الصفحة الرئيسية المدونة صورة اللاجئ

صورة اللاجئ

0

خضر الآغا*

عام 1943 نشرت الفيلسوفة الألمانية (حنا آرندت) مقالة بعنوان “نحن اللاجئون”، رسمت خلالها صورة للاجئ تبدو وكأنها -على نحو شبه حرفي- صورتنا جميعا كلاجئين (سوريين، عرب، أكراد، أفارقة، آسيويين) ومن كافة أرجاء الأرض. رسمت صورة اللاجئ في علاقته بالمكان المتروك (بلده، وبالمكان الجديد: البلد المضيف) صورته في علاقته مع نفسه ومع الآخرين من أبناء البلد الجديد (عزلته، انخراطه، تناقضاته) تطلعه الممزق بين بلد جديد يرفضه على نحو ما، أو غير قادر على الاندماج فيه لأسباب شتى من ضمنها النظر إليه كلاجئ مجرد لاجئ مهما أظهر من استعدادات ليكون مواطناً (جيداً)، وبين بلد تركه لأسباب قسرية من ضمنها أنه هرب من عسف سياسي. تهكمت “آرندت” على شخصية أسمتها السيد “كوهين” الذي أظهر أنه كان ألمانياً 150 بالمائة في بلده ألمانيا في نزعة وطنية فائقة، ثم أنه تشيكي 150 بالمائة، ثم نمساوي 150بالمائة في النمسا موطن لجوئه الثاني، ثم فرنسي150بالمائة في موطن هجرته الجديد فرنسا. ثم تقول بمرارة إن المرء “لا يمكن أن يكون شيئين في الوقت ذاته“. ولم يستطع السيد كوهين أن يكون كما أراد ولا مرة في البلدان التي لجأ إليها، كما لم يستطع ذلك في موطنه الأصلي، وذلك لأن تلك البلدان لم تشأ النظر إليه كمواطن مستقبلي بل كلاجئ.
خشي لاجئو “آرندت” دائماً من أن يتحدثوا عن مراكز الاحتجاز (كامبات اللجوء)، التي تم احتجازهم فيها تقريباً في “كل الدول الأوربية”، والتي تشبه المعتقلات لئلا يتم اتهامهم “بعدم الثقة في الموطن الجديد”، بل أكثر من ذلك عبر اللاجئون أنهم كانوا منفيين في بلدهم الأصلي وأنهم الآن يتعلمون، من موطنهم الجديد وفيه، قيم الإنسانية.  وقالوا إن الحكومة الفرنسية تصرفت بشكل سليم عندما وضعتنا في مراكز الاحتجاز! إذ كان يجب عليها فعل ذلك! مع هذا كان اللاجئون يخشون دائماً من أن يتم التعامل معهم؛ ليس بوصفهم “مواطنين مستقبليين” بل “أجانب معادين”.
“آرندت” تفسر انشغال اللاجئين بالحديث عن الماضي؛ في أنه تكمن في ذلك حقيقة إنسانية واحدة، وهي أننا نريد القول: “إننا كنا ذات مرة أشخاصاً يهتم بها الناس، وأننا كنا محبوبين من قبل أصدقائنا، وأننا كنا ندفع إيجارنا بشكل منتظم. وذات مرة كنا ندفع ثمن طعامنا وثمن تذاكر مترو الأنفاق من دون أن يقال عنا إننا أشخاص غير مرغوب بهم (…)، لقد صرنا هستيريين منذ أن (راحوا) يقولون لنا علناً بأن نكف عن أن نكون مزعجين وكريهين عندما نأتي إلى شراء الخبز والحليب… نحن نعجب كيف يمكن أن يحدث ذلك، فنحن حريصون إلى حد اللعنة في كل لحظة من حياتنا اليومية ،على تفادي أن يخمّن أي كان من نحن و(من أين نحن)…“.
عرضت الفيلسوفة لشاب كان الموطن الجديد له ينتظر منه أن يقبل بنوع معين من العمل، ليس عمله أصلاً وهو يقول بحرقة: “أنتم لا تعرفون من تكلمون، لقد كنت مدير قسم في كارشتات (مخزن كبير منتشر الآن في ربوع ألمانيا). يأس هذا الشاب دفعه لمراسلات شخصيات عظيمة كي تتم معاملته بوصفه إنساناً ذا كرامة. ثم صرخ: “لا أحد هنا يعرف من أكون”. ثم تقول آرندت:  “في هذا العالم المجنون أسهل أن يكون المرء مقبولاً (كرجل عظيم) من أن يكون كائناً إنسانياً”…
الفيلسوفة الألمانية تحدثت عن صور متعدد نفسية وسلوكية للاجئين على نحو يجعل تلك الصور تنطبق على جميع اللاجئين، الأمر الذي جعل الفيلسوف الإيطالي (جورجيو أغامبين) في العام (1993)، أي بعد خمسين عاماً من مقالة “آرندت” يقول إن صورة اللاجئ التي قدمتها “راهنية”، وجعلته يقوم بدراسة مستفيضة حولها، ويصل إلى استنتاجات نابهة وتؤكد على حقيقة لا نريد -لا نحن كلاجئين ولا العالم- أن نعترف بها أو نسمعها أصلاً، وهي أن ثمة خصاص مشتركة بين اللاجئين في أنحاء المعمورة. يدعو أغامبين أو يتوقع أن الأمم لن تبنى على تلك المقولة السياسية الراسخة: (الدولة أو الأمة). بل على ما صنعه اللاجئون في عمق تلك الدول، وهو مفهوم يمكن أن نوافق على تسميته بـ “المواطن العالمي”. ذلك الذي لا وطن محدداً له ولا دولة. فمفهوم (الدولة أو الأمة) مبني على أن الدول تنشأ على مفهوم الولادة، فيما اللاجئون لم يولدوا في تلك الدول، مع هذا فهم مواطنون حتى لو لم يعترف البلد الجديد بذلك، وقد استند الفيلسوف على مقولة آرندت: “اللاجئون طليعة شعوبهم”.
وبالعودة إلينا كلاجئين ندرك عمق وصحة تحليلات “آرندت” وملاحظاتها فيما لو قارنا، ولو عبر ملاحظات سريعة، بين صورتنا النفسية والسلوكية في بلدان لجوئنا وبين الصورة النفسية والسلوكية للاجئي آرندت، لوجدنا أنها كأنما تتكلم عنا نحن أيضاً!  هذا الاضطراب الذي يصيبنا من وصفنا بـ “اللاجئين”، وذلك السلوك اليومي الذي نحاول اتباعه؛ لنقول للبلد المضيف إننا سنكون مواطنين مستقبليين صالحين، وإننا كنا في بلداننا مفيدين ومهمين. نتذكر الكثير من المواقف “العنصرية” التي أبداها لاجئون سوريون تجاه شعبهم؛ لكي يقولوا للمواطنين في البلد المضيف إننا نتميز عن شعبنا ونعلوه رتبة! ثم بعد ذلك كفوا عن تلك التعبيرات المقيتة؛ عندما عرفوا إن الإنسان “لا يمكن أن يكون شيئين في الوقت نفسه”، وأن الموطن الجديد ينظر إليهم بوصفهم لاجئين، مجرد لاجئين بصرف النظر عن كل اعتبارات أخرى.
وقف أحد الشباب السوريين في أحد المراكز التي تجتمع بلاجئين في ألمانيا لتشرح لهم كيف تكون مواطناً صالحاً في ألمانيا؟ وقال: “عندما أتعلم اللغة بشكل جيد سأقول لكم من أنا، لغتي لا تسمح لي بشرح من أكون”. وأكمل بواسطة مترجم: “كنت أعمل في دمشق عملاً جيداً وأكسب من خلاله الكثير من المال، كان لدي سيارة وكنت عندما أشعر بالملل أذهب إلى صديق، ثم نذهب معاً إلى طرطوس نشرب قهوة على البحر ثم نعود إلى دمشق في اليوم ذاته”! الشاب لم يكن صادقاً كما أنه لم يكن كاذباً. كان مضطرباً، وغير متأكد من مستقبله. كان يريد إثبات ما لا يمكن إثباته. باختصار: كان لاجئاً. ثمة سلوك يومي يشعر اللاجئ أنه عليه اتباعه على مدار الساعة وهو نفي تهمة مسبقة وجاهزة وهي أن اللاجئ يمكن أن يفعل كل الأشياء من بينها: القتل، والسرقة والتحرش.
لم يختلف لاجئ حنا آرندت 1943، ولاجئ جورجيو أغامبين 1993 عن اللاجئ السوري 2019، أي بعد 76 عاماً! فهل يوجد “شعب اللاجئين”؟ من حيث أن للشعب خصائص وصفات مشتركة، تاريخاً ومصيراً مشتركاً؟ هل يمكن التفكير بـ “شخصية اللاجئ”، أو بـ “باراديغم اللاجئين”.
ثمة قصيدة لمحمود درويش أهداها لإدوارد سعيد اسمها “طباق” يقول فيها:
“أنا من هناك، أنا من هنا
ولست هناك ولست هنا
لي اسمان يلتقيان ويفترقان
ولي لغتان نسيت بأ يهما كنت أحلم
أنا المتعدد
في داخلي خارجي المتجدد
لكنني،أنتمي لسؤال الضحية! ”
هذه القصيدة ليست نهاية التفكير باللاجئ، بل بدايته.
*كاتب سوري

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments