إعداد: عبدالله أمين الحلاق *

“بوابة سوريا” تحاور مثقفين سوريين ولبنانيين في الذكرى الثامنة للثورة

ثمان سنوات هي فترة قصيرة جداً في مسار التاريخ وعمر الشعوب، لكنها تكاد تعادل دهراً بالنسبة للسوريين في الوقت الذي تطفئ فيه ثورتهم شمعتها الثامنة (آذار 2019). تغير كل شيء تقريباً، تغيرت سوريا تغيرات جيوسياسية هائلة، وباتت محتلة من عدة جيوش، وتفرق أهلوها في أقاصي الأرض كلاجئين وأيضاً على امتداد رقعتها ومساحتها في الداخل، كنازحين. النظام الأسدي الذي صدَعته الثورة في بداياتها ووصل إلى لحظات كان بالكاد يستطيع فيها التقاط أنفاسه، استعان بــ “أوكسيجين” الحلفاء العضويين، فجاءته كتائب وميليشات “زينبيون” وفاطميون” و”حزب الله” و”الحرس الثوري” وغيرها، ثم التدخل العسكري الروسي المباشر. المعارضات السورية ممزقة وتختلف على الأولويات وتتابع ما بدأته مع الثورة من تشرذم وخفة. سوريا اليوم ليست سوريا التي ثار سوريون لأجلها، لكن سوريا النظام لم تعد موجودة أيضاً.

في الذكرى الثامنة، طرحت “بوابة سوريا” السؤالين التاليين: أي سوريا ممكنة في المستقبل؟ وهل ما تزال شعارات الزمن الثوري الأول راهنة اليوم بعد كل ما حصل؟

وجاءت الإجابات من عدد من المثقفين السوريين واللبنانيين الذين كتبوا وتناولوا الشأن السوري في كتاباتهم سياسياً وثقافياً، على صعوبة الفصل بين المسألتين السياسية والثقافية، وهي إجابات تشير، بقدر ما هي مختلفة بدرجة أو بأخرى فيما بينها، إلى التعقيد البالغ في المسألة السورية اليوم وإلى صعوبة استشراف مخرج بسيط من الكارثة، ولو نظرياً.

سلام الكواكبي: الشعارات قائمة لكن استشراف المستقبل هو من عالم الخيال

يبدأ الكاتب والباحث السوري سلام الكواكبي كلامه بــ “التفاؤل” معتبراً أن “شعارات الحرية ورفع الظلم ولفظ المذلة ما زالت قائمة نظرياً على أقل تقدير، ولن تزول مهما كانت مصائر النضال الذي جرى لتحقيقها، أما الشعارات الدخيلة على مبادئ الحرية والعدالة والكرامة، مهما تنوّعت دينياً أو مناطقياً أو طائفياً، فقد شكلت عاملاً أساسياً من عوامل انهزام المسار الثوري وانقلابه الى مقتلة”.

الثورة السورية هي أيضاً جزء من سلسلة ثورات الربيع العربي وليست منفصلة عن سياق تاريخي عربي وإطار عام لعودة الناس إلى الشارع، وحول ذلك يرى الكواكبي أن الحراك في السودان والجزائر يعزز من شرعية هذا الإطار قائلاً إن “تجدد الربيع العربي، وإن لم يستسغ البعض هذا المفهوم، في الجزائر والسودان خلال الأسابيع القليلة الماضية، وعلى الرغم من الأمثلة الدموية التي أُريد لسوريا وليبيا أن تمنحها لهذا الربيع، يؤكد بشكل لا مناص منه بأن الحراك مستمر وبأن الهزيمة التي ألمت ببعض الآمال ليست إلا مرحلة تاريخية مؤقتة سيتم تجاوزها، لكن بأثمان مرتفعة. وقد انتقل السوريون عبر السنوات الثمان الأخيرة من مرحلة إدارة الأمل بالحرية وبالحياة الكريمة، ومرّوا بمرحلة إدارة الألم عبر تسليح ثورتهم المرتبط بعوامل متشابكة لا مجال لسردها الآن، ثم انتقلوا الى مرحلة المقتلة السورية التي خبروا فيها أصناف الموت والأسلحة والتعذيب والتغييب، ثم انتصار القوة التدميرية الهائلة لجيش روسي جرّار ولميليشيات طائفية والإدارة العقيمة لملف المعارضة والصمت الدولي والاستغلال الإقليمي والاستقطابات المتنوعة، ليصلوا إلى مرحلة إدارة الهزيمة. ومن هنا، يجب التأكيد على أن الإدارة هي فعل إرادي للخروج من الهزيمة، ربما ليس وصولاً إلى انتصار كامل لقيم الحرية والعدالة والكرامة في مرحلة أولى، ولكن على الأقل للسير في مسار مبدئي مُبشّر. إن البحث في المستقبل أو استشراف الحلقات القادمة من مسلسل بدأ رومانسياً لينتقل الى حلقات من الرعب المتواصل صار جزءاً من علم الخيال”.

ويتابع كلامه بالدعوة إلى “معالجة أخطاء الماضي القريب وتجاوز عثراته، وهو ما يمكن أن يُساهم، ربما، في بناءٍ ما لسوريا ما في مستقبل ما، وإلى الاعتراف بما اقترفناه، نحن جميعاً، بحق بعضنا البعض وبحق الآخر كأساس لعملية تصور مستقبل البلاد بعيداً عن لغة الانتقام والتخريب، وأن يضع السوريون على الطاولة كل ما ظنوا بأنه سبب مباشر أو غير مباشر لخيبتهم هو بداية الطريق، وكأنني أتصور جلسات جماعية للعلاج يعرض فيها الكل ما يظنون بأنه مهم ويجب التطرق اليه، فلنبتعد عن انعزالية النخبة ولندفعها إلى تواضع أكبر لتقترب فعلا من الواقع”.

التفاؤل الذي بدأ به مدير “المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس” كلامه حَوْل الإطار العام السوري والعربي استحال تشاؤماً معلناً لدى حديثه عن حال النخبة التي يدعوها إلى تواضع أكبر وإلى البعد عن الانعزالية لتقترب أكثر من الواقع، ويختم بالقول: “في لقاء سوري حول المآلات، انصرف كل مشارك الى انتقاد ما قام ويقوم به الآخر، ربما عن حق وعلى بيّنة، ولكن لم ينتقد أحد نفسه، ولو بنعومة. ومن جهة أخرى، نحن نعالج حتى اليوم، وبعقم، ثنائيات تجاوزها الزمن ونكاد نخوض في ألف باء المعاني المؤسسة لأي مشروع وطني مشترك. أنا متشائم”.

موفق نيربية: نحتاج إلى استعادة الأنفاس وتنظيم الصفوف وتوسيع الرؤية!

موفق نيربية، الكاتب والسياسي السوري المعارض ونائب رئيس “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” سابقاً، لا ينطلق من مشروعية وصحة الشعار فقط، “لأن للشعار فلسفته وحساباته الخاصة كأداة في المعركة السياسية، التي لا تقبل الافتعال أو التكرار بهدف استعادة لحظات الانتشاء السابقة” بحسب تعبيره، وهو يؤكد أن “راهنية شعارات الثورة الأولى لا تتغير ما لم يحدث تغير جذري في الأحوال الاجتماعية السياسية في سوريا، ولا يمكن أبداً نفي احتمال أن تطرأ أيام تشبه تلك الأيام المجيدة، لكن يتعلق الأمر بالشعار ذاته، فإن كنا نتحدث عن شيء مثل: واحد واحد واحد الشعب السوري واحد، وإيد وحدة إيد وحدة، فذلك سيحتفظ براهنيته إلى أن تقوم وتثبت سوريا قائمة على المواطنة خالية من الطغيان”.

ويستطرد “لكن إن كنا نتحدث عن شعارات أخرى مثل “الشعب يريد إسقاط النظام”، فيمكن القول أن لذلك مشروعية أكيدة، ولكني لست متأكداً من راهنيته بعد، أو في اللحظة الحالية. ويعود ذلك إلى الظروف العملياتية المحيطة به زماناً ومكاناً. أما شعارات أخرى وجدت مشروعيتها في فعاليتها الاستفزازية والرافعة للمعنويات من مثل هتاف يلعن روحك وغيرها، فأعتقد أنها، وإن ما زال لديها بعض الراهنية، إلا أنها فقدت ما كانت تفتقده بالأساس، وهو عمقها في الوعي وتأثيرها في شعارات أخرى أكثر راهنية”.

“الشعار كالراية لدى الجيش المحارب” بحسب نيربية، فهو “يكون جامعاً للجنود حوله ومحرضاً على الإقدام والتضحية، وربما يساعد أيضاً على الانضباط وهو كان مرتبطاً بالخروج إلى الشوارع، في حالة تظاهر سلمي تمزج الجرأة والتحدي مع البهجة والرقص والغناء، حالة تَبَخّر الخوف وتفجر للروح. تغيرت الآن أرض المعركة، وتغير الناس، وتغيرت البلاد”.

وعن سؤال “سوريا الممكنة في المستقبل” يجيب: “لقد أصبح وجود البلد في مهب الريح، بشعبه الموحد وأرضه الموحدة، وهو اليوم منطقة يحكم فيها نظام متهالك مجرم بقوة ميليشيات غريبة، وهيمنة روسية، وأخرى إيرانية. ومنطقة ثانية تحت حماية الولايات المتحدة وسيطرة حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي الذي يزيد من حالة الانقسام الوطني بسياساته وسلوكه، وثالثة تتقاسم فيها القوات التركية النفوذ مع جبهة النصرة وقوى سورية متماهية أيضاً مع راعيها التركي، ولكل منطقة اقتصادها المفتت، وأعلامها العديدة، وسكانها البائسون، أما أرض الله الواسعة بلاجئيها فهي منطقة رابعة بلا حدود!”.

لكن استكمال الجواب عن سوريا الممكنة لا يكون من دون الحديث عن سوريي الخارج أيضاً كحالة سياسية وإنسانية، وبالحديث عن اللجوء والبلد معاً، وحول ذلك يختم نيربية كلامه بالقول: “نحن اليوم في حالة خروج أخرى، من بيوتنا وقرانا ومدننا إلى غيرها، وإلى أصقاع الأرض الشتى. نتلمس بلادنا وقد انفرط رباطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، نحن في حالة هزيمة نرفضها وننكرها ولا نصدقها. ونحتاج إلى خلوات نعيد فيها حساباتنا. ذلك لأنه لا شيء يستطيع انتشالنا مما نحن فيه إلا نحن، باستعادة الأنفاس وتنظيم الصفوف وتوسيع الرؤية!”.

محمد أبي سمرا: سوريا القادمة لن تكون بلا ذاكرة

يرى الكاتب والروائي اللبناني محمد أبي سمرا، أن هناك صعوبة بالغة لدى الحديث عن ما بعد الكارثة السورية، وهو يذهب إلى الحديث عمّا يسمى في العادة بــ “عمل الذاكرة”، ذاكرة الشعوب، ويراهن عليها لمستقبلٍ سوريٍّ ما بعد المقتلة، ومن هذه المقتلة يبدأ حديثه: “لقد استمات السوريون ليكونوا شعباً، شعباً ناطقاً في العلانية العامة، ولتكون العلانية العامة وطنية سورية مشتركة، فقتَلَ الطاغوت الأسدي شبه الاستعماري ورهطه مئات الألوف منهم، وشرد ملايين من غير الصامتين في ما صار ولاية آل الأسد الروسية – الإيرانية، وفي أصقاع الأرض أيضاً” معتبراً أنه “من الطبيعي أن يحل الصمت في مرحلة ما بعد الكارثة، صمت الذهول، صمت ما بعد الجريمة والقتل، صمت الأنين بين الأنقاض وفي التشرد”.

ويتابع مؤلف كتاب “موت الأبَد السوري” والصحافي في جريدة “النهار” سابقاً: “إن عالم سوريا والسوريين الأسدي قد تحطم، ويستحيل أن يعود إلى سابق عهده، لكن يستحيل أيضاً أن يستعيد السوريون بدايات عهدهم بثورتهم وشعاراتها وأن يباشروا من جديد. لقد ماتوا موتاً كثيراً، وكثيراً تغيروا، لن يعودوا كما كانوا في سوريا الأسد التي حطمتها الطغمة الأسدية على رؤوسهم لانهم رفعوا هاماتهم وأصواتهم وغنوا في الساحات العامة فيما هم يحطمون أنصاب الأسد الحجرية، أنصاب المومياء – الوثن الأول، عرّاب الصمت الذي يحاول ابنه الصغير نصبها مجدداً في الأرض الخراب. ليس لديه سواها حجة على وجوده ووجود سوريا، لكن من بقي من أهالي درعا خرجوا من بين الأنقاض وهتفوا ضد نصب تمثال المومياء مجدداً في ساحة هويتهم المقتولة”.

سوريا الممكنة كما يراها أبي سمرا لا بد أن ترتكز إلى تاريخ السنوات الثمان الماضية وإلى الكارثة التي وقعت خلالها، بل وإلى كل تاريخ سوريا مع الأسدية، ذلك أنه “يصعب أن تكون سوريا بعد الكارثة بلا ذاكرة، أو مشلولة الذاكرة كما صنعتها المومياء طوال 40 سنة، والمنافي السورية لن تكون بلا ذاكرة أيضاً. قد تنمو في منافي السوريين ذاكرة حرة وإرادة حرة ومتحررة من حفرة آل الأسد. أما الشيَع اللبنانية فتواصل اليوم غرقها في بابل حرياتها الفوضوية اللاغطة التي يتصدرها خطيب الكرمس التلفزيوني، داعيةُ ما يحلو له ولسيده من جهاد بالسلاح والنفس والمال، لإنفاذ سيديه اللذين ولداه من الأنقاض اللبنانية في ثمانينات القرن العشرين، فولغ في القتل والترويع والاغتيالات في سوريا”.

ياسين الحاج صالح: علينا بناء القضية السورية مع استيعاب دروس الماضي

“الثورة المستحيلة” هو عنوان كتاب الحاج صالح الصادر عام 2017، وهو الكتاب الذي يختمه مؤلفه بالقول: “نحن اليوم أمام طريق مسدود، من تعنيهم العدالة يفتقرون إلى القوة، ومن يملكون القوة لا تعنيهم العدالة.. المسؤوليات واضحة، وأوجه اللاعدالة واضحة، وأفق العدالة واضح، نحتاج إلى كثير من الانتباه والشغل على التفاصيل، وإلى كثير من الأفكار العملية المبدعة، وقبل ذلك إلى مشاركة أكبر من الناس. ما لا نحتاج إليه هو انقضاء جيل من اليوم، وكوارث جديدة أكبر، كي يقول أي كان أنه لم يكن يعرف. الجميع يعرفون، وإن لم يكونوا قلة من يمشون بعيون مفتوحة نحو الهاوية”.

وفي إجابته على أسئلة “البوابة” ينطلق ياسين من عنوان كتابه قائلاً: “بعد ثورة مستحيلة وثورة مضادة مستحيلة، تبدو سوريا الممكنة محمية أسدية برعاية الروس والإيرانيين، تقوم كما قامت من قبل على إخضاع المحكومين وعلى الحجْر السياسي عليهم، لكنها مجردة من السيادة وهي نفسها وخاضعة لحجر سيادي من قبل حماتها. سورية المأمولة هي نقيض ذلك: دولة مواطنين متساوين حقوقياً وسياسياً، يعمها سلام قائم على العدل، ولا امتيازات خاصة لدول أجنبية فيها أو قواعد عسكرية”. 

وعن شعارات الثورة الباكرة يقول الكاتب السوري: “أعتقد أن علينا أن نتوجه إلى المستقبل، وأن نفكر بالسنوات الثمانية الماضية كسيرورة تعلم وتغير، وسعي وراء بداية جديدة تأخذ بالاعتبار دروس الثورة المستحيلة، الخاسرة. ما يبقى راهناً في تصوري هو مثال سورية الجديدة غير الأسدية والمتحررة، واليوم علينا بناء القضية السورية حول هذا المثال، مع استيعاب دروس الماضي القريب والأبعد”.

حسام عيتاني: الإمكانية مؤجلة إلى أن تتبلور عناوين رفض جديد للنظام الأسدي

يستهل الكاتب الصحافي اللبناني حسام عيتاني إجابته بفتح قوس لملاحظة قد لا يكون لها صلة مباشرة بالسؤال المطروح، وهي تلتقي في مكان ما مع كلام محمد أبي سمرا عن الماضي وعمل الذاكرة، فهو يؤكد على “أهمية إحياء ذكرى الثورة السورية وذاكرتها، بمحطاتها الكبرى وإنجازاتها وإخفاقاتها. إحياء ذكرى ليس من باب النوستالجيا الى زمن ذهبي آخر ومتخيل ولكن من باب حفظ حق السوريين في سرد روايتهم للتاريخ ومنع المحاولات المستميتة من قبل النظام وأتباعه بالسيطرة على الذاكرة مثلما استعادوا السيطرة على الأرض. من واجب السوريين ومن حقهم الدفاع عن تاريخ بديل عن تاريخ النظام والإصرار على كشف زيف روايته وتناقضاتها وهي الرواية التي تستمد ديمومتها من فرض الصمت والنسيان، في الإبادات بالسلاح وبمحو الذاكرة”.

ويعود عيتاني إلى السؤال الأساسي “حتى لا نكون ممن يرشون سكرا على الموت” بحسب تعبيره، إذ “ما زال الحدث مفتوحاً على تطورات الأرجح أنها ستكون نحو الأسوأ من وجهة نظر مؤيدي الثورة. بقاء الأسد باتت جملة تتكرر في كل لقاء يتناول الشأن السوري. والبقاء هذا يعني دفع أفق التغيير الى أجل بعيد، وغني عن البيان أن النظام باق ليس بفضل جهوده وقواه الذاتية، بل بفضل عاملين معروفين هما الإسناد الخارجي الهائل الذي حظي به من مصادر متعددة، وعجز الثورة عن تحويل الفئات الاجتماعية المتضررة من حكم الاسد الى فئات قادرة على تقديم بديل قابل للحياة. تضافُر هذين العاملين أفضى إلى تحطيم قوى الثورة السياسية والعسكرية والأهم، الشرائح الاجتماعية التي شكلت رافعتها في البداية، ثم انكفأت تحت ضغط العنف المجنون الذي مارسه النظام، وفي ظل اللامبالاة العربية والعالمية (وهذا تواطؤ مع النظام لا يحتاج برهاناً)، إلى مواقع تشبه تلك التي كانت فيها قبل آذار 2011، من هدنة مع الحكم وتسليم بهزيمة مريرة متعددة الوجوه والمستويات”.

وعن الإمكان السوري بعد كل ما جرى، يرى صاحب كتاب “الفتوحات العربية في روايات المغلوبين” أنه “إمكان مؤجل إلى أن تتبلور عناوين رفض جديد للنظام الأسدي، إذا افترضنا سمة الإيجابية في الإمكان. بيد أننا هنا أمام معضلة خلاصتها أن الآلية التي هزم فيها الأسد وحلفاؤه الثورة، ما زالت قيد العمل في مجالات الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة، وهي الآن في طور إلحاق المزيد من الدمار بالمجتمع السوري من خلال تجويفه وممارسة المزيد من العنف ضده، ما يعني الإمعان في تفتيته طوائف وجهات ومناطق وقوميات متناحرة بحيث يبدو الآن من المحال إعادة تجميع هذه الشذرات من سوريا من دون تسويات موضعية وآنية، على غرار تلك التي برع بها النظام في العامين الماضين. ولئن كانت هذه التسويات شديدة الهشاشة ولا تنطوي على حل سياسي يوفر الاستقرار ويعيد قدراً من الانتظام الى الحياة العامة، وبالتالي توحيد سوريا ولو في ظل هذا النظام، فإن ذلك يقول أن النظام سيكون راعياً لتساكن معقد بين المواطنين المغلوبين على أمرهم (أو الطامحين إلى شراكة ولو بحجم الفتات معه) وبين منظومة أمنية-عسكرية منشغلة بالحفاظ على توازنات مراكز القوى المختلفة فيها (الروسية والايرانية والاهلية الخ..). خلاصة القول ان لا إمكان من دون شروط الإمكان. وهذه معلقة بيد قوى مصيرها ذاتها ليس في يدها”.

*كاتب وباحث سوري