رشا عبد الرحمن *

بابتسامة يغلب عليها الحزن يبدأ محمود (صاحب محل في سوق الفراية بمدينة حماة) حديثه عن وضع السوق الذي شهد فترة ازدهار وإقبال من سكان الداخل والسياح الأجانب في الخارج. “هي مهنتي التي ورثتها عن أبي وأجدادي منذ ثلاثمائة عام، لكنني لم أعلمها لأولادي لأنها لم تعد تطعم خبزاً، فلم يعد الإقبال عليها كما كان في السابق”.

لا يختلف حال محمود عن غيره من أصحاب المحال في “سوق الفراية”، أحد أسواق مدينة حماة القديمة، والذي يقع في مدخل المدينة من الجهة الشمالية ويمتد على شكل زقاق مسقوف بنوع من المعدن صنع على شكل أقواس متتالية. تتوزع محال الصناعات اليدوية على طرفيه ومنها ما هو مخصص لدباغة الجلود أو لصناعة الفراء وأغلبها لصناعة اللباس التراثي القديم (الكلابيات والدشداشات المخرجة)، وجميع تلك المهن هي حرف يدوية توارثها صناعها في الوقت الحاضر عن آبائهم.

يقول عبد الله (خياط كلابيات رجالية مخرجة): “في السابق كنت أشعر بالخجل أمام زبائني من هواة اللباس التراثي لكثرة الطلب عليه، وتأخير الطلبات لشهر أو شهرين حتى الانتهاء من خياطتها وتخريجها، ففي الموسم الصيفي والشتوي وأيام الأعياد يزداد الطلب على الطقم الكامل المكون من كلابية أخيطها من قماش جوخ هندي مخرجة على الصدر بخيط قطن أسود غالباً، وعلى أطراف الأكمام أيضاً، أما الدشداشة وهي جاكيت يرتبط بالكلابية مخرجة على الصدر المفتوح بدون أزرار وحول أكمامها العريضة، فيطلبها صاحبها شتوية في بعض الأحيان ونعمل على تبطينها بصوف خراف صغار لا يتعدى عمرها شهر أو شهرين للونها الأبيض الصافي وسهولة خياطتها. لكن منذ أربعة أعوام لم أخط كلابية واحدة، ويعود ذلك لسوء الوضع الاقتصادي الذي يعيشه أبناء المدينة عامة والريف بشكل خاص وهؤلاء يشتهرون بهذا اللباس، حيث أصبحت تكلفة الدشداشة 100 ألف تقريباً بعد أن كانت 5000 ليرة، كما كان لانفصال الريف الشمالي عن المدينة أثر على الحركة المدينية واعتماد أبناء الريف الشمالي على مدينة إدلب والقرى المحيطة بها في تلبية احتياجاتهم”.

في عمق مدينة حماة وبعد المرور بشارع الحاضر والدباغة، ندخل “سوق الطويل” المعروف بعراقته وأصالته التي جمعت بين الماضي والحاضر، ويتفرع عن السوق في بدايته من الجهة الجنوبية “سوق النحاسين” الذي اشتهر بتلميع الأواني النحاسية وصناعتها، وبقي أصحاب محاله لفترة قريبة يزاولون مهنتهم التي باءت بالزوال نتيجة الاعتماد على أواني الألمنيوم وغيرها بدلاً من النحاسية، حيث استبدلت محال السوق بمحلات الحدادة والصناعات الحديثة، ليبقى محل أو محلين من أصل اثني عشر محلاً في السوق لبيع بعض الدلال النحاسية و”طاسة الرعبة” لمن يرغب باقتنائها للعرض.

بالقرب من سوق النحاسين من جهة الشرق يقع “سوق الحنة” الذي سمي بهذا الاسم نسبة للحنّة التي كانت تباع فيه بعد أن يجلبها الفلاحون من القرى المجاورة على شكل أوراق، ويتم دقها بجرون حجرية وبيعها في السوق. وقد استبدلت أغلب محال هذا السوق بمحلات لبيع الملابس الحديثة والبالة. وعن ذلك يقول عمار (أحد أبناء المدينة): “كانت رائحة الحنة تفوح في السوق، ومن لا يعرف اسم السوق يستطيع معرفته من رائحة الحنة المنتشرة في أرجائه أثناء دقها، واليوم لا نشمّ سوى رائحة البالة ورائحة الملابس الجديدة التي تشبه النايلون”.

أما “سوق المنصورية” الذي بناه الملك محمد المنصور بن الملك المظفر تقي الدين عمر الأيوبي، أو كما يسمى أيضاً “سوق الطويل” نسبة لطوله الممتد وسط مدينة حماة من مسجد السلطان في مدخله الشمالي إلى شارع المرابط بالقرب من باب البلد في مدخله الجنوبي، فيعتبر من أهم وأقدم أسواق مدينة حماه ويقصده الناس من جميع أحياء المدينة والمدن والقرى التابعة للمدينة. كان سقف السوق مصنوعاً من مواد تراثية قديمة تعود لعهد الملك المنصور، إلأ أنه استبدل في الوقت الحاضر بألواح معدنية من التوتياء على شكل قوس يلف سقف السوق بشكل طولي.

تراجعت حركة البيع والشراء في السوق مؤخراً نتيجة الأحداث التي شهدتها مدينة حماة وريفها. يقول خالد (صاحب محل للألبسة في السوق): “ازدادت محال الألبسة في السوق على حساب محال الصناعات اليدوية القديمة، وفي بعض الأحيان كانت تمر فترة جمود على جميع محلات السوق، بينما نلاحظ حركة قوية خلال المواسم الصيفية والشتوية والأعياد. وفي بداية سنوات الثورة عانينا من جمود في البيع ولم يعد يمكننا شراء أي شيء وتخزينه خاصة مع انفصال الريف الحموي عن المدينة، لكن تهجير الناس من محافظات عديدة واستقرار بعضهم في المدينة أعاد حركة البيع والشراء نتيجة اعتمادهم بشكل مباشر على السوق في تلبية احتياجاتهم”.

وتابع: “كان لانخفاض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار أثر سلبي أيضاً على الحركة، فغالباً نلاحظ إحجاماً عن الشراء على الرغم من ازدحام السوق بالناس الذين لا يشترون أي قطعة لدى معرفتهم بالأسعار. كما سبب دخول البالة إلى الأسواق عزوفاً كبير عن البضائع المحلية، فهذه البضائع مرتفعة الثمن في السوق نتيجة الضرائب التي ندفعها لحواجز النظام عند جلبها من أسواق الشام وحلب، وقد أثّر إغلاق الطريق التجاري بين حماة وحلب شمالاً وحماة ودمشق جنوباً على أسعار البضائع المستوردة من دمشق أو حلب إلى درجة تبدو وكأنها مستوردة من بلد آخر وليس من محافظة أخرى في نفس البلد” مبيناً أن “التاجر كان يدفع أضعاف ثمن البضاعة على حواجز النظام كضريبة لإدخالها لمدينة حماة، ثم انخفضت التكلفة قليلاً بعد أن أعادت قوات الأسد فتح الطريق بين المحافظات الثلاثة. أما بالنسبة للبضائع التركية فهي تلقى إقبالاً من الناس فيما ترفضها الأجهزة الأمنية في حماة، وعلى الرغم من دخولها من معبر مورك ودفع ضرائب عليها إلا أنها تصادر من قبل التموين أو الجهات الأمنية بتهمة تهريبها، وفي حال تم إدخال البضائع التركية وتوزيعها على المحال لا يستطيع البائع إظهارها على أنها تركية بل يستبدل غلافها ويبيعها على أنها صناعة وطنية”.

الوضع الاقتصادي السيء والمدخول البسيط للأهالي بشكل عام ساهم في الابتعاد عن الملابس الوطنية الجديدة التي باتت أسعارها تضاهي أسعار “سوق أبو رمانة”. يقول ماجد (مواطن من الريف الحموي): “بعد أن كان سوق الطويل سوق الفقراء والبسطاء بات الآن سوق الطبقة المخملية، ولم نعد قادرين على شراء بيجامة لولد بسبب الغلاء وقلة المدخول، فاتجهنا نحو محال البالة التي تضاهي نوعيتها وأقمشتها الصناعات الوطنية التي سرعان ما تتلف”.

ما تزال هذه الأسواق تعبر عن عراقة وأصالة المدينة، وتمثل قيمة أثرية وتاريخية هامة جداً، لكن ما يزال “سوق الطويل” بشكل خاص معبراً عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي لأبناء المدينة وما حولها.

فريق بوابة حماة