الصفحة الرئيسية رأي وتحليل كيف بنى حافظ الأسد نظامه ”الأبدي”

كيف بنى حافظ الأسد نظامه ”الأبدي”


من نافل القول إنه لتفكيك أية منظومة ينبغي فهم تركيبها وأسرار بنائها. من النافل أيضاً أن النظام السائد في سوريا منذ نصف قرن تقريباً. قد تم تحليله ومحاولة معرفته مراراً وتكراراً في السابق. ما سيرد هنا هو رؤية ذاتية مختزلة لشخص يراجع نفسه وما حوله، لعله ينفع نفسه ومن حوله!
جاء حافظ الأسد ليبقى. بل وليورث ملكه من بعده أيضاً. لقد فهم بعمق عوامل النظام الدولي في زمن الحرب الباردة. وآلياته في الشرق الأوسط خصوصاً. من ذلك مفعول مفهوم” الاستقرار” وأفضلية الأنظمة الأبدية. وفضائل المحور الناشئ بعد الحرب الكونية الأخيرة” المصري- السعودي- السوري”. وحدود اللعب على هامش أمن إسرائيل. وأمن تدفق نفط المنطقة ومساراته الاستراتيجية.
تطابقت مصلحته مع مصلحة النظام الدولي ذاك. فابتدأ مبكراً لتهيئة مقدمات نظامه. ثم انكب على تصنيع وبناء مرتكزاتها المختلفة. من دون أن ينسى للحظة متابعة التناغم مع تلك العوامل الخارجية المشار إليها. وتصميمه القوي على توليف بناء نظامه ذاك. مع حلّ عقدة حالة الحرب مع إسرائيل.
احتاج في البداية إلى أشهر ثلاثة حاسمة وضع فيها في رئاسة البلاد شخصاً لا يتذكر اسمه السوريون كثيراً. حتى يتدبر أمر العقدة الأصعب: انتماءه الطائفي. ولم يتوقف عن تذليل صعوباتها حتى بعد استلامه للرئاسة رسمياً.، على مراحل لن أتوسع فيها هاهنا. وبعد أن ساعده صديقه الأمين مصطفى طلاس. الذي أبدع لقب “ قائد المسيرة” في عنوان افتتاحية في صحيفة البعث آنذاك. ليمهد طريقه إلى سلطات غير محدودة. لها عنوان” ثوري”.
كانت تلك ثلاثة أشهر في البدء. ثم احتاج إلى ثلاث سنوات لبناء نظامه القوي- الهجين في وقت واحد. كان نظام استبداد وديكتاتورية لأن سيده فرد مطلق الهيمنة. نظام تسلطي في جوهره وحقيقته. كان من الضروري أن يكتسي بلبوس نظام شمولي يجري استيراد مظاهره. مع تأهيل كل العوامل الداخلية بتفريغها وترويضها وتشتيت قواها معاً.
أراد حافظ الأسد أن يؤسس شرعية كبيرة المبنى. ضئيلة المعنى القائم على مشروعه الشخصي. فأصدر أول ما أصدر مرسوماً بتشكيل” مجلس الشعب” على هواه وبصلاحياته كرئيس بقوة الأمر الواقع. ثم أصدر في أيار ١٩٧١ قانون الإدارة المحلية الذي جرت على أساسه انتخابات في أوائل تموز .١٩٧٢كما تابع” مجلس الشعب” ذاك إصدار مشروع الدستور الدائم- أيضاً على قياس حافظ الأسد بقوننة صلاحياته المطلقة- وأُقرّ باستفتاء في ١٢/٣/١٩٧٣. مع تثبيت رئاسة الأسد في الوقت نفسه.
تلك الشرعية الزائفة نفسها كان يمكن اختراقها- كما حدث في انتخابات الإدارة المحلية الأولى في بعض المحافظات- قبل تبلور بنية شمولية كافية لوضع الدولة في جيب النظام. وأول ما فعل من أجل ذلك أنه استعاد بالإغراء عدة مئات من منتسبي البعث الذين كانوا بمعظمهم ضدة قبل انقلابه. وفتح بعدها أبواب الحزب مع إشاعة مفهوم ارتباط عضوية الحزب بالمنفعة. ليصبح عدد أعضائه مئات الآلاف بعد فترة وجيزة. وليصل إلى ما يقارب المليون والنصف في أواخر التسعينات. وكان ذلك مرافقاً ومرتبطاً بالمادة الثامنة من ذلك الدستور، التي تضع حزب البعث في قيادة المجتمع والدولة. جميعاً. الدولة ذاتها التي تكلم موسوليني قديماً عنها وعن الدولة الشمولية التي يكون” كل شيء فيها. ولا شيء خارجها”!
وقد حقق نظام الأسد ذلك عن طريق الحزب المُعَمٌم والمنظمات الشعبية والنقابات التي لا تترك ثغرة فارغة. ما عدا النقابات المهنية التي كان بعض حريتها منسجماً مع استرضائه لنخبة المدن الكبرى يوم انقلابه. ثم جاء دورها بعد انتفاضها في عام ١٩٨٠ لتنضم إلى هيكلية المنظمات الشعبية السابقة الذكر.
وعلى النسق ذاته كان تأسيس” الجبهة الوطنية التقدمية” من القوى السياسية التي كانت موجودة. من خلال الترغيب والترهيب. وباستخدام سلاح شقها أيضاً حين لزم الأمر. فأصبحت تلك الجبهة غرفة من غرف النظام. يستخدمها للتجميل واكتساب شرعية على نمط ونموذج بعض” منظومة الدول الاشتراكية” القديمة.
ذلك كله في الشكل. في العمق. كان الأسد في تلك السنوات الثلاث الأولى يبني دولته الأمنية الخاصة. بتوسيع الأجهزة وزيادة عددها وعديدها وتنظيم شؤونها. من حيث عدم تعارض ميادينها. وأيضاً من خلال الحفاظ على بعض التنافسية بينها. الأمر الذي يبقيه ممسكاً بخيوطها بقوة وإحكام لا يتزعزع. في تلك السنوات. تأسس الغول الهائل الحجم والقوة. الذي يمسك بكل المفاصل السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويتحكم مباشرة بكل شي. كان ذلك الطابق فوق طابق الحزب والجبهة والمنظمات الشعبية كلها. غولاًاً مرعباً ملازماً لكل حركة ونأمة.بصلاحيات واسعة مفتوحة وبرخصة للقتل- حين يلزم الأمر- من دون مساءلة ولا سؤال.
في العمق أيضاً. كان الأسد يبني جيشه. وفي الحقيقة أنه ابتدأ ذلك قبل انقلابه بعامين. بتعاون مع الاتحاد السوفييتي أقرب إلى أن يكون إشرافاً. تحت اسم الاستشارة والتدريب والتنظيم والتسليح. فما كان لواءاً في السابق أصبح فرقة. وتضاعفت الأعداد. وتم تدريب الضباط وصف الضباط محلياً وفي الاتحاد السوفييتي نفسه. وأدخل العلم بشكل جدي مع دخول الأسلحة الجديدة من طائرات ومدرعات ودفاع جوى وقدرات لوجستية أفضل. كل ذلك تحت عنوان الاستعداد من أجل” إزالة آثار العدوان”. الذي لن يتأثر لو كان مضمونه الأكثر عمقاً هو بناء عسكري مساند لشمولية الدولة وتسلط النظام. كافٍ لإرهاب كل من قد يفكر- حتى في سره- بتحدي الحكم وقائده المطلق. هنا كانت الثنائية الجدلية للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية- مع ما هو معروف من التركيبة العائلية الطائفية للممسكين بها- ضامناً عملاقاً لاستمرارية” الاستقرار” وأبديته.
لكن المهمة المباشرة لإعادة تشكيل وتنظيم وتسليح الجيش وتطويره كانت شيئاً آخر. ضرورياً أيضا. ويكمل الجاهزية واكتمال الخطط. كانت كما أشرنا.” إزالة آثار العدوان” الذي حصل في عام ١٩٦٧. والتأسيس لمعادلة جديدة مع إسرائيل. تحولها من مصدر للأخطار غير المتوقعة. إلى عامل تأكيد وضمان لقوة النظام واستمراريته واستقراره.
أتاح ذلك التوجه تعزيز الصبغة العروبية للنظام وحافظه. وكان على خطين معاً: أولهما الالتقاء مع مصر السادات للتعاون على إسرائيل. وثانيهما التوافق مع الدول العربية الأخرى لضمان الدعم العسكري عند الحاجة إليه. والدعم المالي أيضاً. وهو هدف استراتيجي لا يقل أهمية عن الأول. بل ربما يفوقه.
كان نجاحاً باهراً من الناحية العسكرية ذلك الذي تحقق في الأيام الأولى . فعبر الجيش المصري قناة السويس وخط بارليف واخترق صحراء سيناء لمسافة عشرين كيلومتراً. . ثم توقف قبل المضائق. فيما اعتبرته الدعاية البعثية سريعاً بمثابة الخيانة للاتفاقات. وفي الوقت نفسه توغل الجيش السوري داخل هضبة الجولان ووصل إلى الحولة وبحيرة طبرية. إلا أن الأمور انقلبت نسبياً فيما بعد. وحقق الإسرائيليون اختراقاً هاماً فيما سمي” ثغرة الدفرسوار” على الجبهة المصرية وراء قناة السويس. وكادوا يحاصرون الجيش المصري الثالث ومدينة الإسماعيلية. وكذلك قام الإسرائيليون أيضاً باختراق هام على جبهة الجولان الشمالية. ووصلوا إلى حدود بلدة سعسع على بعد عشرين كيلومتر فقط من حدود دمشق. اتفق الأمريكان والسوفييتي وصدر قرار بوقف إطلاق النار عن مجلس الأمن. بعد أن اكتملت اللوحة. وخرج الجميع مسرورين.
كنت في آخر دراستي الجامعية يوم الحرب. وانخرطنا بسرعة- نحن الطلاب المعارضين- في نقاشات ساخنة حول جدية الحرب ووطنيتها وموقفنا. ثم واجهنا الحقيقة المزدوجة للموضوع. وواجبنا. وخرجت مع مجموعة من رفاقي في الحزب إلى دورة مكثفة على استخدام الآربي جي للمساهمة في وقف المدرعات الإسرائيلية إذا وصلت إلى العاصمة. وأذكر خيبتنا حين سمعنا بوقف إطلاق النار.وغضب رفيقنا عبد الرزاق عزالدين الذي- الذي كان ينتظر العودة إلى قريته” كفر حارب”- فأخذ يطلق النار في الهواء وعلى الأشجار المحيطة بنا… في منطقة عين الصاحب شمال دمشق. في معسكر لحركة فتح الفلسطينية!.
واحتدم الصراع بعد ذلك بين الجبهتين. مكشوفاً في خيمة على الكيلومتر ١٠١ شرق قناة السويس. ومستورا في محادثات حميمية وطويلة ما بين حافظ الأسد ووزير الخارجية الأمريكية كيسنجر. الذي فهم الأول كما لم يفهمه أحد!.. تم التوصل إلى اتفاق تفصيلي لفك الاشتباك. كان تحقيقاً لاستقرار تلك الجبهة وصمت مدافعها” إلى الأبد” الذي كان هوى وطموح الأسد. ومنذ توقيع ذلك الاتفاق منذ خمسة وأربعين عاماً. ما زال النظام السوري موضع تقدير واحترام الإسرائيليين. بل وتفضيلهم له على أي نظام عربي آخر!
فاكتملت بذلك عملية” بناء سورية الحديثة” كما رآها وتخيلها الأسد.
سوريا تلك. كان من الطبيعي أن يحدث فيها ما حدث. يوم ثار شعبها وقال إنه” يريد إسقاط النظام”!


*كاتب وسياسي سوري معارض