الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء أسئلة ملحة بعد ثماني سنوات على الثورة

أسئلة ملحة بعد ثماني سنوات على الثورة

ماجد كيالي*

بعد ثمانية أعوام على اندلاع الثورة بكل مساراتها وتحولاتها ومداخلاتها وتعقيداتها وتداعياتها، ثمة أسئلة تلّح في طرح نفسها على السوريين وعلى كياناتهم السياسية والعسكرية، من نوع: أين أضحت تلك الثورة الآن؟ ما الذي تبقى منها؟ هل انهزمت الثورة وهل انتصر النظام؟ هل كل ما حصل كان مقدّراً أم كان بالإمكان تلافيه؟ما يزيد أهمية هذه الأسئلة الفراغ السائد الناجم عن افتقاد السوريين لكيان سياسي جمعي يعبر عن الثورة أو عن المعارضة، والتخبط الواضح في الكيانات السائدة، في مواقفها وخطاباتها وأشكال عملها، التي تختلف في كل مرحلة عن غيرها، وتلك الفجوة الحاصلة بين مجتمعات السوريين في الداخل والخارج وبين الكيانات التي تصدرت للمعارضة.
عموما، ستظلّ تلك الأسئلة مشرعة ومشروعة؛ لأنها من النوع الإشكالي، أي لا يمكن الإجابة عليها بكلمة واحدة قطعية، على طريقة نعم أو لا، مع ما تنطوي عليه الكلمتان المذكورتان من يقينية وتبسيط وتسرّع، سيما أن الأمر يتعلق بحدث تاريخي مازال مستمرا، ومازالت تداعياته تتوالى أو تتوالد.
بداية يفترض التنويه إلى العوامل التي أوصلت الثورة والمعارضة السوريتين إلى ما وصلتا إليه، إلى حد طرح الأسئلة المذكورة، أولها: العنف التدميري الذي انتهجه النظام الذي تصرّف ضدّ شعبه منذ البداية كأنه قوة غريبة، أو كقوة احتلال بل وأقسى، سيما مع إدخاله إيران ثم روسيا في الصراع ضد شعبه. وثانيها: تخاذل المجتمع الدولي، رغم أن ما حصل، وضمنه استخدام الطائرات والكيماوي والبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والارتجاجية، لكسر أكثرية السوريين غير مسبوق وغير مقبول في المعايير الدولية، إذ أن المجتمع الدولي لم يقِم مناطق آمنة أو مناطق حظر جوي، ولم يسمح ولو بسلاح فردي واحد مضاد للطيران، وهو مالم تقدمه ولا أي دولة محسوبة كصديقة للشعب السوري أو كمؤيدة لثورته. وثالثها: طول أمد الثورة، مع استعصاء أحوالها وتهتّك قواها وتقيّح جراحاتها، وضمن ذلك تفجّر التناقضات والانشقاقات في معمعان الثورة، الأمر الذي أضر بالثورة وبصدقيتها، ويمكن التخصيص هنا بالانشقاق المتمثل بسيادة فصائل عسكرية سلفية “إسلامية”، والمتمثل بوجود قوات “حماية الشعب” أو قوات “قسد” التي تخضع لإدارة حزب الاتحاد الديمقراطي (والذي يعمل في سوريا كامتداد لحزب العمال الكردستاني في تركيا). ورابعها: التحول نحو العسكرة، بالاعتماد على الخارج، ما يعني تحميل الشعب أكثر مما يحتمل، والوقوع في فخ الاستدراج للمربع الذي يتفوق فيه النظام، ويبرر من خلاله تعامله الوحشي مع البيئات التي يعتبرها حاضنة للثورة. وخامسها: ارتهان فصائل المعارضة السياسية والعسكرية والمدنية للداعمين الخارجيين، والاشتغال وفق أجنداتهم وإملاءاتهم في أغلب الأحوال. وسادسها: تعذّر توليد مركز قيادي أو مرجعية مؤسّسية للثورة في السياسة والعسكرة والعمل المدني. وسابعها: إخراج السوريين أو معظمهم من معادلات الصراع ضد النظام بطغيان العسكرة، واحتكار الصراع ضد النظام من قبل الفصائل العسكرية، ومع عمليات التشريد التي أدت إلى تحويل ملايين السوريين إلى لاجئين، مع ما في ذلك من مآسي إنسانية وأثمان باهظة، ومع ما في كل ذلك من إفراغ للمناطق “المحررة” من قاطنيها، الأمر الذي خفف أعباء النظام، وفاقم من أعباء الثورة.
المعضلة أن القوى المعارضة (السياسية والعسكرية) التي تصدرت أو تحكّمت بمسارات الثورة السورية بنَتْ كل شيء بناء على مراهنتين خاطئتين أولاهما: أن الانتصار حتمي وأن النظام سيسقط منذ السنة الأولى، كأن الثورات مقدر لها أن تنتصر حتما، في حين تبيّن التجربة التاريخية أن الثورات يمكن أن تخبو أو تنهزم، كما يمكن لها أو تنحرف، أو تذهب نحو مساومات. وثانيتهما: أن التدخل الدولي بهذا الشكل أو ذاك آت لا محالة، من دون إدراك أن الدول لا تعمل كجمعيات خيرية، ولا كمنظمات حقوق إنسان وإنما وفقا لمصالحها، ووفقا لشبكة معقدة من الأولويات.
المهم أنه بنتيجة المراهنتين المذكورتين تم رفع مستوى وتيرة الصراع ضد النظام، ليس من حيث مقاصده فقط، وهو أمر مفهوم، وإنما من حيث أشكاله ووتائره ومستوياته أيضاً. والمعنى أن السوريين من دون وهم الانتصار من التجربة أو من الثورة الأولى، ومن دون وهم التدخّل الخارجي، ربما كان بإمكانهم أن يشقّوا مسارات أخرى لثورتهم، أقل كلفة وأقل مستوى، ولكن ربما أكثر تأثيرا وفاعلية، حتى لو كانت أطول زمناً، هذا بالقياس إلى الأهوال التي اختبروها طوال الأعوام السبعة الماضية.
على ذلك وبخصوص معنى النصر أو الهزيمة، يجدر القول بأن الثورة أنجزت مهمتها منذ السنة الأولى، بمعنى أنها حررت السوريين من مشاعر الخوف والخنوع والخضوع، وأنها أطلقت صوتهم، الذي كان مكبوتا أو محبوسا لعقود، وأنها نقلتهم من الهامش إلى مسرح التاريخ، بحيث باتوا يعون ذاتهم كمواطنين أحرار وتلك هي مهمة الثورة، في ظل موازين القوى، والمعطيات العربية والإقليمية والدولية السائدة، وفي ظل مستوى التطور السياسي والثقافي والاجتماعي لمجتمع السوريين، ما يفيد بأن تحميل تلك الثورة في تلك الظروف والمعطيات أكثر مما تحتمل لم يفدها، بل أضر بها وبمجتمع السوريين.
طبعا، ما كان للثورة أن تنتصر بمعنى إسقاط النظام بالوسائل السلمية، لكنها انتصرت حقا على مستوى مجتمع السوريين بكل تنويعاتهم، مع تحطيم أول صنم لحافظ الأسد، ومع أول صيحة أن “الشعب يريد إسقاط النظام”، ومع أول مظاهرة قيل فيها “الشعب السوري ما بينذل”، ومع خروج مئات الألوف إلى ساحتي النواعير والساعة في حماه وحمص، و تمرد أهالي درعا، ومظاهرات داريا وبرزة والمزة والميدان والقابون والصالحية والحميدية في دمشق، أما كل ما حصل بعد ذلك فهو لم يضف شيئا، بل إنه أدى إلى الكارثة التي وصلنا إليها، أي مصرع مئات الألوف، وتشريد حوالي عشرة ملايين. نعم الثورة السلمية لم يكن بإمكانها أن تسقط بشار، لكن العمل المسلح لم يسقطه أيضا، الأولى كانت ستدفع السوريين أثمانا مؤلمة، لكن الثانية أودت بهم إلى كارثة.
لا حديث هنا عن ادعاء هندسة للثورات؛ فهذه لا يمكن هندستها، أو التحكم بتداعياتها، لكن الحديث هنا عن المداخلات الخارجية المسكوت عنها لأغراض ضيقة، والتي أدت إلى خلق تشكيلات مسلحة، ذات أيدولوجيات معينة، ومن دون حواضن سياسية، وفرض مسارات عسكرية معينة على الثورة السورية دون تجربة أو دراسة لعواقب ذلك.
قصارى القول: لا يوجد منتصر في الصراع السوري، الدائر منذ ثماني سنوات، على الرغم من استعادة النظام لأجزاء كبيرة من الأراضي التي كانت تحت سيطرة المعارضة المسلحة، وعلى الرغم من تآكل هذه المعارضة وانحسار نفوذها، على كافة الأصعدة، إن كقوة عسكرية أو كقوة سياسية.
من جانب آخر لا يمكن الادعاء بأي شكل من الأشكال، أن المعارضة خاضت صراعها مع النظام على النحو الأمثل، وأنها وصلت إلى ما وصلت إليه، مع كل هذه الإخفاقات فقط بسبب ضعفها أو بسبب تلكؤ حلفائها عن دعمها، كما يدعي البعض، أو بسبب الدعم الكبير وغير المحدود الذي تلقاه النظام من روسيا وإيران، إذ أنها في الحقيقة قدمت أسوأ نماذج المعارضة وأكثرها تخلفاً في إدارة صراعها وأكثرها تفككاً، وأقلها إدراكا للمخاطر التي سارت إليها أو أخذت السوريين إليها طوال السنوات الماضية، من دون أن تتوقف في أية لحظة لإجراء مراجعة لخطاباتها وطريقة عملها، ومن دون أي نظرة نقدية للأخطاء والثغرات التي وقعت فيها.

*كاتب سياسي فلسطيني