محمد محمد عارف*

يواجه التعليم سواء في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات الأسد أو الواقعة تحت سيطرته، الكثير من الصعوبات والمخاطر التي انعكست آثارها سلباً على المدرّس والطالب في آن واحد، كالقصف المكثف على المدارس من قبل النظام، والنقص الحاد في الكتب، بالإضافة إلى الضغوط النفسية التي يتعرض لها الطلاب وتدني الوضع المعيشي والاقتصادي لمعظم أسرهم. وعلى الرغم من ذلك، تستمر معظم المدارس في العمل وبإقبال جيد عليها.

صعوبات تواجه التعليم
تعاني كافة المدارس في المناطق المحررة من نقص في الكتب المدرسية، وهو أحد الأسباب التي أدت إلى تراجع التعليم عموماً.
وحول ذلك يقول محمد أحمد وهو أحد المدرّسين في ريف حلب الغربي لـ “بوابة سوريا”: “نواجهنا صعوبات كثيرة في سير العملية التعليمية، فعلى صعيد نقص الكتب مثلاً يلاحظ أن الطالب يستقبل المعلومات شفهياً أو من السبورة وترسخ في ذهنه لوقت قصير ومن ثم ينساها، لعدم تمكنه من مراجعة معلوماته لاحقاً والسبب غياب الكتب المدرسية”.
وأضاف: “لا بد من لفت الانتباه أيضاً إلى أن نسبة من المدرّسين تم تعيينهم في المدارس عن طريق الواسطة، ما ينعكس بدوره على الطالب لعدم تمكن المدرّس من محتوى المادة العلمية وربما يقدمها لهم بطريقة خاطئة أيضاً، وخصوصاً لطلاب المرحلة الابتدائية الذين يستقبلون أية معلومة وترسخ في أذهانهم حتى لو كانت خاطئة” مشيراً إلى الوضع المادي المتردي لأغلب المعلمين وتأخر استلام المرتب الشهري لكل منهم (120 دولاراً للنصاب الكامل) “إذ أصبح من المحال أن يستلم المعلم مخصصاته المادية في آخر كل شهر كبقية الموظفين، بل يجبر على الانتظار مدة 3 أو 4 أشهر حتى يبدأ باستلامها عن أول شهر خدمة له، ما يؤدي أيضاً إلى تراجع همته وعدم امتلاكه الرغبة بمتابعة التعليم بنشاطه الكامل”.
نظم مدرّسون قبل أيام عدة وقفات احتجاجية في قرية “تل حدية” جنوب حلب، مطالبين المنظمات الداعمة لقطاع التعليم برفع رواتبهم واستمرار هذه الرواتب في فترة الصيف.
وقال عدي الأحمد أحد المشاركين في الوقفة” “شاركنا في الوقفة مع عدد من المدرّسين والمسؤولين في قطاع التعليم التابع للحكومة السورية المؤقتة، مطالبين برفع الرواتب وبأن تشمل العطلة الصيفية أيضاً ، فنحن لا نحصل على ما يكفينا للعيش حياة كريمة، والمبلغ الذي يتقاضاه المعلم لا يكفي مصروفاً له ولعائلته”.
من جهته بين مدير “مكتب مدير التربية” مجيب خطاب لـ”بوابة سوريا” آلية العمل بالقول: “التعليم هو مشروع يستهدف الطفل وليس المناطق كما تفعل المنظمات الإغاثية، وسيبقى دعم قطاع التعليم مستمراً، فبرنامج مناهل الذي كان يحمل سابقا اسم الكومنيكس هو الداعم الحالي لمديرية التربية والتعليم الحرة بحلب” مبيناً أن “الكادر التعليمي متنوع ومنه من يحمل إجازات جامعية وشهادات معاهد تعليمية وهناك حملة الشهادات الثانوية، ونحن نعمل على تدريبهم في معهد إعداد المعلمين”.
وبلغ عدد المدارس التي تتبع لـ “مديرية التربية والتعليم الحرة بحلب” 450 مدرسة، موزعة بين ريفي حلب الغربي والجنوبي، وتضم تلك المدارس 96 ألف طالباً و 5200 مدرّساً من كافة المناطق، بحسب خطاب.

دور المنظمات:
تساهم المنظمات التي تدعم القطاع التعليمي في مناطق حلب الحرة بدور كبير لرفع وتحسين مستوى الطلاب بالتعاون مع “مديرية التربية”، كما يتجه معظم المدرّسين للعمل في المدارس التي تدعمها المنظمات، إذ تقدم المنظمات مرتبات مالية للمدرّسين تفوق المرتبات الخاصة في “مديرية التربية” و”المجمع التربوي” بنسبة تقارب 50%، ويتقاضى المعلم العامل ضمن ملاكها ما يتراوح بين 150 دولاراً و225 دولاراً بحسب كل منظمة.
“وتضيف تلك المنظمات مثل بنيان وإحسان وخطوات، ومنظمات people in need و Syria relief إضافات مهمة على السلك التعليمي تساهم في رفع المستوى التربوي لدى الطالب، فلم يعد الأمر يقتصر على المواد النظرية والعملية، بل قامت تلك المنظمات بإدراج قيم ومهارات وأنشطة مختلفة، وكل ذلك كان غائباً ضمن العملية التعليمية أيام نظام الأسد” بحسب محمد محمد وهو مسؤول المهارات في إحدى مدارس مؤسسة “قبس” للتعليم والتابعة لمنظمة “بنيان”.
وطالب وزير التربية في “الحكومة السورية المؤقتة” عماد برق المنظمات المدنية خلال لقائه مع وسائل الإعلام بطباعة الكتب المدرسية في عموم مناطق الشمال السوري، والتي تقدر تكلفتها بنحو 3 ملايين دولار أمريكي، إذ تحتاج المنطقة قرابة 5 ملايين كتاب مدرسي.
من جانبه، أوضح مجيب خطاب أن “السبب الأول والأخير لنقص الكتب ناجم عن غياب الدعم وتوقفه من قبل منظمة قطر الخيرية ولأسباب مجهولة”، وأردف أن “علاقة مديرية التربية بالمنظمات هي علاقة تشاركية وتعمل المديرية على التشبيك مع جميع القطاعات لتقديم أجود الخدمات التعليمية للطلاب.

التعليم في مناطق سيطرة النظام السوري
يتذمر الكثير من الأهالي في أحياء مدينة حلب الخاضعة لسيطرة نظام الأسد بسبب تراجع العملية التعليمية فيها، خاصة المرحلتين الابتدائية والاعدادية. وكان النظام سابقاً لا يقوم بتعيين أي مدرّس في منطقته، ويتعمد إبعاد مكان خدمته مسافة 15 كيلو متراً عن مكان سكنه “بغية تبادل الخبرات” حسب زعمه، الأمر الذي أدى إلى خلل كبير مثل تعيين المدرّسين من أبناء مناطق طرطوس واللاذقية في مدينة حلب، في ظل عدم قدرتهم على الدوام وتسوية أوضاعهم عن طريق “الواسطة”، بالإضافة إلى وجود أكثر من 700 معلم ليسوا على رأس عملهم ويقبضون مستحقاتهم المالية.
تقول إحدى المعلمات (طلبت عدم ذكر اسمها لأسباب أمنية): “شح كبير في الراتب الذي لا يكفي مصروف فرد واحد، إذ يبلغ راتب المدرّس في بداية تعيينه 25 ألف ل.س وأحياناً أقل، وتأتي الترفيعات بقيمة ثلاثة آلاف ليرة كل سنتين أو ثلاثة ليصبح أفضل راتب هو 35 ألف ليرة لمن كان لديه 15 سنة خدمة في السلك التعليمي، أما بالنسبة للقادمين من مناطق المعارضة فيأتون كل أربعة أشهر لقبض مستحقاتهم المالية بسبب عدم قدرتهم على ذلك كل شهر حيث تبلغ أجور الطرقات 32 ألف ل.س للرحلة الواحدة، كما قام النظام بفصل 70% من هؤلاء بحجة دعم الإرهاب والانتماء للجيش الحر”.
رغم كل ظروف المناطق الخارجة عن سيطرة قوات الأسد إلا أن سير العملية التعليمية فيها أفضل بكثير من مناطق النظام، وهي في طريقها نحو التطور شيئا فشيئاً، بانتظار ظروف أفضل بعد ضياع مستقبل أجيال بأكملها داخل وخارج سوريا، وبفعل مسؤول أول وأساسي عن كل ما لحق ويلحق بها.