**الجزء الثالث والأخير من شهادة طبيب من مدينة عفرين، عن اعتقاله في سجون إحدى فصائل المعارضة السورية.

من يقرأ الرسالة مراعياً وقتها وتاريخها، يعلم أن الدافع لكتابتها لم يكن سوى إحساس أحد أبناء عفرين المهاجرين في بلدان العالم بالقهر والعجز تجاه مدينته. المترجم الكردي الذي كان برفقة المحقق أخبره أن مرسل الرسالة “ملحد” بعد التقصي عنه عبر صفحته على “فايسبوك”. وأنا الآن أُستجوَب لأن صديقي “الملحد” كفر بالله برسالة قبيل دخول الفصائل إلى عفرين بعدة أيام، ولما لم أنهره عن الكفر وأطلب منه أن لا يضع الحزب ودول العالم والفصائل بكفة واحدة. تحدثت مع المترجم الكردي بالكردية كلغة أم، لغة هي الأقرب إلى قلبي، والأصدق تعبيراً حين أناجي الله أو أحاول قول ما يخطر في بالي دون أي تفكير. أتتني صفعة من أحدهم ظن أنني أتعمد التحدث باللغة الكردية لئلا يفهم ما أقوله، لكن المترجم الكردي أخبره أنني كنت أقول: “تعلم أننا عندما نقول كلمة بحق الله فليس المقصود بها الكفر لأننا كلنا عباده”. أخذ المحقق يتحدث معي وسيكارته بيده، طلب مني أن أدخن إن أردت… حدثني عن الإلحاد الذي يترسخ في عقول أعضاء حزب العمال وشبابه وذراعه في سوريا (الوحدات)، وأن الإلحاد ينافي طبيعة الإنسان، وأنه (أي المحقق) ليس داعشياً لكي يقتلني فوراً بتهمة الكفر، لكن لله قدسيته، وكان من واجبي نهر صديقي عن سب الله، وأنهم ليسوا بذات الخانة مع من شتمهم صديقي…

“إذن لماذا أنا هنا؟” قلت، صفعة قوية على رقبتي من أحدهم، كان يقف خلفي ولم أستطع رؤيته إذ لم يسمحوا لي بالنظر إليه. تذكرت أنني في سجن ولست في ندوة ثقافية لكي أناقش وأتبادل الأفكار والردود مع المحقق، الذي قال فجأة: “رجعوه للمهجع”.

صباح اليوم التالي، تراءى المهجع أكبر من حقيقته، مساجين كثر يتحدثون الكردية بين بعضهم البعض، آخرين يتحدثون العربية، طعام كثير، بعض وجوه أعرفها وأتبادل الحديث معها، لهفة غامرة برؤية شخص ما تعرفه جيداً وهو الآن معك داخل السجن.. كنت أفكر أن من سيئات الإنسان ربما أن يرتاح عندما يجد من يشاركه الوجع، تذكرت عندما كان يلح علي بعض المرضى بالسؤال عما إذا كان هناك أخرون مصابون بنفس مرضهم، ويرتاحون عندما أجيب بنعم!

رغم أفضلية هذا المهجع مقارنة بسجن المدجنة، إلا أنني لم أشعر بالراحة، كنت أتحسس بركاناً يغلي في قلبي. هي الأرض يا صديقي، عندما كنت في المدجنة كنت لا ازال أنام على أرض عفرين، وهنا لا أعرف على أي أرض أنام. تبادلت الحديث بحذر مع بعض المساجين، بعضهم من مقاتلي الوحدات وآخرون ليس لهم شأن بأي شيء، ومنهم من له أقرباء بين صفوف الوحدات أو ولد يقاتل مع الوحدات… أما أغرب تهمة سمعتها أنني وجدت سجناء ظهروا في الصور التي نشرها إعلام الوحدات أثناء كرنفال جثث مقاتلي الجيش الحر في صيف عام ٢٠١٥، كل من بصق ومن ضحك ومن صور الجثث وجدته داخل السجن، سألنا مقاتلي الوحدات داخل السجن لماذا فعلتم ما فعلتموه بجثث المقاتلين، هل انتصرت القضية الكردية بما فعلتموه؟! كانوا يجيبون أنها أوامر من القيادة وأن ما فعلوه كان تنفيذاً لتلك الأوامر.  لم أستطع التمييز بين دوافع من يكثر من شتم الوحدات وأوجلان، هل يفعل لحماية نفسه من التعذيب أم أنها صدمة يعيشها أهالي عفرين بسبب عدم صمود الوحدات كما كانوا يظهرون لنا بالعروض عسكرية والكلام التعبوي وتخوين من يشكك بقدرتهم على التصدي لأي عمل عسكري بحق عفرين.  يتساءل السجناء، أين أموالنا التي كنا ندفعها للحزب عنوة تحت اسم “ضريبة لصالح تشييد خطوط الدفاع ضد العدو”، ذهب الحزب وذهبت الأموال معه، لو أنهم صمدوا بقدر المبالغ التي أخذوها منا! واليوم تطلب الفصائل منا المال نفسه ولكن بحجة تمويلنا للحزب. الحزب أخذ منا المال ليحمينا من الفصائل، واليوم الفصائل تأخذ منا المال لأن الحزب أخذ منا مالاً، لو نعرف أن الحزب سيتركنا ويمشي تاركاً خلفه من أخذ منهم المال، لوفرنا المال للفصائل. قد يدخل عفرين جسم عسكري آخر وربما سيأخذ منا مالاً لأن الحزب أخذ منا، ولأننا أعطينا الفصائل ضريبة، الضريبة التي كنا ندفعها للحزب، يأتي هذا الجسم ويأخذ منا ضريبة على كلتا الضريبتين!

أنا والطبيب نصل الآن إلى قرية صديقه، بحث بين المنازل التي شغلها سكان جدد عن منزل صديقه، وجد والدي صديقه في المنزل، تحدث معهما باللغة الكردية طويلاً وفتح تطبيق “واتساب” ليسجل لصديقه صوت والديه، التقط صوراً للمنزل ولأهل صديقه، لغرفته وللقرية، وأرسلها له. عدنا إلى مركز عفرين، طلب مني العودة إلى عفرين عن طريق ناحية شران للتأكد من موضوع سيخبرني به عند وصولنا. أخبرني أن أدوات التعذيب داخل السجن تراوحت بين الشَبح والسجن الانفرادي وصناعة المخبرين. على كل سجين تسجيل أسماء أشخاص عملوا مع الوحدات. “لم يضربوني للأمانة” قال وبقيت طيلة فترة سجني أعالج المساجين بعد جلسات التعذيب وكانت جلسات استجاوبي تقتصر على أسئلة لا قيمة لها، تتخللها بين وقت وآخر إهانة مبطنة لي. لم يجدوا ما يكتبونه عني إلا عبارة (كان يعالج مقاتلي الحزب)! إن كانت هذه تهمتي فلي الشرف أن أعالج الناس، لم يتركوا لي مجالاً لإخبارهم أنني ربما سأعالج مقاتليهم فهل يعتبر ذلك تهمة!؟

بصمت على أقوالي وتمت إعادتي إلى المهجع، الخوف داخل المهجع هائل، تتحسسه كالهواء بين الناس، ثمة كلام كثير مكبوت داخل صدور السجناء.  قال لي السجان أن علي أن أتهيأ للخروج فلم يجدوا علي شيئاً مهماً يحول دون خروجي من المعتقل. إن كانت التهمة الموجهة لي أنني طبيب كان قد عالج مقاتلين من الوحدات،  فلم المكوث طلية شهر ونصف الشهر داخل السجن؟ ما كتبوه ليس تهمة، وإن كان كذلك، فلا يتطلب الانتظار طيلة هذه الفترة، فعنوان العيادة مكتوب ومعروف. ذاكرتي عن السجن ليست جيدة بالطبع، كنت كلما خرجت لمعالجة سجين في مهجع آخر وعدت لمهجعي أرى العيون ترمقني حسداً لأنني تنشقت هواء نظيف. طلب مني السجان أن أخرج خلال نصف ساعة ليتم الإفراج عني، خفت من نظرات البعض التي ظننت أنها تتهمني أنني تحولت لعميل ولأجل ذلك تم إطلاق سراحي، أمسكني رجل مسن هو والد أحد مقاتلي الوحدات، أخبرني أن أبلغ أخاه أن يبيع ما يملك لإخراجه من السجن وطلب مني آخر ذات الطلب. خرجت وفي ذهني مبلغ قد يبني مدينة بأكملها في حال دفعه أهالي المعتقلين. دون أن يتم وضعي في صندوق السيارة، ركبت خلف السائق أتوسط مقاتلين اثنين، وضعوا “الطماشة” على عيني وأثناء الطريق كانوا يتبادلون الشكوى فيما بينهم عن عدم العدل في توزيع الغنائم.  وقفوا وسألوني إذا ما أردت شرب الشاي أو القهوة،  لم أطلب شيئاً، قالوا لي: “اطلب اطلب ياخي ع حسابك المحل كله ورايحين نوصلك لبيتك لا تخاف”. كررت جوابي بالرفض، فإن صدقوا أنني أخرج اليوم، فلن أشرب القهوة إلا مع زوجتي.  تحسست دخولي إلى عفرين، أيقنت ذلك وعادت إلي روحي، السير فوق سهول وجبال عفرين يعيد للروح جزءاً مما سلب منها، علمت أنني في طريق شران تجاه مدينة عفرين، فالمنعطف الذي يسبق منطقة شران بعدة كيلو مترات لا أستطيع نسيانه وأعرفه حتى ولو كنت مغمض العينين بإرداتي فكيف وأنا مجبر؟

أخبرني الطبيب أن حدسه لم يخنه، فذات المنعطف وذات المكان سارت به السيارة منذ عدة شهور.  دخل مدينة عفرين، يقول: علمت أنها عفرين.   لعفرين موسيقى خاصة بها وريح وأصوات سيارات خاصة بها، وحتى إن تغير جزء منها، إلا أنها ما زالت تحافظ على موسيقاها. أدخلوني منزلاً من منازل عفرين ، رفعوا الطماشة عن عيني، جلست في غرفة نظيفة، فيها العديد من الرجال، لم أسمع كلامهم ولم أعرف عم كانوا يتحدثون، جلست أمام أحدهم بعد أن طلب مني ذلك، كانت عيناي معصوبتين. وجدت علم حركة المجتمع الديمقراطي ما زال ملصقاً على الجدران، ربما لم ينتبهوا له وربما ظنوا أنه علم فريق رياضي!  سألني المتحدث عن لوحة لامرأة شبه عارية معلقة على الجدران، هل من الأخلاق تعليق مثل هذه اللوحة على الجدران؟ هل وجودها تليق بمنزل فيه أطفال؟ لم أفهمه، فهو يجلس في منزل ليس له بكل تأكيد، ولم يلفت انتباهه إلا تلك اللوحة! بقيت صامتاً، لمحت كيساً أسود على الطاولة الصغيرة، خمنت أن داخل الكيس مبلغ مالي.  بقيت عدة ساعات جالساً وكأن كلمة “اذهب إلى منزلك” ثقيلة على لسان من هم داخل الغرفة والذين تبدلوا عدة مرات.  طلب المسؤول من أحد العناصر إيصالي إلى منزلي.  عدت إلى منزلي، تبين أن زوجتي وأهلي كانوا قد دفعوا مبلغاً قدره ٢٠ ألف دولار أمريكي مقابل إطلاق سراحي بعد عدة مساوامات بينهم وبين شخص مجهول كان يفاوضهم إما على المنزل أو مبلغ مالي قدره ٥٠ ألف دولار وانتهوا إلى مبلغ قدره ٢٠ ألف دولار أمريكي.

في السابق، كانت لي رغبة بالمشي لأبعد نقطة لا أرى فيها الناس، أعشق المشي بين أشجار عفرين وجبالها، اليوم تحولت تلك المناطق التي كنت أعشقها إلى كابوس، لا أريد أن أمشي في مكان بعيد فاصطدم بسجن لأحد الفصائل وأعيد الكرة من اعترافات واعتقال ودفع أموال.

تعقيب لا بد منه

كتبت مسودة النص بعد أربعة أشهر من السيطرة على مدينة عفرين في آذار/ مارس عام ٢٠١٨، كنت حينها في صراع بيني وبين نفسي، وبيني وبين محيطي، أجلت تلك الصراعات نشر النص. كنت أقول في نفسي: لماذا توثق شهادة من شتموك بأمك وهددوك بالقتل لأنك تنتقد وتوثق انتهاكاتهم؟ أتخيل من يقول لي من الأصدقاء: هم لا يوثقون انتهاكاتهم، وهم أوضع من أن تذكر وتفضح انتهاكات الفصائل فكل ما يتم انتهاكه من قبل الفصائل لا يتعدى نسبة صغيرة مما يفعلونه لكن الفرق أنه هنا يوجد من يوثق وهناك توجد سلطة شمولية لا تسمح للإعلام أن ينشر إلا ما يريدون هم إنتاجه.. ظلت هذه الأسئلة تتصارع في رأسي وتحول دون نشر الشهادة حتى مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي وما حدث من استغلال لخبر مقتله لتمرير أجندات دولية. شعرت أن ما حدث إعلامياً بحق الخاشقجي كن اغتيالاً ثانياً له، فتشجعت على إعادة كتابة النص ومراجعة الشهادة مع صاحبها، ولأجل القضاء على ما يتصارع في مخيلتي لمنعي من النشر، قررت أنني أكتب لأجل من بعدنا، لأجل ألا يتم اختزال الانتهاكات واستخدامها سياسياً واللعب على وتر العاطفة للتجييش لصالح جهات أخرى، فيما الجهة التي تجيش لا تقل سوءاً عن الجهة التي تجيش ضدها… أكتب لأجل عدم تحويل الإعلام والصحافة لسلاح لا يختلف عن ذاك الذي يتم استخدامه في المعارك وتتحول مهنة الصحافة لأداة حربية لا أداة تجمع ما بين الناس وتوثق ما يجري وتكتفي بالتحريض لاستمرارية المعارك… أكتب لئلا يبحث المدني السوري عن ذاك الذي ينشر وجعه فيستغله طرف مسلح ما لتجنيده في حربه كما استخدم النظام السوري مثلاً مقاطع لانتهاكات داعش ليجند أهالي السويداء ضدها، لأجل حمايتهم أو تركهم لقمة سائغة لتنظيم داعش، ولئلا يستخدم داعش مقاطع قصف ومجازر التحالف لتجنيد الشباب لصالح معركته ووضعهم أمام خيار (إما أن تكونوا معنا أو ستلقون مصيراً كمصير من يظهر في هذه المقاطع)… أكتب لحماية روح الثورة السورية وعدم أدلجتها وتأطيرها لصالح جهة دون أخرى… أكتب لأجل الإنسان السوري.

*صحفي سوري