سونيا العلي*
بعيداً عن مظاهر الفرح والاحتفال بقدوم عيد الأم تجلس “أم علاء” حاملة صورة ولدها، وعيونها تمتلئ بالحزن والدموع، فقد مضى على وفاته ثلاثة أشهر دون أن يغيب لحظة واحدة عن ذاكرتها بحسب تعبيرها. 
ليست “أم علاء” الوحيدة في هذه المعاناة لأن الحرب السورية أفقدت آلاف الأمهات أبناءهن، ليمر عيد الأم عليهن بمشاعر الحزن والقهر والحرمان، فبعد أن كان لعيد الأم في سوريا رمزية كبيرة، تجتمع فيه العائلة حول الأم للاحتفاء بها، ويجتمع شمل الأسرة في هذا اليوم، أصبح في ظل الحرب مجرد ذكرى بالنسبة للسوريين، فلا تكاد توجد أسرة سورية إلا وبها أم ثكلى أو فقيد أو لاجئ بعيد عن أهله ووطنه.
“أم علاء” من معرة النعمان تتحدث لبوابة سوريا عن معاناتها قائلة: “كان عيد الأم فرحة وبهجة، حيث يحضر أولادي إلى منزل العائلة لتقديم الهدايا ويتمنون لي طول العمر، واليوم يمر عيد الأم كئيباً، فقد كان علاء يحتفي بي في مثل هذا اليوم، ويجمع مصروفه لشراء هدية لي تشعرني بالسعادة، وتعبر عن حبه الكبير رغم بساطتها.”
كذلك “أم وائل” من مدينة إدلب فقدت أولادها الثلاثة تباعاً، أحدهم على جبهات القتال بعد انضمامه للقتال في صفوف الجيش الحر، واثنان نتيجة قصف منزلهم بالطيران الحربي وعن ذلك تقول لبوابة سوريا: “كان أولادي يزورونني بعيد الأم، وبعد موتهم نزحت مع ابنتي وزوجها إلى تركيا، ولا أستطيع حتى أن أزورهم لأضع الورد على قبورهم.”
وتضيف “أم وائل”: “أتمنى من الله ألا يحرق قلب أم على أبنائها، لقد تألمت كثيراً لفقد أبنائي الثلاثة خلال سنة واحدة.”
كذلك تعاني الكثير من الأمهات من اعتقال أبنائهن في سجون النظام أو اختفائهم دون أن يعلمن شيئاً عن مصيرهم وأحوالهم.
ومن ناحيتها “أم عبد الله” من بلدة جرجناز بريف إدلب الجنوبي تتذكر ولدها بدموع غزيرة تنهمر من عينيها: “سافر ولدي إلى محافظة حماة لجلب الأدوية لصيدليته، ولكنه تعرض للاعتقال ولم يعد، ولا أعلم إن كان على قيد الحياة على الرغم من كل محاولاتنا لمعرفة مصيره، هل هو حي فأدعو له، أم ميت فأترحم عليه.”
وعن الاحتفال بعيد الأم تقول: “لاشيء يضيفه العيد في حياتي سوى الألم.”
ليس الموت وحده من فرق بين الأمهات والأبناء في سوريا، فالكثير من الأبناء كتب عليهم التهجير واللجوء إلى الدول المجاورة أو الدول الأوروبية بحثاً عن الأمان والعمل والحياة الأكثر استقراراً.
ابن بلدة تل منس في ريف ادلب  “يوسف العمر ”  سافر إلى ألمانيا (عام ٢٠١٥)، وعن ذلك تتحدث والدته التي ناهزت الستين بغصة وحرقة: “لم يعد لي في هذه الحياة أحد يعيش معي نهاية عمري، فقد رحل يوسف ولا أستطيع السفر إليه، لكنني أتمنى أن يعود كي يعايدني كما كان يفعل في السابق، وأخشى أن أموت قبل أن أكحل عيوني برؤية وحيدي.”
والأم السورية التي فقدت السند والمعيل ووقع على كاهلها مسؤولية تربية الأبناء، لا تجد متسعاً من الوقت للاحتفال بعيد الأم أو مجرد تذكر هذه المناسبة.
أم فادي نزحت من ريف حماة إلى معرة النعمان، وعن احتفال أبنائها الخمسة بها في عيد الأم تقول: “جميع الأعياد من المنسيات في حياتي بما في ذلك عيد الأم، لأن علي العمل والكفاح من أجل رغيف الخبز ودفتر المدرسة .”
وتضيف أم فادي بصوت حزين: “بعد وفاة زوجي لاحقنا البؤس والجوع، لذلك بدأت العمل كمستخدمة في إحدى المشافي لإعالة أسرتي والحفاظ على أبنائي من الضياع، لذلك نسيت تماماً أن هناك احتفالاً بعيد الأم.” 
وتسببت الحرب السورية أيضاً بفقد الكثير من الأبناء لأمهاتهم، ليمر عيد الأم عليهم بالدموع والحنين .
الطفلة “عامرة ” من بلدة تلمنس بريف إدلب تقضي عيد الأم بزيارة قبر أمها التي فقدتها منذ عامين وعن ذلك تقول: “لا يمكن أن يمر عيد الأم بلا دموع شوقاً لأمي التي فقدناها وحنيناً إليها، فقد استشهدت بقصف من قبل الطيران الحربي على البلدة، وفقدنا معها الحنان والحب الحقيقي وكل معاني الحياة، لذلك أجمع إخوتي في عيد الأم لزيارة قبرها، وتزيينه بالورود حباً وعرفاناً لأفضالها علينا .”
أما الشاب “همام العلوان” من مدينة التمانعة الذي فقد  والدته بسبب إصابتها بمرض عضال يروي كيف يحتفل بعيد الأم قائلا: “أقدم أجمل التهاني بهذا العيد لأم الشهيد وأم المعتقل وأم المرابطين على الجبهات، ولكل أم أعياها طول الانتظار، ورافق دقات قلبها دعوات بالسلامة والحفظ من كل مكروه.”
و الطفلة “راما” التي بلغت العاشرة من عمرها لم تكن أقل شقاء، لأن أمها تركتها في عهدة بيت جدها بعد وفاة والدها، وتزوجت من رجل آخر وعن ذلك تقول: “فتحت عيني على الدنيا دون أب وأم، فقد توفي أبي منذ خمس سنوات، وتركتني أمي عند بيت جدي وتزوجت من رجل آخر، وزوجها لا يسمح لها برؤيتي، لذلك أشتاق إليها كثيراً، وأحن لوجودها إلى جانبي في عيد الأم، لأن جميع أولاد أعمامي يشترون لأمهاتهم الهدايا، ولا أستطيع أن أفعل مثلهم.”
في الوقت الذي يحتفل الكثيرون بعيد الأم تعيش آلاف الأمهات السوريات محاصرات بذكريات مؤلمة، ومشاهد جثامين أبنائهن لا تفارق مخيلاتهن، فوقفت أحلامهن على باب العيد دون أن يحمل هدايا لهن غير لوعة الفراق، ليصبح عيدهن عيداً لتفتح المواجع والآلام. 

*ناشطة إعلامية سورية مقيمة في الداخل السوري