الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء فروقات غير بسيطة

فروقات غير بسيطة

في أيلول/ سبتمبر 2016 شاهدت فيديو نشرته صفحة “The Syrian Campagin” على فايسبوك بعنوان “Syria is all bad news, right? wrong?”.
في الفيديو، يقوم شخص بإجراء مقابلات عشوائية في شوارع نيويورك، سائلاً الناس عمّا يظنونه حول سوريا، أو ما يخطر ببالهم عند سماعهم اسم سوريا. تراوحت الأجوبة بين (تفجير، حرب، لاجئين، داعش، ساحة معركة… ). تلا ذلك سؤال “ما الشيء الجيد الذي يحدث في سوريا؟” ولم تكن هناك إجابة. لا أحد متأكد، لا أحد يعرف. بعدها قام الفريق بعرض فيديو لرجال الخوذ البيضاء السوريين، فيديو يوضح من هم وماذا يفعلون. أبدت ردود الأفعال تأثراً كبيراً بشيء يعرفونه لأول مرة.
ذكرني ذلك بكل الأسئلة التي طرحت عليّ منذ دخولي أوروبا. أسئلة تنم عن جهل كبير بسوريا وكل الوضع هناك، من مثل “هل عندكم سيارات؟” مروراً بـ “هل عشت دون غطاء للرأس في سوريا أيضاً؟” وصولاً إلى “الوضع السياسي في سوريا”. فيما أتساءل: أوليس ما يحدث في سوريا من أهم الأحداث العالمية منذ عام 2011؟!
دفعني ذلك أيضاً إلى مقارنة لا بد لي منها، حدث قديم في عام 2008، إذ شاهدت فيديو لاقى انتشاراً مذهلاً، وبلغت السخرية والاستهزاء من “الجهل العربي” عبره قمتها!
كانت جهة ما قد قامت بإجراء مقابلات عشوائية في الشارع الأردني، وكانت المقابلات عبارة عن عدة أسئلة متعلقة بالثقافة العامة. أحد الأسئلة “من هو بيرلسكوني؟” الذي كان رئيس وزراء إيطاليا حينها، وكانت إحدى الإجابات إنه نوع إطارات. وسؤال “هل تعرف أمل دنقل؟” أو “ما هي حدود الجزيرة البرية؟” من خلال الأسئلة يبدو أنه كان مخططاً أن يتم استغباء الناس، فعلى سبيل المثال اسم (أمل) يطلق غالباً على الفتيات، وبالفعل البعض ظنوا أنه يتم سؤالهم عن مغنية ما. أما بالنسبة لحدود الجزيرة البرية، فمفاجأة شخص بأي سؤال مهما كان غير منطقي لكنه مطروح بطريقة جدية يعطيه انطباعاً أن عليه الإجابة، فيبدأ بمحاولة إيجاد إجابة.
ودليل غرض تلك المقابلات الاستهزائي هو سؤال الختام “من يغني آه ونص؟” والجميع يعرف الإجابة ببساطة. وينتهي الفيديو بعبارة “يقرأ الطفل العربي ما يقارب 6 دقائق سنوياً خارج المنهاج الدراسي”.
بالطبع انتشرت عدة مقالات تتغنى بأن شهرة نانسي عجرم (صاحبة الأغنية) تطغى على غسان كنفاني وبيرلسكوني و بـ “يا أمة ضحكت من جهلها الأمم”، وأن بيرلسكوني بوصفه عدواً يمكنه التجول في أراضينا بسلام لأن لا أحد يعرفه.
حسناً، أليست مقارنة جيدة الآن بين الحالة الأولى والثانية؟ أهم ما في الأمر أن الأولى كانت تثقيفية، وتهدف لتعريف الناس بأشخاص يقومون بعمل إنساني ضمن ظروف الحرب الخطيرة والمهلكة، أما الثانية فكان هدفها الاستهزاء. ولكن ماذا لو كان غير ذلك، ماذا لو أعطى السائل الإجابات الصحيحة، لو وزع بطاقات عليها صور للشخصيات المطروحة وتقديم بسيط لها؟ ربما كانت فائدة بسيطة طفت في الجو أو تم جره من قبل إحدى الأفرع الأمنية لقيامه بنشاط غير مرخص، وهو في الحقيقة نشاط غير قابل للترخيص، فالمعرفة أخطر تهديد للاستبداد الطاغي في المنطقة العربية.
في كلتا الحالتين، تجري المقابلة جهة عربية، لكن الفرق يكمن في الوعي والدولة الحاضنة. قد تكون المشكلة في كيفية تعاملنا كأبناء مجتمع واحد وكيفية تعاملنا مع الآخرين (الأجانب). انسحاقنا أمام الغرب قد يكون الدافع الأكبر لهذا الاحترام في التعامل معه، وفي المقابل خلل الثقة بالنفس الجمعي الذي يتطلب منا التسلق على ضعف الآخرين كي نتجاوزه هو ما يقود سلوكنا تجاه بعضنا. لكنّي لست بأفضل حال لأدخل في هذا التحليل النفسي للأمر، وإنما بأفضل حال لطرح الأسئلة، ليس على الآخرين بل على نفسي، ولأجلهم.
من أين تأتي المعرفة، وكيف تتشكل أصلاً الدوافع للبحث عنها؟ الفضول سبب مهم، لكنه في ظل الفقر والجوع رفاهية، فيما تبقى الحاجة هي أهم الأسباب. إذن ما الذي أحتاج لمعرفته بصفتي فلاحاً أو بائع خضار أو دهانا أو ميكانيكي سيارات أو معلّماً أو…؟ أول ما يخطر ببالي أني بحاجة لأعرف الطريق إلى الفرن. ما حاجتي لبيرلسكوني أو تاريخ الهنود الحمر؟ هذه الثقافة التي لا شك في أهميتها هي غير مفيدة للجوعى، الجوعى للأكل، لأساسيات الحياة وأساسيات العلم، غير مفيدة للفقراء، إن أهميتها تأتي في مستوى آخر من المعيشة.
الواجب استغرابه هو حين تعيش شعوب في مستوى الحياة الكريمة وتصل لرفاهية القراءة والثقافة والسفر حول العالم، لكنها تقبل أن تكون ضحية الإعلام وأن تكون مجرد متلقّ لا يفقه أبعد مما يتلقاه. هذا مستوى من الجهل الخطير الذي يخلق العنصرية والإسلاموفوبيا وغيرها، مستوى لا مبرر له، ناتج عن انتهاك حقوق الإنسان أو الاستبداد. في الحقيقة هو جهل لا مبرر يشفع له.
دائماً تدور تفاصيل مشابهة لما ذكرت تحرض ذاكرتي، لكن ما أعادني حقاً لكل هذا هو أنني نجحت بجدارة في شيء وتساءلت “لماذا ظننت دائماً أنّني لا أقدر؟”.