“بوسع الكاتب أن يستمر في الكتابة عن مكانٍ واحدٍ إلى الأبد، ولدي شعور بأن المكان والناس والتاريخ هنا ما زالوا دون تغطية روائية كافية” يقول ممدوح عزام، الذي يضيء زوايا وتاريخ بيئته التي يقطنها مع كل رواية من رواياته، تلك البيئة التي يقول إنه أعاد خلق جغرافية خاصة بها مكانياً وزمانياً، ليعيد حكاياتها بأصوات شخوصه.
لم يغادر ممدوح عزام السويداء كرواياته السبع من رواية “معراج الموت” إلى روايته الأخيرة “أرواح صخرات العسل”، إذ يقول في حواره معنا: “لا نستطيع استبدال جلودنا بسهولة في هذا العمر، فقد باتت أكثر التصاقاً بلحمنا وعظامنا”.

لم تغادر البلاد، هل تشعر أن تاريخ انتمائك إليها يتجاوز زمن ولادتك فيها إلى زمن أبطال رواياتك الذين عاشوا فيها قبلك، وكيف تعيش في عصرنا الحالي مع أولئك الأبطال؟
مغادرة البلاد، أو البقاء فيها، ليس شأناً روائياً، إنه خيار حياتي صرف له علاقة بالذكريات. وأنا ممن يحبون السفر والفرجة، غير أنني لا أرغب البتة في تبديل المكان. للمسألة جانب يتعلق بالحنين المحض، إضافة إلى الجانب العيني الذي يضم صوراً للبيت الذي بنيته بنفسي، والأرض الصغيرة التي أعتني بها، والأهم من هذا الناس الذين بنيت وإياهم ذكريات وجودنا المشترك. لا نستطيع استبدال جلودنا بسهولة في هذا العمر، فقد باتت أكثر التصاقاً بلحمنا وعظامنا. ربما يكون للعمر علاقة بالرغبة في البقاء، إذ إن أولادي سافروا براحة وحرية أكبر من كلماتي هذه. يمكن أن أضيف أن الأحداث التي حولنا لم تجبرنا على ترك بيوتنا كما حدث مع سوريين آخرين في مناطق مختلفة من بلادنا.

لم تخرج ضمن رواياتك عن بيئة السويداء وتاريخها، لأي حد يستطيع الكاتب إعادة خلق الإبداع من البيئة نفسها دون الوقوع في التكرار والرتابة؟
في اعتقادي أن بوسع الكاتب أن يستمر في الكتابة عن مكان واحد إلى الأبد. وقد كتبت سبع روايات حتى اليوم، ولدي شعور بأن المكان والناس والتاريخ هنا ما زالوا دون تغطية روائية كافية. كما أن المنطقة لم تعرف الرواية بمعناها الفني قبل أن أكتب “معراج الموت” ثم “قصر المطر”، أي إنها كانت منطقة عذراء روائياً. ومعظم ما كتب عنها من روايات، من قبل روائيين عدة في المنطقة، جاء في العقدين الأولَين من القرن الحادي والعشرين.
أما عن الرتابة، فلا خشية منها بالطبع، لأن كل يوم يحفل بالجديد المختلف عن الأيام السابقة، وما على الروائي، إلا أن يكون مزوداً بعين فاحصة محبة تستطيع أن تلتقط المختلف الصالح للمشاركة في النص الروائي.

إلى أي حد تحكم أفكار ومعتقدات الروائي أبطاله، وهل يستطيع خلق أبطال متحررين منه؟
الشرط الأول في الكتابة الروائية هو أن يتمكن الكاتب من منح الحرية للشخصيات في روايته. ولا تتم هذه الحرية إلا إذا كان الروائي نفسه متحرراً من الأفكار المسبقة، أي من المعتقدات الثابتة والأيديولوجيات والتحزب لأي اتجاه سياسي أو فكري أو ديني. وفي الغالب لا يصدق القراء هذه المقولات، ومن حقهم أن لا يصدقوها، إذ لا يمكن للكاتب أن لا يكون منحازاً لفكرة أو لمعتقد، وبالتالي لا يمكن إلا أن ينحاز للشخصية التي تمثل أفكاره. غير أن المهارة الفنية هي التي تجعله يمنح الشخصيات الأخرى حرية الحركة والتفكير كي تكون نداً مساوياً للشخصية التي تمثله، إذ إن تشويه الشخصيات المعادية يضعف فكرة الروائي.

في مقال لك بعنوان: كيف تقرأ رواية؟ تقول إن الرواية قد تصبح نقمة على الروائي في مجتمع لم يتعلّم بعد كيف يقرأ رواية. هل مجتمعنا قادر برأيك على قراءة الرواية بالطريقة التي قدمتها له؟
لا، لم يتعلم المجتمع بعد قراءة الرواية العربية. وهم يتسامحون مع أي كتابة مترجمة، لكنهم لا يتسامحون تجاه الكتابة العربية التي يرون أنها تعنيهم وتعني حياتهم وشخصياتهم. ومن بين هؤلاء متعلمون ومثقفون وقراء روايات وشعراء يعيشون بيننا، وسرعان ما نرى أنهم يحملون أفكاراً متخلفة في شؤون حرية الرأي والكتابة.

هل من رواية سورية استطاعت الاستلهام من الواقع السوري وأبعاده في السنوات الأخيرة، دون أن تأخذ المنحى التسجيلي أو التوثيقي؟
لدينا كلا الاتجاهين في الكتابة الروائية، وهذا أمر طبيعي في زمن الثورات والحروب، وربما نكون محتاجين لكليهما، إذ سيكون من المؤسف أن لا يسجل أحد أو يوثق ما حدث و يحدث روائياً.

هل وصلت الرواية العربية إلى مرحلة متقدمة لتمتلك شخصيتها المستقلة، وهل بإمكانها التأثير في الرواية العالمية؟
أنا مؤمن بالرواية العربية وبإمكانات الروائيين العرب، وأظن أن عشرات الروايات العربية جديرة بأن تكون من بين أفضل ما كتب في فن الرواية في العالم. لدينا نصوص تنتمي إلى المكان والزمان العربيين، وهذا يعني أنها تمتلك هوية تخصها وحدها. ولعل التنوع الجغرافي الهائل للعالم العربي، والاختلافات الإثنية المتعددة، وتواجد ثقافات متنوعة، يكون سبباً في تنوع التجارب الروائية العربية. وإذا كانت لم تصل بعد إلى اللغات الأخرى فإن الأسباب سياسية لا فنية، وهذا موضوع يصعب حله اليوم.

الساحات الجديدة في الثقافة العربية بما تحمله من جوائزها وكتابها وانتشارها الإعلامي، ما هو تأثيرها على مسار الرواية العربية وتطوير الكاتب لإمكانياته باتجاه اللحاق بها، عوضاً عن الإجابة على متطلبات واقع الرواية العربية، وهل من ارتباط بين غياب النقد للرواية العربية وظهور هذه الساحات؟
يمكن للجوائز أن تساعد في شهرة الرواية أو الروائي، يمكن أن تكون وسيلة للتعريف بأعمال ذات قيمة فنية وفكرية، ويمكن أيضاً أن تساهم في شهرة أعمال روائية ليست جديرة بالشهرة، في حين تغفل روايات أخرى أو روائيين آخرين أكثر قيمة. ولكن لم يثبت قط أن الجائزة قادرة على تحقيق تقدم في الكتابة، إنها مكافأة على ما مضى وليس على ما سيأتي. لهذا فالجوائز لا تحقق أي مساعدة للكاتب الروائي الفائز في المجال الفني، بل إن معظم الذين فازوا بالجوائز قدموا أعمالاً متواضعة فنياً بعد فوزهم.

ما مدى تأثير الرواية في البناء الفكري للأجيال السابقة، وهل ترى هذا الأثر ماثلاً اليوم؟
من الصعب قياس هذا الأمر، إذ لم تكن القراءة عملاً شعبياً في أي يوم لدى الأجيال العربية. ولهذا لا الرواية تركت تأثيراً كبيراً في الأجيال، ولا غيرها من الفنون. لنتذكر أن أي كتاب عربي لا يطبع أكثر من ألف نسخة أو ألفين، في محيط بشري يتعدى المائتي مليون منذ أكثر من نصف قرن. أين التأثير؟ كيف يمكن أن تؤثر الرواية في جيل أو في أجيال لا تقرأ؟ ربما لهذا لا توجد شخصية روائية عربية تناقش على صعيد ثقافي على غرار شخصيات الروايات المعروفة في العالم. ومن الواضح أن هذا الأثر لا يزال مستمراً حتى اليوم، لقد ازداد عدد السكان في العالم العربي ولم يزدد عدد القراء، وظلت الرواية تطبع ألف نسخة، ولدي إحصائيات تقول إنهم يطبعون خمسمائة نسخة فقط. ولذلك فإن التأثير موجود ولكنه محدود بحدود من يقرأ.

تنتشر اليوم وسائل المعرفة السريعة والموجزة التي تعتمد الصورة بالدرجة الأولى لتكثيف المعلومات، ما مدى تأثير ذلك على قراءة الرواية التي تحتاج إلى التخيل والتأني في بناء العلاقة معها وتشربها؟
ثمة رابط ما بين هذا السؤال وبين جوابي عن السؤال السابق، لا أعتقد أن أسباب ” تراجع ” القراءة راجعة إلى أثر وسائل المعرفة الأخرى. لقد كانت كذلك من قبل، ولا يزال الحال كما هو. فمن يفضل أن يشاهد المسلسل التلفزيوني، لن يعود للقراءة إذا ما حرمته من التلفزيون. فالقراءة فعل ثقافي له علاقة باتساع المعرفة أفقيا وعاموديا لدى أي شعب، والدليل أن القراء ة لا تزال تحظى بالشعبية في أوروبا مخترعة التلفزيون وغيره من الوسائل، والرواية تطبع هناك بعشرات الآلاف من النسخ، لا لأن رواياتهم أفضل من رواياتنا، بل لأن علاقة الناس بالقراءة والثقافة مختلفة تماما.

في مقال لك، ذكرت أن الأدب لا يفاوض على الحقيقة الإنسانية، ماذا إن تعددت وجهات النظر في الحقيقة؟
من الصعب أن يقول شخص في الشرق أن الصدق والأمانة والرحمة والمروءة والكرم قيم رفيعة، ويقول شخص آخر في الغرب إن الكذب والخيانة قيم عظيمة. هذه هي الحقائق التي لا يفاوض البشر عليها، فما بالنا بالأدب الذي يزهو طوال تاريخه بأنه حارس القيم والحقائق الإنسانية؟ وسيكون غريباً مثلاً أن يدافع أي روائي في العالم عن العدوان أو عن الظلم أو عن اضطهاد شعب لشعب آخر. هذه هي الحقيقة التي قلت إن الأدب لا يفاوض عليها. وليس ظلم إنسان لآخر وجهة نظر، أما وجهات النظر في مسائل الوجود الأخرى فهي أمر مختلف، ومنها طرائق العيش حيث ينظر الناس كما يشاؤون إلى “الحقيقة”، ولكنها ستبقى كما هي.

“ما عدا الموت كل شيء باق على حاله”.. جملة رددها “عابد” في رواية (أرواح صخرات العسل)، هل توافقه في ذلك بالنسبة للواقع السوري اليوم؟
لا، لا أوافق عابد على ذلك. وإن كان الواقع السوري قدم كثيراً من الوقائع في السنوات الماضية مما يجعل أمثال عابد يقبلون مثل هذه النتيجة. وهناك من يعمل بها، نعلم أن نسبة المنتحرين قد ازدادت في السنوات الأخيرة كثيراً. إنهم أشخاص مثل عابد ومثل حامد وخالد في الرواية. لكنهم ليسوا مثلي، فأنا في الواقع لا أوافق هذا الرأي.

*صحفية سورية