تفرض الحرب التي تعيشها محافظة إدلب إلى جانب الغزارة السكانية فيها، ضرورة الاهتمام بشكل أكبر بالواقع الصحي من قبل المنظمات الإنسانية، إذ تقف المشافي والنقاط الطبية الموجودة في المحافظة في كثير من الأحيان عاجزة أمام الحالات الطارئة التي تصلها في أوقات القصف، مما يدفع الكوادر الطبية إلى تحويل تلك الحالات إلى تركيا بشكل مباشر. من ناحية أخرى، يصعب تأمين الخدمات الطبية لبعض الأمراض المستعصية، الأمر الذي يجعل إرسال المرضى إلى تركيا أيضاً حاجة ملحة.

القطاع الصحي في إدلب
ضعف الإمكانات الطبية في إدلب وافتقار المحافظة إلى الكثير من أنواع وأشكال العلاج الطبي دفع بالكثيرين إلى محاولة الدخول إلى تركيا رغم الصعوبات. ويرى الدكتور أسامة الشامي وهو طبيب جراح في مشافي جبل الزاوية أن “الواقع الصحي في المحافظة يتأثر بشكل كبير بالطاقات البشرية الموجودة ضمن هذا القطاع، إلى جانب ضعف الإمكانات المادية وقلة الأجهزة النوعية التي تفتقر إليها المنشآت الصحية بسبب ارتفاع أسعارها وضعف القدرة على شراء تلك الأجهزة، وعدم توفر التيار الكهربائي اللازم لتشغيلها بشكل مستمر وغياب المناطق الآمنة الضرورية لوضع هذه الأجهزة بها”. وأضاف “الشامي”: “تسعى الكوادر الطبية الموجودة في المنطقة إلى تقديم خدماتها فيما يخص الإصابات والرضوض بالإضافة إلى العمليات الجراحية، وتقدم الخدمات المتاحة لعدد كبير نسبياً من المرضى قياساً بعدد المنشآت الطبية وعدد الكوادر الموجود فيها، لكن لا يمكن لتلك المؤسسات بحال من الأحوال أن تستوعب أعداد الإصابات الكبيرة أثناء القصف، سيما وأن قوات الأسد تستهدف التجمعات السكنية بهدف تحقيق أكبر عدد من الإصابات بغض النظر عن جنس المصاب أو عمره، كما أن حالة التهجير التي عاشتها عدة مناطق سورية ضاعفت أعداد السكان بشكل كبير، الأمر الذي يفرض ضرورة إيجاد منشآت طبية تستطيع أن تجاري بخدماتها هذا الازدياد الكبير في عدد السكان”.

المرضى والإصابات على معبر باب الهوى
يعمل المكتب الطبي المتواجد في “باب الهوى” على إدخال الحالات الطبية الصعبة إلى تركيا، عبر تنظيم دور يسمح بدخول أعداد محددة كل يوم من الجانب السوري إلى الجانب التركي. وعن الحالات التي يسمح لها بالدخول إلى تركيا يتحدث المدير الإعلامي لـ “معبر باب الهوى” مازن علوش قائلاً: “تسمح تركيا بدخول الحالات الإسعافية المستعجلة أو التي تهدد صاحبها بالموت خلال 24 ساعة، بالإضافة إلى حالات الرضع والحضانة والعنايات المشددة غير المتوفرة في المحرر، والحالات الباردة التي تشمل أمراض القلب والسرطانات بشكل عام، وأيضاً الحالات التي لا تجد علاجاً لها في المناطق المحررة ومن الممكن أن تسبب حالة إعاقة للمريض”. ويتابع: “تدخل الحالات الإسعافية بشكل مباشر بعكس الحالات الباردة التي تحتاج إلى تسجيل الحالة في عيادات باب الهوى لتأخذ دورها بشكل رسمي، وتتراوح مدة الانتظار في الدور من يوم واحد إلى شهر بحسب تقدير الحالة من قبل اللجنة الطبية، حيث يعمل الطبيب المختص على تحديد الفترة الزمنية التي ينبغي أن يدخل المريض خلالها إلى تركيا، ويعمل الجانب التركي على تحديد المرضى المسموح لهم الدخول إلى الأراضي التركية وعددهم”. من جانبه يؤكد أسامة الشامي أن “عدد المرضى المسموح لهم بالدخول إلى تركيا قليل جداً مقارنة مع عدد الحالات التي تحتاج لعلاج نوعي، مثل مرضى الأورام الخبيثة والإصابات البالغة والحالات التي تحتاج معدات خاصة لعلاجها. وحل تلك المشكلة يكون إما بمضاعفة أعداد المسموح لهم بالدخول إلى تركيا أو بإنشاء مؤسسات طبية أكبر وتحتوي أجهزة طبية نوعية”.

تركيا تمنع دخول المرافقين
مرضى كثيرون نجحوا في العبور إلى الجانب التركي لتأمين فرصة أفضل بالعلاج، بعد معاناة طويلة في مشافي المحافظة من دون الحصول على النتيجة المطلوبة، “ويعمل الجانب التركي على تحديد الحالات التي يسمح لها بمرافقة المريض” بحسب مازن علوش الذي يوضح أيضاً أن “في الحالات الاسعافية يسمح للمرضى تحت سن 18 عاماً باصطحاب الأم بينما يسمح للنساء بدخول الأم أو الأخت مع المريضة، أما في الحالات الباردة فيدخل مع الطفل والده أو والدته كما يسمح بدخول المرافق مع حالات العجز أو المرضى الكبار في السن شريطة أن يكون قريباً من الدرجة الأولى”.

لكن، ثمة حالات أخرى هي بحاجة ماسة أيضاً إلى وجود مرافق معها ولا يتم السماح لها بذلك، ، كما هو حال عبد الحميد الشحنة وهو أحد المرضى الموجودين في تركيا لاستكمال علاج ساقه التي تعرضت لكسر نتيجة حادث سير، ولم يتمكن من علاجها في المناطق المحررة رغم مرور سنة ونصف على الحادث. يقول الشحنة: “لم تكن رحلة العلاج معقدة، وتمكنت من الدخول إلى تركيا بعد أن قمت بعدة إجراءات بدأت بتسجيل الدور لدى العيادات الخارجية التي تمنحك موعداً لمقابلة اللجنة الطبية بعد عدة أيام، مع ضرورة اصطحاب كل الثبوتيات والتحاليل الطبية الخاصة بالحالة. وبعد مقابلة اللجنة الطبية يطلب إعادة تصوير الحالة في باب الهوى، ويعمل الطبيب على فحص الحالة مجدداً، واقد عتبرت حالتي من الحالات الواجب إدخالها إلى تركيا، وتم منحي رقماً محدداَ أستطيع أن أعرف من خلاله إن كان قد تم قبول حالتي أو لا، عبر إدخاله في موقع الكتروني خاص بهذا الأمر”. ويتابع: “تم تحديد موعد أولي للسفر مع ضرورة مراجعة لجنة أخرى قبل السفر لتسجيل تقييم آخر للحالة، ثم ثُبت موعد السفر ومنحت ورقة السماح بعبور الحدود، ودخلت الأراضي التركية في سيارة إسعاف لكن تم رفض دخول أي مرافق معي” مبيناً “بعد عبور الجانب السوري ينبغي على المريض الانتظار في صالة قرب المعبر التركي، حتى يأتي طبيب تركي ويعيد فحص الحالات الطبية ومن خلال هذا الفحص يتم الدخول بشكل نهائي أو ترفض الحالة وتعود للأراضي السورية، ثم ينقل من تم قبولهم إلى مشفى استقبال في مدينة الريحانية”. قيس أبو حمود شاب من كفرنبل أدخل طفله إلى تركيا لإجراء عملية زراعة الكبد، ولم يتمكن من اصطحاب والدة الطفل معه إلى تركيا، مما حمله أعباء يعجز عن تحملها. يقول أبو حمود: “فترة العلاج التي يحتاجها هذا النوع من العمليات طويلة ولا يمكن أن أقوم بمفردي بأعباء الطفل، ولو كانت والدة الطفل معي لكان الأمر أكثر سهولة” مضيفاً “سأتبرع بالكبد لابني لإجراء العملية، ولا أتخيل كيف سأتمكن من رعايته بعد إجراء العملية، فنحن الاثنان سنكون بحكم المرضى ونحتاج مرافقاً لرعاية شؤوننا”. وعن المتاعب التي يعاني منها المريض الذي تمكن من الدخول لتركيا يقول أبو حمود: “استغرق طريق السفر أكثر من 16 ساعة بسبب صعوبة الإجراءات والفحوصات، وهي فترة ليست سهلة على مريض خصوصاً إن كان طفلاً، ولم تنته تلك الإجراءات حتى اللحظة رغم مرور أكثر من أسبوع على وصولي، كما أنني أتمكن حتى الآن من تسجيل حالة طفلي في المشفى وأنتظر الحصول على دور لدى الطبيبة التي تم تحويل حالة ابني إليها على الرغم من أن حالة طفلي اسعافية ولا تحتمل التأجيل”.

حالات تم رفضها
يقف العدد المسموح فيه بالدخول حائلاً أمام دخول الكثير من المرضى والمحتاجين إلى استكمال علاجهم داخل تركيا، ومن هؤلاء عبد الرحمن العيسى من بلدة الهبيط الذي يعاني من مرض في القلب ويتعرض في أحيان كثيرة للإغماء في الحالات التي يتأخر فيها عن موعد تناول دوائه، ناهيك عن تسرع ضربات القلب ما قد يهدد حياته، وهو بحاجة ماسة وفورية إلى إجراء عمل جراحي إلا أن تكلفة العملية في المشافي الخاصة تتجاوز 30 ألف دولار. يقول العيسى: “أنا عاجز تماماً عن تأمين هذا المبلغ وخلاصي الوحيد يكمن في الدخول إلى تركيا، وقد تقدمت بأوراقي إلى العيادات الخاصة في باب الهوى وأجريت الفحوصات اللازمة ومُنحتُ موعداُ للدخول، لكن عند وصولي إلى الجانب التركي تم رفض دخولي مع عدد من المرضى من قبل الطبيب التركي بذريعة أن حالتي باردة، وإذا ماكنت ع حافة الموت ممنوع تدخل، كما قالوا لي”. ويردف: “الإجراءات من قبل الجانب السوري كانت جيدة والعرقلة كانت من قبل الجانب التركي، حيث لم يقم الطبيب بفحصي أبداً، واكتفى بالنظر إلي نظرة واحدة ورفض إدخالي لمجرد كوني أستطيع المشي، مع العلم إني أعاني من انغلاق في الصمام الأبهر وتضيق في الصمام التاجي”.

بلغ عدد المرضى الذين تمكنوا من الدخول إلى تركيا خلال شهر كانون الثاني 2019 قرابة الألف مريض توزعوا على 341 حالة اسعافية، و625 “حالة باردة” بحسب إحصائية صادرة عن المعبر، وعلى الرغم من ذلك تستمر معاناة سكان المحافظة على هذا الصعيد، بين ازدحام المنتظرين على معبر باب الهوى والمتنقلين بين المشافي المحلية في إدلب بحثاً عن علاج.

*فريق بوابة إدلب