شهد القطاع الزراعي في مناطق حلب في الآونة الأخيرة عدة تغيرات انعكست آثارها سلباً على المزارع، بين ارتفاع وانخفاض في أسعار السلع والبضائع المنتجة. وشملت تلك التغيرات كافة المحاصيل، وبشكل خاص  محصول البطاطا بعد فترة شعر فيها مزارعوه بالأمل الكبير في تحسن السعر والإنتاج، إلا أن العوامل الجوية وعوامل أخرى لم تساعدهم على ذلك.

خسارة غير متوقعة
هطلت كميات كبيرة من مياه الأمطار هذا العام في عموم مناطق الشمال السوري، ما أدى إلى تخوف المزارع من غرق محصول البطاطا وتلفه وهو ما حصل بالفعل، حيث غرقت مساحات كبيرة مزروعة بالبطاطا في مختلف مناطق حلب.
ويقول المهندس علي مصطفى مدير قسم الزراعة في “مديرية الزراعة الحرة بمدينة مارع” شمال حلب في حديث إلى “بوابة سوريا”: “تقدر المساحة المتضررة من الهطولات المطرية الغزيرة في منطقة مارع لكافة المحاصيل في العروة الخريفية عام 2018 – 2019 بـ 2500 هكتار في منطقة البحيرة، وبلغت مساحة الأراضي المزروعة بمحصول البطاطا 25 هكتاراً تضررت كلها، وتعود ملكية الأراضي المتضررة المزروعة إلى 11 مزارعاً لم يستطيعوا جني محصولهم، وتقدر تكلفة الهكتار الواحد من البطاطا التي زرعت في العروة الخريفية بـ 2 مليون ل.س، أي ما يعادل 4 آلاف دولار أمريكي”.
وأضاف: “أدى ذلك إلى تأخير بذار محصول القمح الذي تتم زراعته بعد البطاطا الخريفية التي تسمى أيضاً بالتشرينية، وهو ما يؤثر على إنتاج القمح بنسبة 10% تقريباً” مبيناً بالقول أيضاً: “إذا استمر ركود المياه حتى بداية شهر نيسان القادم، فإن المزارع سيضطر إلى زراعة أرضه التي كانت مغمورة بالمياه بمحاصيل صيفية مثل القثاء والبطيخ والجبس والبامياء والذرة الصفراء، كتعويض له عن عدم زراعة القمح وعن غرق بعض الأراضي المزروعة، لتكون نسبة الخسارة  أقل نسبياً”.
من جانبه، قال مدير الزراعة في منطقة أخترين وريفها أحمد ابراهيم الحسن: “تبلغ نسبة المزروعات المروية التابعة لمديرية الزراعة في منطقة أخترين والقرى التابعة لها 20% من مجمل المساحة الكلية والبالغة 67000 هكتاراً، أي ما يعادل 13400 هكتاراً مروياً للعروتين الربيعية والخريفية، أما العروة الثانية فتشكل نسبة 80% من مجمل المروي، أي ما يعادل 10720 هكتاراً تزرع نسبة الربع منها بالخضروات وتبقى النسبة الباقية لمحصول البطاطا بعروتها الخريفية، وهكذا تصبح المساحة  المزروعة من البطاطا حوالي 8040 هكتاراً” مشيراً إلى أن نسبة التلف بلغت 40% من مجمل الإنتاج، خاصة الأصناف الأجنبية كالسينارجي وبرشلونة وإيرزونا، في حين لم تتجاوز نسبة الضرر 15% لأصناف البانيلا والأجريا، نتيجة تمكن المزارع من جني بعض المحصول.
وختم بالقول: “المصاريف باهظة الثمن، إذ يستهلك كل هكتار 4 طن من البذار بسعر 600 دولاراً، إضافة إلى استهلاكه 1 طن من السماد بكلفة 550 دولاراً وما يقارب 100 دولاراً للأدوية والأسمدة، أما عن مصاريف السقاية فيستهلك الهكتار الواحد 8 دفعات بكلفة 50 ألف ل.س لكل دفعة، وتتجاوز كلفة الأيدي العاملة في فترة الجني 120 ألف ل.س “.

معاناة على صعيد آخر
“يعتبر محصول البطاطا من النباتات التي تتكاثر بالدرنات، وعندما تغمر النبتة بالمياه لمدة 48 ساعة تتعفن الدرنات وتموت الأجزاء المسؤولة عن الإنبات. ويعمل المزارعون على تقسيم الحبة الواحدة إلى أكثر من قسم للتخفيف من تكلفة البذار باهظ الثمن عند الزراعة” بحسب أنس عارف أحد المزارعين.
معاناة أخرى يرويها موزع الأسمدة والأدوية مخلص أبو تيم بالقول “عانينا من تأخر المزارعين في جني محصول البطاطا بسبب العوامل الجوية، وذلك لتعاملنا مع الصيدليات والمراكز الزراعية عن طريق الدَين، فالمزارع لا يستطيع دفع كافة التكاليف وثمن الأسمدة الذوابة والأدوية دفعة واحدة، بل يلجأ إلى الدين، وعند جنيه المحصول يقوم بتسديد ما عليه من ديون للمركز، ويقوم صاحب المركز بدوره بتسديد ما عليه من التزامات لنا”.
يختلف الوضع في ريف حلب الغربي بحسب نائب المدير العام لــ “مؤسسة إكثار البذار” جمعة لولة الذي يقول: “بلغت خسارة المزارعين في العروة الربيعية عام 2018 حوالي 2000 دولاراً للهكتار الواحد، بسبب غلاء مستلزمات الإنتاج المختلفة بدءاً من البذار الذي تبلغ نسبة تكلفته 50% من تكاليف الإنتاج عموماً، مروراً بالمحروقات والأسمدة والمبيدات والعمالة والنقل، حيث بلغ متوسط تكلفة الهكتار الواحد 5000 دولاراً للمزارعين غرب حلب”.
وبسبب الأمطار الربيعية في أيار عام 2018، انتشر مرض “اللفحة المتأخرة” ما أدى إلى احتراق النباتات بشكل كامل ووبائي في بعض الحقول، وانخفض الإنتاج إلى النصف. “وبلغ متوسط إنتاج الهكتار الواحد لزراعة البطاطا في العروة الربيعية 20 طنا وبسعر وسطي 120 دولاراً للطن الواحد وبقيمة إجمالية للمبيع 2500 دولاراً، فتراوحت خسارة المزارع بين 2000 و 3000 دولاراً للهكتار الواحد، في ظل عدم وجود أسواق تصريف للمنتج خارج مناطق الزراعة في المناطق المحررة، سواء في تركيا أو في مناطق النظام السوري” بحسب لولة.
أما بالنسبة لزراعة المحصول في العروة الخريفية فقال لولة “تبلغ تكاليف الإنتاج للهكتار الواحد 3500 دولاراً، ويبلغ متوسط الإنتاج 35 طناً نظراً لعدم حدوث الصقيع في شهر أيار، ما أدى إلى نجاح محصول البطاطا الخريفية حيث بلغ ربح المزارع 5000 دولار في الهكتار الواحد، ومن العوامل التي أدت إلى ارتفاع الأسعار كثرة الأمطار هذا العام والتي حالت دون جني البطاطا من الأرض، حيث أن معظم المزارعين لم يستطعوا جني المحصول قبل 15 آذار، ما أدى إلى تلف جزء صغير من المحصول بسبب غمره المياه، لكن يعتبر الوضع جيداً بالمجمل وعوّض المزارع خسارته في العروة الربيعية”.
يعتبر العمل الزراعي في عموم مناطق حلب الخارجة عن سيطرة النظام السوري غير مجدٍ من الناحية المادية نتيجة ظروف عديدة تعيشها تلك المناطق، فجميع المزارعين تعرضوا للخسارة بسبب انخفاض سعر السوق المحلي أو عدم وجود أسواق تصريف للمنتج، ومنها ما يعود لظروف وعوامل جوية حيث يبيع المزارع محصوله بثمن أقل من سعر الكلفة أو بنفس القيمة بغض النظر عن التكلفة المادية والجهد الجسدي الذي يبذله.

*فريق بوابة حلب