مع توسع رقعة المناطق المحررة، عمد النظام إلى معاقبة تلك المناطق بقطع المحروقات عنها، لكن وبعد خروج معظم الحقول النفطية عن سيطرته خضعت تلك الحقول لسيطرة بعض كتائب “الجيش الحر”، فكان لا بد من إيجاد بدائل أخرى للتدفئة كالفيول أو الحطب أو البيرين (مخلفات معاصر الزيتون) أو مدافئ قشر الفستق الحلبي وغيرها من الطرق التي لم يكن يعرفها المواطن سابقاً. وانتشرت محطات التكرير البدائية “الحرّاقات” التي يتم من خلالها استخراج المحروقات بأنواعها من مازوت وبنزين وكاز، ما وضع الأهالي أمام مخاطر عديدة بسبب عدم الفرز التام وفصل المواد عن بعضها البعض.

محطات التكرير البدائية “الحراقات”

تعتمد “الحرّاقات” في عملها على تعريض صهاريج كبيرة مملوءة بمادة النفط الخام أو ما يعرف بـ”الفيول” إلى درجات حرارة مرتفعة تفصل مشتقات البترول عن بعضها، وتتضمن أنابيب تنتهي إلى أحواض محددة بعد انتهاء عملية الفرز.

يقول عمار مصطفى وهو صاحب “حرّاق” سابق في ريف إدلب الجنوبي: “كنا نقوم بشراء النفط الخام من حقول دير الزور وننقله عبر شاحناتنا الخاصة المحمّلة بالصهاريج إلى منطقتنا، وبعد إفراغ الصهاريج في الحراقات وبدء عملية الفرز نحصل على المازوت والبنزين والكاز، ونقوم ببيع هذه المواد إلى محلات المحروقات، بالإضافة إلى المخلفات الصلبة الناتجة عن عملية التكرير والتي يتم بيعها بالكيلو غرام، ويطلق عليها اسم الفحم، وتستخدم بنفس طريقة استخدام الفحم الحجري”.

وأردف: “تخلف هذه العملية الدخان والغازات السامة التي تؤثر على المحيط، وقد أوقفت العمل بعد عدة شكاوى وصلتني من أهالي الحي وصرتُ أنقل المازوت المكرر يدوياً من حراقات معدّة بجانب آبار النفط لأقوم بتوزيعها على المحلات في المنطقة، إذ يعتمد غالبية الناس على المازوت المكرر يدوياً في هذه الأيام”.

ومع انتشار المازوت المكرر بـالحرّاقات انتشرت الكثير من حوادث الحريق التي سببت وفيات أو إصابات بالإضافة إلى الأضرار المادية الكبيرة، والتي تكون في الغالب نتيجة أخطاء بسيطة غير محسوبة.

وعن ذلك حدثنا مهندس البتروكيماء هنانو السلوم قائلاً: “المواد النفطية هي مواد هيدروكربونية، أي نسبة الهيدروجين فيها عالية. ويؤدي اختلاط القطفات مع بعضها البعض نتيجة التكرير البدائي إلى اختلاط المازوت بالكاز وبالبنزين مما يسبب سرعة الاشتعال، ففي كل قطفة هناك عدد محدد للأوكتان، ومتى زاد ذلك العدد ازدادت نسبة الاحتراق ونسبة السعة الحرارية للاحتراق ونسبة القدرة الحرارية للاحتراق، ومن المفترض ضبط العدد بشكل كامل باستعمال مواد خاصة”.

وتابع السلوم: “أثناء المعالجة بعمليات التقطير يتم ضبط هذا الرقم ضبطاً دقيقاً جداً، لكن اليوم لا توجد عملية ضبط دقيقة مما يتسبب بوقوع الحرائق والانفجارات من لا شيء، وهناك مستخلصان رئيسيان يسميان بالغازات الحامضية والتي هي CO2 و H2S لا يتم استخراجهما في عمليات التكرير اليدوي من أي نفط خام،  ويتسببان بتأثير كبير على الجسم، بالإضافة إلى ما يسمى بالمياه الطبقية وهي من ضمن النفط الخام وتحتوي على إشعاعات ألفا وبيتا وغاما المسببة للسرطانات”.

بدائل أخرى أيضاً

محافظة إدلب محافظة زراعية تشتهر بزراعة الزيتون، ومع انقطاع المازوت النظامي توجهت نسبة كبيرة من الأهالي إلى استخدام مدافئ الحطب.

أحمد عبد الرزاق وهو تاجر حطب في مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي يقول: “في البداية اشتريت منشاراً آلياً للعمل عليه بالأجرة بسبب توجه معظم الفلاحين لاستبدال أشجار الزيتون بأشجار التين، وأصبحت أتعهد قطع الأشجار بالضمان حيث أتفق مع صاحب الأرض التي يريد قطع أشجارها على مبلغ من المال أدفعه له أولاً، ثم أقوم بعملية القطع وتشقيق الحطب وتجميعه في مركز خاص للبيع، بالإضافة إلى شراء الحطب من تجار الجملة القادمين من مناطق أخرى كحطب الصنوبر أو الدلب أو السنديان التي لا تتوفر في مناطقنا، لبيعها بالمفرق”.

مخلفات الزيتون التي تنتج عن عملية العصر واستخراج الزيت تعرف بـ “البيرين”، والذي يتم ضغطه في قوالب خاصة وبأشكال أسطوانية، وحول ذلك يقول أبو وائل وهو تاجر بيرين: “استخدام البيرين صحي أكثر من المازوت ويمنح دفئاً أكثر بالمقارنة مع الحطب، بالإضافة إلى أن سعر الطن الواحد من البيرين 55 ألف ليرة سورية وهو أرخص من الحطب والمازوت، ما دفع بالكثير من الأهالي إلى شرائه. وأنا أشتريه من المعصرة جاهزاً ومجففاً لأبيعه للمستهلك بالكيلو أو الطن”.

محمود الحسن (نازح من ريف حماة) جلب معه طريقة جديدة للتدفئة لم تكن منتشرة في محافظة إدلب بشكل كبير سابقاً،  وهي الاعتماد على قشر الفستق في التدفئة شتاءً، “فهي مريحة جداً وهي الأوفر بالمقارنة مع باقي الأصناف، ويتراوح سعر الطن الواحد من قشر الفستق من 80 دولار إلى 175 دولار” بحسب الحسن الذي يبين أن “الطن الواحد من القشر اليابس يكفي العائلة كمؤونة شتوية، وهذا ما لا يمكن أن يوفره طن الحطب أو برميل المازوت الذي يبلغ سعره 55 ألف ليرة سورية، بالإضافة إلى عدم انتشار روائح ناتجة عنه، ونظافته، إذ لا ينتج عنه دخان أو أي مخلفات كالشحار والرماد”. ويختم بالقول: “لكن المشكلة الوحيدة هي في سعر المدفأة الخاصة به حيث يبلغ سعرها 100 دولار على الأقل”.

وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية، يبقى من الصعب شراء المازوت أو الحطب أو قشر الفستق من قبل من لا يملكون دخلاً، ولهذا كان لا بد من “بدائل” عنها هي أيضاً.

أم أحمد أرملة تعمل مستخدمة في مركز للدعم النفسي براتب بسيط وتقول لــ “بوابة سوريا” :”لديّ أربعة أولاد ولا يمكنني شراء الحطب أو المازوت، وكنت قبل حصولي على العمل أقوم بجمع أغصان أشجار السرو والصنوبر من الجبل خلال الموسم الشتوي، لكنني أقوم اليوم بشراء الألبسة والأحذية المستعملة البالية لحرقها، فهي رخيصة الثمن مقارنةً مع غيرها”.

أصبح فصل الشتاء عبئاً جديداً يضاف إلى قائمة الأعباء والمعاناة التي تثقل كاهل المواطن السوري في هذه الأيام، خلال رحلة بحثه الطويلة عن الاستقرار. وتستمر معركة تأمين الاحتياجات الضرورية اللازمة للاستمرار على قيد الحياة، في انتظار انفراجٍ ربما يكون قريباً وربما يطول لتطول معه تلك المعاناة.

*فريق بوابة إدلب