الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء في ذكرى استلام البعث للسلطة: الحاجة الماسة لمرجعية وطنية

في ذكرى استلام البعث للسلطة: الحاجة الماسة لمرجعية وطنية

بسام يوسف*

في 8 آذار (1963) قاد ضباط ينتسبون بمعظمهم إلى “حزب البعث العربي الاشتراكي” انقلابا عسكريا تمكنوا فيه من استلام الحكم في سوريا، ولا تزال سوريا منذ ذلك اليوم وحتى اللحظة تدفع ثمن ذلك الانقلاب.

بعيدا عن تفاصيل كثيرة يمكن إيرادها هنا، إلا أن ما يهمني هنا يذهب إلى الحديث عن وجه آخر من أوجه الشرعية التي تمنح حق السلطة أو الحكم لحزب أو لتحالف أو.. أو.. في مجتمع ما.

في أي دستور يتوافق عليه شعب ما في دولته، لابد من تحديد أسس يتم بموجبها اكتساب الشرعية التي تتيح ممارسة السلطة وإدارة الدولة. لكن ثمة وجه آخر للشرعية، وجه قد لا ينص عليه الدستور وتفرضه معطيات التاريخ، والجغرافيا أحيانا والثقافة والدين والأعراف، و..و.. هذا الوجه يكون أقرب ما يمكن توصيفه بضمير المجتمع، وهذا الضمير _إن جازت التسمية _ يستمد قوته من حضوره القوي في وعي وثقافة وقيم هذا الشعب.

عندما قام حافظ الأسد بانقلابه المشؤوم (1970) واستلم الحكم في سورية، لم يبال كثيرا بالشرعية التي ينص عليها الدستور السوري فهو أصلا قام بانقلابه على سلطة انقلابية لم تبال بالدستور. لكنه كان مدركا لأهمية الوجه الآخر للشرعية، الوجه الذي اسميته هنا (ضمير المجتمع)، ولأن هذا (الضمير) له مرجعياته الدينية والثقافية والتاريخية والسياسية والاقتصادية ؛ فقد عمل حافظ الأسد على تحطيم هذه المرجعيات واحدة بعد الأخرى وصولا إلى تحطيم هذا الضمير، وعمل جاهدا على تنصيب نفسه مرجعا وحيدا للشعب السوري.

منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة السورية استمات النظام -لأنه لا وجود لمرجعية دستورية حقيقية- لمنع قيام مرجعية وطنية ذات مصداقية، تكون مقنعة للسوريين ويثقون بها في تحقيق حلمهم بوطن حر كريم وعادل، لإدراكه أن تشكيل مرجعية كهذه سيكون الضربة الأقوى له، وهو الفاقد للشرعية ولمعيار الوطنية ولمصداقيتها.

 من أجل ذلك قام بقتل واعتقال وتهجير كل حملة المشروع الوطني الديمقراطي بمنتهى القسوة والوحشية، وعمل على تشويه الشخصيات الوطنية عبر اعلامه الكاذب وعبر الإعلام المأجور وحملات التشويه، وللأسف كانت المعارضة أحد أهم أدواته في حربه هذه.

لكن ما الذي منع المعارضة السورية من التنبه جيدا لأهمية هذا الأمر، والعمل بكل ما تستطيع على تشكيل ما يمكن أن يعني للسوريين مرجعية وطنية أخلاقية على الأقل، مرجعية يمكنها أن تعلو فوق ألاعيب السياسة ودهاليزها، مرجعية يظل الوطن – بوصفه هوية جامعة- بوصلتها، التي يرى السوريون من خلالها اتجاه حركتهم نحو وطنهم الذي يحلمون به؟

للأسف الشديد لم تستطع التشكيلات السياسية المعارضة التي احتلت واجهة الثورة أن تقنع السوريين بأنها قادرة على أن تكون مرجعية وطنية لكل السورويين رغم أنهم منحوها ثقتهم في البداية بل على العكس من ذلك، إذ لم تمض فترة قصيرة حتى أصبحت واجهة المعارضة عبئا على الثورة، ومصدرا لخيبة السوريين، ولأنه من المستحيل أن تنشأ هذه المرجعية الوطنية من ضمن تركيبة النظام بسبب بنيته وبسبب خطورتها عليه، وأيضا بسبب طريقة إدارة الدولة والمجتمع والتي تتطلب أساسا مواصفات التبعية والخضوع والولاء المطلق للفرد وليس للوطن، لهذا كله افتقد السوريون هذا (الضمير) الذي كانوا بأمس الحاجة له كي لا ينقسموا، وكي لا يذهبوا وراء وعود الآخرين المخادعة.

تسبب غياب المرجعية الوطنية في كارثة وطنية كبرى، وسمح بنشوء هذه الفوضى العارمة التي شهدناها -ولا نزال – على مختلف الصعد، العسكرية والسياسية والمدنية؛ الأمر الذي أدى إلى تشتيت الشعب السوري وقواه الوطنية، ومكن النظام المتوحش والفاقد لأي معيار وطني أو قانوني أو انساني ، من أن يدمر سوريا ويهجّر شعبها ويعرضها لأكبر مأساة عرفتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.

 اليوم نحن بأمس الحاجة لخلق هذه المرجعية مرجعية يثق بها السوريون، وتدافع عن وطنهم ومصالحهم وحقوقهم، ومستقبلهم. ولأنه ليس بإمكاننا خلق شرعية بالمعنى الدستوري أو الديمقراطي المتعارف عليه، والمستندة إلى صناديق الاقتراع؛ فإننا مضطرون لخلق هذه المرجعية عبر آليات أخرى، آليات يثق بها السوريون، وتتيح تمثيلهم وتمثيل مصالحهم وحقوقهم التي يسارع كثيرون الى سرقتها.

إنها مسؤولية وطنية بالغة الأهمية، في لحظة بالغة الخطورة، فهل نسارع نحن السوريين إلى إعلاء هذه المسؤولية فوق انقساماتنا وتشتتنا، علنا ننقذ أنفسنا ووطننا…؟

*كاتب سوري