرة تدميرية حقيقة على الأرض. ورغم ما يقال عن أن الرئيس الأميركي يمارس  إدارة صراعات العالم عبر “تغريدات تويترية” يتم في بعض الأحيان تعديلها أو التراجع عنها، ما يجعل سلوكه يعبر عن فوضوية المنهج، وعمق خلافات الرأي داخل إدارته حول موقف بلاده من تلك الصراعات، وابتعادها أخلاقياً عن دور “دولة” بحجم وعظمة الولايات المتحدة في صناعة الأمن والسلم الدولي، إلا أن ذلك لا يقلل من عمق فهم “ترامب” لتأثيرات “تغريداته” المرتكزة على قوة بلاده الصناعية، والاقتصادية، قبل أن نقول “والعسكرية”، وهذه الأخيرة ليست إلا انعكاسات منطقية لواقع تنموي اقتصادي علمي تكنولوجي تتصدر الولايات المتحدة أرقامه. أي أن “ترامب” في صناعة خلافاته واشتباكاته مع رؤساء العالم- وحتى شتائمه لبعضهم- سواء في العالم الافتراضي أو الواقعي، لا يهرج من جيوب فقرائه، والعاطلين عن العمل، والمشردين والمهجرين قسراً، و ضحايا حرب أعدادهم فاق المليون، في صراع على “وهم سلطة”، انتزعت مع أول رصاصة سكنت في صدر طالب حرية، وليس سلطة. ما يعني أن احتذاء منهج “ترامب” بالتعاطي مع قضايا الحرب والخلافات من قبل آخرين لا يمكن قبوله، وسط بيئة تفتقر لكل عوامل قوتها الوجودية، من لقمة العيش حتى أسباب الحياة الضرورية، من تدفئة وكهرباء ناهيك عن غياب القدرة الشرائية حتى في حال توفرت مستلزمات العيش، أي أن الأولوية في خطابات المنهكين من حروب اخترعوها، تكون لسد احتياجات الناس، والتعبير الحقيقي عن الرغبة في التشارك معهم في حل مشكلاتهم لا القفز إلى حرب جديدة بطلقات وطائرات ورقية، وهذا حال خطابي “النظام والمعارضة” في مناطق نفوذهما الوهمية. ففي الوقت الذي تحرك فيه الجيش السوري منذ انطلاقة الثورة السورية عام 2011 وحتى اليوم، بكامل عدته كجيش “وطني”  بني خلال خمسين عاماً، وعدده الذي قارب نحو 325 ألف جندي (وصل عدده بعد ثمانية أعوام من الحرب إلى أقل من النصف)، ليخمد مظاهرات شعبية تطالب بحقوق مدنية وسياسية وحقوقية، إلا أنه لم يستطع رغم عنف هجماته وضرباته واستخدامه كل أنواع أسلحته الأرضية والجوية، وما بينها المحرمة انسانياً ودولياً وقانونياً، تحت مهمة “حفظ الأمن الوطني”، في أن يمنح خط سير حركته وأماكن وجوده وتموضعه مواقع الحصانة الوطنية المفترضة، والهيبة التي تكلل جيش البلاد  أمام عموم الشعب من مؤيدين ومعارضين وحتى صامتين، رغم محاولات الثائرين -قبل الموالين- في توجيه الجيش إلى مهمته الأساسية من خلال رفع المتظاهرين أنفسهم شعار “الجيش معنا، الجيش معنا” و”نحن والجيش إيد وحدة، إيد وحدة”.ما يعني أن القوة العنفية للجيوش التي تستبيح سوريا، وتعدادها البشري والعتادي، ليست هي الحكم في نسبة وتناسب التحاصص الدولي الذي نشهده، سواء في محور ضامني آستانة، (روسيا، إيران، تركيا) أو محور الداعين إلى حل غير مستعجل عبر مسار جنيف التفاوضي، (الولايات المتحدة وحلفاؤها من دول أوروبا)، فحيث تبقى الولايات المتحدة تحكم العالم تكنولوجياً، وتتصدر قائمة أقوى اقتصاداته، فهي تبقى في الآن نفسه، قادرة على تعطيل انحرافات المسارات، وشبهات التحالفات غير المنتجة لحل واقعي سياسي على الأرض غير مقبول من جهتها، أي أن التعاطي مع الحلول خارج القبول الأميركي يبقى رهان على الفشل القادم، دون أن تعرقل الإدارة الأميركية محاولات التجربة، كما فعلت في ترك مسار آستانة يمضي بجولاته التسعة، لأنها تعني العقاب الضمني، والعودة إلى لعبة مرايا الحقيقة، التي يستمتع كل من “ترامب ” وإدارته بلعبها بين فترة وأخرى، وهو يعدد خسائر الأطراف المتصارعة، ويجبي انتصارات حياده تجاهها على حسابه في تويتر تارة، وفي خطاباته وتصريحاته تارة أخرى.والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما هي الثمار التي يمكن قطافها شعبياً؟ في ظل “حمى” التجاوزات البروتوكولية بين الرؤساء والمسؤولين، وتبادل الشتائم المنطوقة، والمصورة، والمومأ إليها، فهل نحن أمام حرب أم لعبة “افتراضية”، لكن بضحايا من لحم ودم، وجنسية سورية على الأغلب؟ وهل كان خطاب “الأسد” أمام أعضاء المجالس المحلية في “همروجتهم” الشعرية، هو طلقته الوهمية الأخيرة التي أراد أن ينال فيها من حليف روسيا  الرئيس التركي “أردوغان”، والذي يسيطر مع الولايات المتحدة الأميركية حسب التصريحات على أكثر من 40 بالمائة من الأراضي السورية! ما استدعى أن يرد الرئيس الروسي “بوتن” على “طلقة الأسد” في تعميم صورة واقعية تحدد موقعه من التحالفات الدولية، وتعيد الواهمين من عالم الافتراض إلى عالم الحرب والحقيقة، وبداية وقبل كل شيء “الاقتصاد”؟

*كاتبة سورية

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments