منذ بداية الثورة السورية، تدهور الواقع الصحي بشكل كبير بدءاً من نقص المستلزمات الطبية والأدوية، وصولاً إلى نقص الكوادر المختصة كالأطباء والممرضين والتقنيين، وأصيبت معظم المشافي والمراكز الصحية بشلل تام. ولم يكن الشمال الشرق السوري في منأى من ذلك على هذا الصعيد، فقرار “وزارة الصحة السورية” بمنع التعامل أو تقديم أي دعم طبي للمشافي والمراكز الصحية في المناطق التي تديرها الإدارة الذاتية كان كفيلاً بتردي الخدمات التي تقدمها هذه المراكز.

 

هجرة الأطباء

زادت هجرة الأطباء الاختصاصين من معاناة المرضى وبشكل خاص مرضى القلب والسرطانات، كما هو الحال مع أحمد سعيد وهو مريض بالقلب منذ سنوات، والذي قال في حديثه إلى “بوابة سوريا”: “عانيت كثيرا خلال السنوات الماضية وخصوصاً بعد الثورة، لأن أغلب الأطباء غادروا المنطقة ما اضطرني للسفر إلى العاصمة لتلقي العلاج، مما زاد من المصاريف بالإضافة إلى حجز بطاقة الطيران وهي مبالغ إضافية أوفرها بصعوبة بالغة”.

الدكتور (م.س) من الأطباء القدامى في مجال أمراض القلب والأمراض الداخلية الذين اضطرتهم ظروفهم إلى مغادرة الحسكة، ويعمل حالياً في العيادات التابعة لمنظمة “أطباء بلا حدود” في أحد مخيمات اللجوء في إقليم كردستان، ويقول لــ “بوابة سوريا”: “في بداية الثورة كان الوضع العام يشير إلى حدوث تغيرات في الوضع السياسي، وكنت أرى الناس سعداء وبشكل خاص عند الخروج إلى المظاهرات، إلا أنه وبعد مرور سنة تقريباً بدأ الوضع الأمني يتفاقم ولم نعد نشعر بالأمان، إذ لم يكن باستطاعتي أن أفتح العيادة بعد حلول الظلام بسبب تكرار عمليات خطف الأطباء وابتزازهم مادياً، فخرجتُ مع عائلتي إلى منطقة أكثر أمناً”.

حال هذا الطبيب كحال المئات من الأطباء المختصين الذين أجبرتهم ظروف الحرب والأوضاع الأمنية غير المستقرة إلى مغادرة محافظة الحسكة، وتوجه أغلبهم إما إلى الدول الأوربية أو إلى إقليم كردستان العراق.

نقص الخدمات

تفتقر محافظة الحسكة إلى مراكز خدمة للمصابين بالأورام الخبيثة وإلى الأجهزة الضرورية مثل أجهزة الرنين المغناطيسي، وحول ذلك تقول مديرة قسم الصحة في مدينة ديريك روجين أحمد: “إن الأجهزة الضرورية لبعض الأمراض المستعصية مازالت غير متوفرة في مشافي المنطقة كونها غالية الثمن ولا تستطيع مديرية الصحة في الجزيرة توفيرها، لذلك كان خيار الكثير من المرضى التوجه إلى دمشق أو إقليم كردستان العراق” مضيفة: “خلال هذه السنوات قامت وزارة الصحة السورية بسحب كادراتها من المشافي الواقعة تحت سلطة الإدارة الذاتية، من مهندسين وتقنين وممرضين وأطباء مقيمين، ما جعل من الصعب علينا ملء الفراغ”.

وتابعت أحمد: “يعاني قسم أمراض وغسيل الكلى من المشفى في ديريك من تعطل أجهزة غسل الكلى، ففي المشفى توجد ستة أجهزة لغسيل الكلى لكنّ أربعة منها معطلة تماماً، ويقوم قسم صيانة الأجهزة بصيانتها بشكل مستمر لتوفير العلاج لـ 17 مريضا يحتاج كل منهم إلى غسل كليته كل يومين”. وختمت بالقول: “يقوم المشفى العام في ديريك بسد حاجته من الأطباء والجراحين عن طريق التعاقد مع أطباء من خارج المدينة، وسوف نبادر قريباً جداً إلى وضع نظام جديد بخصوص المشافي في عموم الحسكة”.

أزمة على صعيد الادوية

لا توجد معامل للأدوية في المنطقة وتعتمد الصيدليات لتوفير الدواء على طلبه من محافظات الداخل (حمص وحماه ودمشق)، وقد كانت الأدوية شبه مفقودة سابقاً بسبب انقطاع صلة الوصل بين المحافظات السورية وقطع الطرق، إلا أنها باتت متوفرة بنسبة قليلة خلال الفترة الأخيرة.

“تقدم الادوية مجاناً لكل المرضى الذين يدخلون المشفى أو المراكز الصحية في منطقتنا، لكن لدينا نقص في أدوية أمراض القلب والسكري مما يجبر المريض على شرائها من خارج المشفى وبثمن باهظ” بحسب روجين احمد.

وفي السياق ذاته يقول الصيدلاني أنس صالح لـ “بوابة سوريا”: “أعمل في الصيدلية منذ مايقارب 30 عاماً لم تشهد المنطقة خلالها أي انقطاع في الأدوية، لكن الكثير من المعامل خرجت من الخدمة في السنوات الاخيرة بسبب القصف أو بسبب هجرة الأيدي العاملة واختصاصيي الأدوية” مبيناً بالقول: “قمنا بسد حاجتنا من الأدوية عن طريق استيرادها من الخارج، ولكن هذه الأدوية لم تكن مرغوبة من قبل المرضى، وارتفعت تسعيرتها ما شكل عبئاً مالياً إضافياً على المرضى” ومشيراً أيضاً إلى الأثر الكبير الذي تركته هجرة الأطباء المختصين إلى خارج المنطقة، الأمر الذي جعل المرضى تحت رحمة أطباء قلة يستغلونهم ويتركونهم دون أدنى رعاية.

وعلى الرغم من وجود منظمات تقدم الدعم الطبي للمنطقة كمنظمة “أطباء بلا حدود” إلا أن خدماتها تبقى أقل من المطلوب بسبب برنامجها الصحي المحدود وخدماتها التي تركز على المخيمات والنازحين بشكل خاص. وتقدم منظمة “الهلال الأحمر الكردي” بدورها العديد من الخدمات الطبية لكنها تفتقر إلى الدعم ويبقى نشاطها محدوداً أيضاً.

يواجه القطاع الصحي في مناطق الإدارة الذاتية عدة صعوبات وتحديات، كهجرة الأطباء والكوادر الطبية وارتفاع ثمن الأدوية وتحكم المشافي الخاصة، ونقص الأجهزة والمعدات، الأمر الذي ترك بالغ الأثر على المواطن في مواجهة صعوبات تفوق قدرته وطاقته.

*فريق بوابة الحسكة

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] عيسى: “منظمة الصحة العالمية وبالتنسيق الهلال الأحمر الكردي كانت تدخل مساعدات إنسانية في مجال دعم الأمومة والصحة […]