وفر مرور نهر العاصي في المنطقة واتساع رقعة السهول الخضراء وتنوع المحاصيل الشتوية والصيفية في سهل الغاب بريف حماة الغربي، بيئة مثالية لتربية الجاموس، حتى باتت قطعان الجواميس المنتشرة في السهل وبركه المائية تلفت انتباه كل من يقصد الغاب زائراً أو ماراً.
لكن السنوات الأخيرة فرضت على المنطقة ظروفاً، أدت إلى تراجع أعداد الجواميس نتيجة صعوبات عدة واجهت المربين.

صعوبات تربية الجاموس بعد ٢٠١١
الجاموس من الحيوانات التي تتم تربيتها في منطقة سهل الغاب منذ أكثر من 800 عام، وقد استقدمه أبناء المنطقة للاستفادة منه في أعمال الزراعة والحراثة وبهدف الحصول على مشتقات الحليب كالألبان والأجبان، وكذلك لحمه الأحمر، وكان يُربى في قرى الكريم والشريعة والتوينة، وأيضاً في شقة الألمان التي كانت قطعانه ترعى على ضفتيها.
وقال محمود الجحم وهو مربي جواميس من قرية الشريعة في حديث إلى “بوابة سوريا”: “سيطرة قوات الأسد على قرية الكريم أوجدت صعوبات لم يعد بالإمكان تجاوزها، منها استهداف قطعان الجاموس من قبل بعض أهالي القرى الموالية للأسد، إذ تفصل شقة الألمان بين القرى الموالية للأسد والقرى المعارضة له، فانحصرت تربيته اليوم على قريتي التوينة والشريعة وبأعداد لاتتجاوز 80 رأساً”.
كلام الجحم أكده رئيس “المجلس المحلي لقرية الكريم” فراس علوش الذي قال: “قرية الكريم في ريف حماه الغربي محتلة منذ حوالي أربع سنوات، وهي مشهورة بتربية الجاموس وكانت تضم أكثر من 350 رأسا،ً لكن ومع انطلاق الأحداث تراجعت نسبة تربيته بشكل كبير بسبب عمليات القصف والتهجير والنزوح نتيجة الاقتحامات المتكررة من قبل الجيش، إلى أن تم تهجير سكان القرية”.
وكان لقرار تجفيف الغاب ورسم خارطة جديدة لطبيعته في ستينات القرن الماضي أثر سلبي على عدد رؤوس الجاموس، وخلال السنوات الأخيرة وما شهدته من انقسام سكان المنطقة، انحسرت تربيته وتحول من قطعان إلى بضع رؤوس متناثرة في بيئة لم يعتد عليها.
وأوضح المهندس الزراعي محمد عنيزان أن “عدد رؤوس الجواميس لا يتجاوز اليوم 60 أو 70 رأساً، حيث اضطر بعض المربين إلى بيع جزء منها لتخفيف أعباء النزوح عليهم، في الوقت الذي انخفض فيه مستوى الحالة المعيشية للمواطن، بالإضافة إلى انحسار أسواق تصريف المنتجات حيث تأثرت بالحراك وتداعياته، وانقطعت شبكات الطرق الموصلة للمدن الرئيسية التي تعرف باستيعابها لمثل هذه المنتجات”.
وتابع: “يتغذى الجاموس صيفاً على بقايا المحاصيل وهو ما كان يتيح للفلاح توفير العلف، إلا أن ذلك لم يعد ممكناً اليوم مع دخول قوات الأسد إلى الكريم وخروج المربين منها إلى الشريعة والتوينة حيث يتركز 90% من القطيع في هاتين القريتين”.
من جانبه قال علوش: “كانت هناك إمكانية للتنقل ووفرة في المراعي قبل الحرب، لكن النزوح والتهجير والبحث عن مأمن جعل من الصعب العناية بالجواميس، خصوصاً أن معظم البيوت بيوت بالإيجار، وقد قتل قسم كبير من الجواميس بسبب القذائف وأثناء النزوح، وقسم آخر بقي في القرية بعد دخول الجيش إليها”.
بدوره، تحدث أبو هيثم وهو مربي جواميس من قرية الكريم عن حال قطيعه قائلاً: “كان من السهل جداً تربية الجاموس، ولم أكن أعلم أنني سأحمل يوماً هم عدد الرؤوس وإطعامها، فقبل ٢٠١١ كان عندي 50 جاموسة قتل منها الكثير بفعل القصف المتكرر على القرية من قبل النظام كما أنني اضطررت لبيع 10 رؤوس بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والنزوح والتهجير وانحسار المراعي وصعوبة الوصول والبقاء فيها لأوقات طويلة. ثم نزحت إلى قرية التوينة المجاورة وأملك اليوم رأسين اثنين فقط لتوفير الحليب لعائلتي، وسأبيعهما بسبب غلاء العلف والأدوية وانقطاع اللقاحات في ظل وجود أمراض ناتجة عن رائحة البارود أثناء القصف”.
إلى ذلك، “يعمد بعض سكان القرى الموالية إلى تكبيد المعارضين خسائر عديدة ومنعهم من زراعة الأرض وحصاد محصولها، بالإضافة إلى خطف بعض رؤوس الجواميس وإعادتها إلى أهلها مقابل دفع مبالغ مالية، وقد ساهم كل ذلك في تقليل الاهتمام بتربية الجاموس” بحسب الجحم.
وحول الحلول الممكنة، تواصل عدد من المهندسين الزراعيين في المنطقة مع منظمات وجهات وهيئات لإيصال الصوت والمشكلة إليها، “ولم نجد آذاناً صاغية من أحد” بحسب عنيزان الذي أكد على “ضرورة الاهتمام بهذا الموضوع بعد أن انحسرت المراعي والمزروعات الصيفية، إلى جانب التكلفة العالية التي يحتاجها المربون للاستمرار في تربية الجاموس”.
بين صعوبات التربية وانتشار الأمراض وقلة المراعي، تناقصت أعداد الجواميس في سهل الغاب الذي يعتبر المكان الأساسي لتواجدها في سوريا. وكان للحرب والعنف الذي مورس من قبل النظام دور كبير في التأثير على مفاصل عديدة في السهل، من بينها تربية الحيوانات عموماً، والجواميس خصوصاً، والتي بات وجودها مهدداً.

*فريق بوابة حماه

مصدر الصورة : https://www.alaraby.co.uk/entertainment/26cdd7d4-de50-4019-bf8e-4bc4d5a01c3d