في البدء كان أن الشعب يريد إسقاط النظام. حدث ذلك على أيدي أطفال درعا عندما أشعلوا شرارة البدء بالثورة السورية آذار 2011. لم يكن ممكناً أن يكون البدء إلا كذلك، بالضرورة والمصادفة معاً حين تجتمعان!
وكان لذلك الشعار صدىً كالسحر في الشارع السوري، منذ حملَه الأثير من أجواء تونس ومصر وليبيا إلى بلادنا المنكوبة خلال الأسابيع القليلة السابقة لبدء الثورة. ولم يكن ممكناً أن يكون المطلب غير إسقاط النظام. صحيح أن بعض الاعتدال قد دخل في الأيام التالية على الخط، عندما وضعت الحركة الشعبية مطالب ضد محافظ هنا أو ضابط أمن هناك، لكن ذلك كان مؤقتاً وعابراً.
لم يكن للأطفال الذين عاشوا أجواء “طلائع البعث”، ولا الفتيان الذين مروا في “شبيبة الثورة”، أو الشبان الذين أجبرتهم الحياة بقوانينها الطبيعية على الانخراط في “حزب البعث”، في فضاء خانق من الاعتقال والقمع والإرهاب والموت، لم يكن لأحد أن يقنعهم يومها ألا يطلبوا تجريف النظام من جذوره. لم يكن من السهل أبداً أن يعزلوا بين مطالبهم وضرورة الحفاظ على “مؤسسات الدولة” ولم يكن لديهم الوقت لتوضيح ذلك دائماً. تلك “الدولة” نفسها التي ما انفك أهل النظام يؤكدون بأنها “هم”، أو أنها “هي” الديكتاتور!
ذلك أمر واقع، إذ كان واضحاً منذ زمن بعيد أن النظام ورأسه يعيدان صياغة الدولة والبلاد، بطريقة لا يمكن الحديث فيها عن إصلاح ولا عن تصويب مسار أو تراجع عن النهج المقرر مسبقاً. في ذلك الجو وتلك الحال، توصلت المعارضة منذ زمن إلى أن “التغيير الجذري” هو المتاح والصحيح كشعار، وكان اسماً حركياً لإسقاط النظام. فيما يلي لا أناقش الجانب الثوري من الموضوع الذي لا يمكن إلا أن ينسجم مع ما طرحه أطفال درعا، بل الجانب السياسي، الذي ينبغي- كان ينبغي- أن يأخذ بالحسبان تركيبة النظام من جهة، وتعقيد موقع سوريا في المنطقة والعالم، وأيضاً تعقيد ومواصفات اللحظة المعنية بذاتها.
الخلط ما بين النظام والسلطة والدولة هو من موروثات الزمن السلطاني الذي ما زال موجوداً في الذاكرة الشعبية ومخزوناتها. شارك النظام في عملية الخلط هذه باعتباره بذاته وبالشرائح الاجتماعية التي اعتمد عليها، من أسرى تلك المخزونات المملوكية نفسها. حافظ الأسد وضع كتاب الأمير باباً باباً وصفحةً صفحةً أمامه(راجعوه!)، وكأنه “الأمير” المعني في البيئة المعنية حوله. ببساطة شديدة كان أنصار الأسد ومازالوا يقولون عن أنفسهم وقائدهم إنهم “الدولة”، وإن من يعارض الأسد عدو لهذه “الدولة”.
في الوقت نفسه وعلى النسق نفسه، تعاملت البنى الاجتماعية الثورية مع الأمر بحكمة مدنية في الأشهر الأولى للثورة، ثم انزاحت اجتماعياً وجغرافياً نحو نقاط تخزين تلك الموروثات السلطانية، التي لا تفرق أيضاً ما بين “السلطان” و”الدولة”، وخلق هذا جواً ممتازاً ما كان يحلم باكونين بمثله وبسرعة تخليقه وتعميمه. وللمناسبة، كان ماركس يؤكد أنه لا يختلف مع باكونين والفوضويين (الأناركيين) حول ضرورة مفهوم “إلغاء الدولة
 أو نهايتها، ولكنه لا يرى ذلك إلا في المستقبل البعيد حين تتغير النسج الاجتماعية السياسية الاقتصادية الثقافية بشكل نهائي وجذري، وهو الأمر الأكثر شبهاً بالحلم. في حين أن “الثورة” ينبغي أن تستخدم أدوات وآليات ووسائل الدولة نفسها، مع تعديلات ضرورية تشبه الحكومة الثورية الجديدة، أو لا تقف في وجهها على الأقل. لا يتطابق الأمر هنا مع مفاهيم أكثر حداثة، تؤمن بتعميق حياد الدولة، وخصوصاً ما يتعلق بأجهزتها التي تضمن تأمين احتكارها للعنف: الجيش وقوى الأمن الداخلي.
انعقد مؤتمر القاهرة منتصف عام 2012 في فترة هامة كانت موازين القوى تميل فيها بشكل واضح لمصلحة التغيير، وكان يمكن لذلك المؤتمر أن يشكل فارقاً وعلامة فاصلة بين النجاح والفشل، وبين النصر والهزيمة. آنذاك، اتفقت المعارضة السورية بالفعل بكل أطيافها على أوراق واحدة جامعة، يمكن أن تتبعها منطقياً عملية توحيد حقيقية وكبرى لقوى الثورة والمعارضة. ولكن سرعان ما تمّ إسقاطها بخطوات متعددة، كان آخر تعبير جليٍّ عنها ما حدث من رفضٍ لاعتماد وثائق القاهرة في اجتماع الدوحة لتأسيس “الائتلاف الوطني”، وتشجيع الرعاة لتمرير نصوص تلجم تسييس المعارضة، من خلال الرفض المجرد للعملية السياسية الذي نص عليه اتفاق تأسيس “الائتلاف”، وبإصرار من بعض قيادة “المجلس الوطني” الذي كان يحارب بشراسة من أجل تفخيخ الائتلاف بالنهج اللا سياسي نفسه الذي كان في الأساس سبباً لاستبدال المجلس بالائتلاف.. ومرة أخرى، بتمرير من الرعاة ومجموعتهم الجديدة في المؤسسة الجديدة.
بين عامي(2012 و 2015)، تمكن النظام من تعميم وتسويق مقولته من أن المعارضة تستهدف “الدولة” وتدمير مؤسساتها، وتمكنت المعارضة من تعميم المقولة ذاتها. وأصبح التطابق ما بين “إسقاط النظام” و”إسقاط الدولة” جزءاً عضوياً من أسس النظرة الدولية إلى المسألة السورية. ولم تتمكن بعض الأصوات الخافتة في المعارضة الرسمية من مواجهة تلك النظرة، حين كانت تنفي استهداف مؤسسات الدولة وتؤكد ضرورة الحفاظ عليها. تلك الأصوات كانت واقعة تحت مطرقة ضخمة من احتمال الاتهام بالمهادنة والليونة من قبل الأصوات الأعلى التي تطلقها الحناجر الحامية بنيران الثأر أو الإيديولوجيا.
كان العراق مثالاً معتمداً بشكل شبه رسمي دولياً لخطأ التعامل في تلك النقطة، حين تم حل الجيش وقوى الأمن واجتثاث حزب البعث أو حله بالنتيجة. وكانت نتيجة ذلك تفكيك الدولة بذاتها وتعميق تفكيك المجتمع بذاته، وغرق العراق في حالة هي مصدر خطر على الاستقرار في المنطقة والعالم لأعوام طويلة قادمة.
وهنا نصل أيضاً إلى مقولة “الاستقرار” المقبولة بقوة في السياسة الدولية، والنظام الدولي سابقاً ولاحقاً، وما يٌشتقّ منه من نظم إقليمية. في الشرق الأوسط حساسية خاصة انعكست على السياسة الدولية بعد الحرب الكونية الأولى حين تمت مواجهتها بمفهوم “الانتداب” لمنع تدهور هذا الاستقرار وتأهيل الدول الناشئة حتى تكون دولاً. ثم انعكست أيضاً وخصوصاً بعد الحرب الكونية الثانية بعد تقدم الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى الواجهة عالمياً، وبعد نموّ الضغوط التي تشكلها المسألة اليهودية واستفحالها ومشاريع حلها، وكذلك ظهور “بشائر” نفط الشرق الأوسط أيضاً.
أصبح ذلك المفهوم من مفاتيح السياسة الدولية، ومن مكامن هوسها حين تتعلق الأمور بالشرق الأوسط وشرق المتوسط خصوصاً. وكل ما جاء من دعم للربيع العربي، يمكن أن يتلاشى أو يهتز حين يرتبط الأمر بهذه المنطقة، فكيف بنا بعدما حدث في العراق؟! وكيف بنا أيضاً، بالمناسبة، بعدما حدث في ليبيا، حين أدى التدخل والعنف إلى تفكيك ذلك البلد ودخوله في نفق ما زال من الصعب التنبؤ بمستقبله حتى الآن.
جرت محاولة قوية، وربما عرجاء، من قبل فريق السيد ديمستورا في ربيع 2015، حين ابتدأ مشاوراته حول مشروع السلال الأربع -مكتوباً ربما باللغة الروسية- الذي يحاول التوفيق ما بين عمليتي الانتقال السياسي والحفاظ على مؤسسات الدولة. آنذاك حاول مكتب “المبعوث الدولي” الاستقواء على “الائتلاف الوطني” بتجميع أطراف عديدة وكثيرة من “المسار الثاني”، من مجتمع مدني وما يشبهه من قوى شبه سياسية أو سياسية، رمادية كما كانت صفتها الشائعة. واستطاع الائتلاف-مؤقتاً- اجتياز القطوع برفض تلك المشاورات من دون أن يتخذ موقفاً بالغ العداء للأمم المتحدة أو للعملية السياسية كما كان يريد “الغلاة” “في المعارضة أن يفعلوا. وكان هؤلاء يعتمدون على احتمالات تحقيق انتصارات عسكرية تنطلق من الغوطة الشرقية ربما وتهدد النظام بمركزه القريب منها. ولم يتم حساب احتمال التدخل الروسي لقلب الموازين بشكل حاسم فيما بعد. ولم يحسبوا أيضاً حساب إعادة تدوير المعارضة الرسمية جانبياً في “مؤتمر الرياض الأول”، ثم استمرارهم أيضاً بسياساتهم التي تستسهل الرفض المجرد ولا سيما حين يلاقي هوى وسياسات بعض القوى الإقليمية، بحيث لم يلبث “مؤتمر الرياض الثاني” أن قام بتعزيز مواقع الوفد المفاوض الذي يتعارض مع مركز القوة الذي كان يتصدر هيئة التفاوض الأولى.
بذلك كله لا تستطيع المعارضة، وهي لم تستطع، إقناع أحد بادعاءات بعضها أنها تريد الحفاظ على “مؤسسات الدولة”، ولا بأن شعارها حول “إسقاط النظام” لا يتطابق مع هدف آخر لإسقاط الدولة ذاتها، بإنهاء وتفكيك مؤسساتها. وكان مثل ذلك الموقف ممكناً فقط من خلال تعزيز “السياسة” في تمثيل سوريا المعارضة، ومن خلال ما كان يمكن أن يحدث في النصف الثاني من عام 2012، في ذروة قوة المعارضة وضعف النظام أمامها، بتطوير جسم المعارضة واتحادها ليس على النسق الذي حصل في الدوحة لاحقاً، بل بتوحيد قوى المعارضة ذاتها التي أنتجت مؤتمر القاهرة ووثائقه.. على عكس ما حدث مباشرة!
معارضة موحدة وقوية وذات وزن، كان يمكنها الإمساك بالدفة، وتحمل مسؤولية المواقف، وتحييد حتى شعار إسقاط النظام، من أجل إسقاط النظام!

*كاتب وسياسي سوري معارض

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments