الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء من ملهاة التفاوض إلى ملهاة الدستور

من ملهاة التفاوض إلى ملهاة الدستور



أثار الحديث، مؤخّراً، عن التوافق على تشكيل “اللجنة الدستورية”، بين ثلاثي آستانةـ سوتشي (روسيا وتركيا وإيران)، الخشية من أخذ الصراع السوري إلى ملهاة جديدة، بعد ملهاة التفاوض، بين مساري آستانة وجنيف، لأسباب متعددة ومختلفة، علما أن هذا التشكيل يتأسّس على محاصصة ثلاثية، قوامها ثلث للنظام وثلث للمعارضة وثلث للمجتمع المدني (يسميهم مبعوث الأمم المتحدة مع مراعاة التوافق بين النظام والمعارضة). 

أما بخصوص الأسباب، فيمكن تمثلها في الآتي:

أولاً، إن التوافق المذكور جرى من وراء ظهر الشعب السوري، ومن دون الاتكاء على أية معايير واضحة ومعروفة، وإذا صرفنا النظر عن حصة وفد النظام (فهذا شأنه)، فإن ذلك الأمر ينطبق خصوصاً على الثلثين الأخرين، أي على حصّتي المعارضة والمجتمع المدني، إذ جرى تسريب قائمة أسماء (مع الاحترام للجميع كأشخاص) يفتقر معظمها للأهلية والخبرة، سواء السياسية أو القانونية، مع علمنا أن الخطوط العامة لأي دستور تضعها هيئة تأسيسية من السياسيين، أو مؤتمر تأسيسي، لكن ضبطها من الناحية القانونية يعود إلى خبراء قانونيين، مختصين في صياغة الدساتير ومقارنتها وفقهها، أي أن الأمر ليس على هذه البساطة أو الخفّة، حيث اعتاد البعض على الاشتغال بكل شيء، في وقت واحد، سواء بالسياسة أو بالعسكرة أو بالإعلام، بمعزل عن أي مسؤولية أخلاقية تترتب على ذلك. 

ثانياً، المسألة الأهم من تشكيل اللجنة أن المعارضة السورية، أو الجهة التي تنطق باسمها (عن مشروعية أو من دونها)، انخرطت باللعبة التفاوضية، وضمن ذلك بمسار آستانة ومؤتمر سوتشي، ورضخت لتجاوز بيان جنيف 1 (2012)، من دون أية ضمانات تفيد بأن المجتمع الدولي قد حسم أمره بخصوص وقف الصراع السوري، والانتقال نحو الحل السياسي، فهذا الأمر لا يوجد ما يؤيده حقا، رغم الحديث عن إنهاء “داعش”، الأمر الذي يضع المعارضة في دوامة، أو في ملهاة، جديدة، لا طائل منها؛ ما يعني أن العملية التفاوضية تفتقد للمرجعية القانونية، كما تفتقد للشرعية الدولية، أو للضمانات الدولية التي يمكن لها أن تفرض هذه العملية، على النظام وحلفائه؛ فها هو الأسد عبر، مؤخراً، عن رفضه تشكيل لجنة لصياغة الدستور، وعن ازدرائه المعارضة (في خطابه يوم 17/2). 

ثالثاً، ما يفترض الانتباه إليه هنا، أيضا، أن المعارضة السورية لا تملك الأوراق اللازمة لفرض وجهة نظرها، أي فرض المواد اللازمة في الدستور، التي ترسّخ انتقال الدولة السورية من نظام سياسي استبدادي إلى نظام سياسي ديمقراطي، تكون فيه السيادة للشعب، على أساس حقوق المواطنة، إذ لم تعد المعارضة تملك القوة لا على الأرض، ولا في مجتمعات السوريين في الداخل والخارج، والأهم من كل ذلك أن تلك المعارضة في غاية التشرذم، ليس فقط بين كياناتها العسكرية، التي ضعفت وهمشت كثيرا، وإنما حتى بين كياناتها السياسية، أيضاً، إذا جاز لنا الحديث عن كيانات بمعنى الكلمة، إذ أن الأمر يتعلق بأشخاص لا أحد يعرف كيف يأخذون هذا الموقف أو غيره، وفقا لمصالحهم أو وفقا لرعاتهم، أو منصبيهم.

رابعا، لم تشتغل المعارضة، طوال السنوات الماضية، على صياغة اجماعات وطنية بين مكوناتها، وهو واقع مؤسف حقاً، ما يعني أن ثمة فراغ مريع في هذا الأمر يفترض العمل على ترميمه. والقصد أن أي عملية سياسية، أو أية حديث عن انتقال سياسي في سوريا يفترض أن يتأسس من إقامة دولة مواطنين أحرار ومتساوين، وعلى دولة مؤسسات وقانون، والفصل بين السلطات، وتداول السلطة بالطرق السلمية، أي بواسطة صناديق الاقتراع، لأنه لا يمكن الحديث عن نظام ديمقراطي، بمعنى الكلمة من دون هذه المعايير والأسس؛ فهل ثمة توافق في المعارضة على ذلك؟ 

خامساً، ثمة فكرتان يفترض الحسم بشأنهما في تقرير شكل النظام السياسي المرتجى، أولاهما تتعلق بتمسك البعض بالدولة المركزية، أو بتليين الموقف بالحديث عن دولة لا مركزية، على ما درج في بعض بيانات المعارضة السائدة، وذلك بدلا من النص على دولة فدرالية. ومعلوم أنه لا شيء اسمه دولة لا مركزية، بل إن اللامركزية تتضمن المركزية أساساً، والقائلين فيها يوحون بالخشية على سوريا من “التقسيم”. وفي الحقيقة فإن ما يمنع التقسيم ليس نصاً معيّناً، سواء كان يتضمن اللامركزية أو المركزية، لأن ثمة دول كبرى قسّمت من دون أن تكون فدرالية، وثمة دول ذات نظام فدرالي، هي من أقوى واغنى وأكبر دول العالم، من دون أن تخشى من شبح التقسيم. والفكرة هنا، أولا، أن التقسيم يحصل أساساً وقبلاً في الشعب، لا في الجغرافيا. ثانيا، إن شعور فئة من شعب معين بأنها مغبونة وأنها غريبة في دولتها هو الذي يفتح على خطر التقسيم. ثالثا، إن درء التقسيم يتطلب المساواة بين المواطنين، والمساواة في توزيع الموارد، في نظام يتأسس على الحرية والمواطنة المتساوية والديمقراطية. وخامسا، فإن فكرة الفدرالية لا تقوم على تقسيمات أثنية أو طائفية أو هوياتية من أي نوع وإنما على تقسيمات جغرافية، فهذا ما يحول دون استمرار نظام الاستبداد، ودون قيام نظام يغبن مناطق طرفية معينة على حساب المركز، وما يسمح بقيام المجتمع المدني؛ وعموما فهذا امر يجب أن يخضع للنقاش لتوضيحه والتوافق عليه ورسم ضوابطه. أما الفكرة الثانية، فتتعلق ببحث إقامة نظام سياسي برلماني، للقطع مع النظام الرئاسي، الذي قد يعيد إنتاج نظام الاستبداد، وربما يمكن أخذ التجربة الفرنسية هنا، حيث ثمة نظام مزدوج رئاسي وبرلماني، مع توزيع الصلاحيات بين الجهتين، وهذا الأمر يخرج الأمر من دوامة الصراع السياسي والتفاوضي على مكانة الرئيس، على نحو ما شهدنا في تجربة المفاوضات، وذلك في النص في أي دستور جديد على نظام برلماني، أو نظام مزدوج، لتجاوز هذه العقبة نهائياً.

مع ذلك، فهذه مجرد توضيحات تتعلق بأي نقاش حول الدستور المرتجى لسوريا المستقبل، لكن الأهم من ذلك أن أي نقاش من هذا النوع سيبقى بمثابة تمرين ذهني، بمعزل عن توفر إرادة دولية لوقف الصراع وتحقيق الانتقال السياسي، وبمعزل عن قيام المعارضة بإعادة بناء ذاتها ككيان سياسي جمعي للسوريين يتوخى تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم لاستعادة حقوقهم بالحرية والمواطنة والديمقراطية؛ فمن دون هذا وذاك سنبقى بين ملهاة وأخرى.

*كاتب سياسي فلسطيني