الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء نحنا النخبة ولاك .!

نحنا النخبة ولاك .!

سعد الربيع*

قمت بسرقة هذا العنوان من منشور لأحد الأصدقاء على فيسبوك، ولا آبه إن كان سيغضب لسرقتي لما كتب كوني من النخبة هو من الرعيّة العَوام؛ وحتى وإن صرخ على الفيسبوك غاضباً مطالباً بحقوقه الفكريّة، فلن يصدّقه أحد فهو عاميّ، وسيصدقونني أنا المثقف النخبوي، و حتى هذا الاعتراف سيعتبرونه نكتة نخبويّة وسيصفقون لها بإطراء، وهذه هي المصيبة!
في عصر ما بعد بعد الحداثة، وعندما باتت قراءة بعض الكتب من أجل الحصول على فكرة صحيحة أو الخروج بنظرية خجولة، أمر عفا عنه الدهر وردمته التكنلوجيا الما بعد بعد حداثيّة. نهضت طبقة من المفكرين والباحثين والمثقفين العصريين المعاصرين المحصورين بين انقطاع الانترنت ووصوله. الذين اذا أرادوا أن يحاوروك اختاروا التخندق وراء شاشة على مسافة أمان يؤمنها العَم غوغل، لا الجلوس معك في مقهى شعبي تتدفّق فيه الأحاديث (كجدولٍ لا انترنت فيه)، هؤلاء من لا تَجرُؤ على معارضتهم على الانترنت وعبر المواقع البديلة للتواصل الاجتماعي، والذين لا يجرؤون على مُجالستك وجهاً لوجه ولا حتى الحديث عن آخر ما توصّلت له الأبحاث عن أصل (المجدّرة)، إن كانت تطهى بالأرزّ أم بالبرغل! إحساس بعدم الأمان يتربص بهم و وحش الـ (لا أعرف) يرعب فرائصهم، ورؤيتهم للهزيمة الفكريّة في تحدّي المجدّرة وهي تلفح وجوههم قبل حدوثها أمرٌ يشبه مقياس رختر، أو الرؤية المستقبلية للجنرال (حفتر) سوادٌ في سوادٍ في سوادِ.
مع ذلك يظلّ في هؤلاء من الدماثة والطرافة ما يشدّك للفسبكة معهم في عالم أزرق موازي لهذا الكوكب الأزرق وبعيداً عن مقاييس الحقيقة والخيال، هم هكذا على طريقة الإمام الأكبر محي الدين بن عربي، أصدقاء بَرزخيّون يسبحون في عالم ثقافي مفصول عن الثقافة، ويتصدرون طبقة نخبوية بعيدة عن النخبة، هو هكذا عالم منفصل عن الواقع لكنه جميل وبرّاق والدنيا فيه حلوة ومليئة بالمغامرات والنوادر.
على الجانب الآخر من الفجوة الزمنيّة التي نعيش على حافتيها، هناك النخبة القديمة كلاسيكيّة المنشأ -المحاربين الأوائل- حراس الطبقة وقاطني رأس الهرم الثقافي، الذين سأطرّ لكيل المديح لهم مُجبراً، كي لا يأكل وجهي أحدهم، فبعض هؤلاء حَال وحشاً اسطورياً يحتسي دماء المنتقدين، ويتعشى بوجوه الرافضين (قل أعوذ بربّ الفلق)!.
في هذا العام المشحوذ بالمعرفة الغيبيّة، بات المسير في ظلّ الحائط أمرٌ عسير، فلا إذا أنت اعتزلتهم هم اعتزلوك، ولا إذا أنت عالجتهم عالجوك، فإما الغزل وإما الجدل، لا مواقف وسطية في هذه المدينة المزدحمة بالـ (أعرف) لا مكان للـ (ممكن) أو (لا أدري)، عليك أن تكون عارفاً عرّافاً بكل شيء وبأي وقت، وإما أن تكون من الحاشية أو الجيش التابع لهذا المثقف النخبوي، تصدّق وتصفّق لكل ما يقول، هنا فقط أنت ناجٍ ومرضٍ عنك وننظر لك على أنك نخبوي محتمل، أو من النخبة الصاعدة .. عَرفتَ فَالزَم .!
لم يعد يحتاج الأمر الى مايكروسكوب لرؤية الدكتاتورية النخبوية المتشكّلة على مبدأ التصنيف القائم على تقسيم المجتمعات إلى ثلاثة أقسام : نخبوي ما بعد حداثي و نخبوي كلاسيكيو حاشية نخبوية. ولم يعد للأشخاص الذين يقولون عن نفسهم أناسا عاديين كغالبية الذين يقرأون مقالا بعنوان مسروق كهذا أو ككاتبه! وجود في فضاءات طبقة دكتاتوريات النخبة، أو (الدكتاتورياتية النخبوياتية)، جربت أن أخترع مصطلحاً جديداً لوصف حالة جديدة. ولطالما ارتبطت النخبة بالأنظمة الفاسدة في عالمنا السوري  وقريتنا العربية، حتى أصبح الفساد عند البعض الكثير من هذه النخب والحديث عن النخب الكلاسيكية الآن أمرا مُستمرأ،  لكن الفساد فكرة قبل أن يكون سلوكاً، ولما كان سلاح النخبة القلم والميكرفون، صارت عملية انتاج الفساد تتماهى مع مُنتَج أصحابها المفكرين، ومن مثلها قادر على اختراق المسافات والأزمان والعقول، وفي عالم تسيطر عليه لوثة المنابر المجانيّة، ليس أسهل من أن تمنح أحدهم تصريحاً ما بفكرة، حتى يَلوكها العَارِف والهَارِف، ومهما كثرت المحاولات من هنا وهناك لتصحيح الأمر بعد النشر، قُوبِلَ المصحّحون بسياسة ( نحنا النخبة ولاااك )، فيضيع الصراخ في العدم.
لرؤية المشكلة من هذه الزاوية لابد من التوقف عند بعض الآراء المبذروة هنا وهناك، فحالة الدكتاتورياتية النخبوياتية باتت تلعب في فضاء من الأفكار التي ينثرونها كبذار في العقول التي يرضون عنها كأراضٍ خصبة من حاشية النخبة، ويرعونها وكأنها سنابل تنبت محملة بأفكارهم التي غرسوها بذاراً صغيرة، منها القمح ومنها الحرير ومنها الشعير. أفكار ونظريات هم أصدروها وصادقوا عليها وحققوها لتصبح قوانين عامة، من يخالفها خرج عن الملّة العقليّة، متخلف وغير حضاري، بل وليس موجود ولا لزوم له في الوجود.
من أمراض النخبوياتية السورية، أنها باتت وظيفة، وفي كثير من الأحيان مدفوعة الأجر، إما لتتكلم أو لتصمت، خصوصاً بعد أن وصلت بعض الدول الإقليمية والعالمية المتورطة بالقضية السورية، إلى نوع الصبغيات المشكلة للحمض النووي لهؤلاء النخبويين، وهي الولاء (الولاء للمموّل)، ولاء العسكري لقائده و ولاء القائد لمن يدفع ولاء الكاتب للجريدة وسياستها، ولاء الممثل للمنتج ولاء الصحفي للتاجر ولاء الشاعر للأمير ولاء المريد للشيخ ولاء الشيخ للمرجعيّة، ولاء المُصخّم للثورة و ولاء البوق للنافخ فيه. كل هذه السلسلة يقف على رأس هرمها صاحب الأيديولوجية الذي يكتب الشيكات في آخر الشهر .
أحسب نفسي من الأشخاص المؤمنين بدور النخب الفكريّة في المجتمع، على الأخص في حالتنا السورية اللا سورية. فبعد فشل سياسة السياسيين وعسكرة العسكريين وفن الفنانين وكوميديا الكوميديين ومشيخة المتمشيخين وجهاد المجاهدين، التي كلها راحت مع “أمّ عمرو” ورجعت “بخفّي حُنين” بقي لنا أن نجرّب دور المفكرين، وما أن اهتدى الناس لهذا، حتى ركبتنا نخبويّة النخبويين، ولم يعد للفكر مكان … يا حسرتاً على العباد.
ربما لن يلحظ صاحب العنوان الأصلي سرقتي له، وربما سيصل صراخه الى تويتر، لكني سأستعيره على أي حال، فهكذا سأعيش للحظات إحساس النخب البرّاقة، على أمل أن نعود يوماً بعد أن تنتهي هذه اللوثة، إلى عالمٍ يقابل فيه الفكر بما هو أفضل من السرقة، والى نقدٍ لا يجابه بـ “نحنا النخبة ولاك ..!”.

صحفي وكاتب*