الصفحة الرئيسية رأي وتحليل التحول الأمريكي بخصوص الجولان ومسؤولية النظام

التحول الأمريكي بخصوص الجولان ومسؤولية النظام

0

تشكّل الظروف والمعطيات الراهنة، سوريا وإقليمياً ودولياً، سواء من النواحي السياسية أو الأمنية، بمثابة فرصة سانحة للولايات المتحدة، ولإسرائيل طبعاً، لتغيير مكانة هضبة الجولان السورية المحتلة (1967)، عبر تكريس الأمر الواقع فيها، أي الاحتلال الإسرائيلي لها، وهو ما حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوله بإعلانه أنه حان الوقت للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الهضبة.
ما يدفع إلى كل ذلك أننا اليوم، أولاً، إزاء سوريا أخرى، بعد أن باتت خارطتها موزعة بين عدة أطراف، الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا وإسرائيل، وثمة صراع بين النظام وشعبه أو أغلبية شعبه، وهو بات نظام فاقد للسيادة بعد أن باتت إيران وروسيا تتحكمان بتوجهاته وبمصيره. ثانياً، على الصعيد الإقليمي (أي إضافة إلى الولايات المتحدة وروسيا) ثمة ثلاثة أطراف إقليمية تسعى لتعزيز نفوذها في هذا البلد المثخن بالجراح، أو المريض، وهي إيران وتركيا وإسرائيل، وكل واحد منهم يسعى لتوسيع أو تعزيز حصته، وهذا ما تحاول إسرائيل فعله. ثالثاً، على الصعيد العربي، لم يعد اليوم ثمة ما يمكن اعتباره نظاما عربياً، حتى من الناحية الشكلية، فقد انهار ذلك النظام، وتحول إلى وحدات أو محاور متضاربة ومضطربة، وتقف في مواجهة بعضها البعض، مع أفول مفهوم “الأمن القومي العربي”، وضياع مفهوم المصالح العربية المشتركة. رابعاً، ثمة توجه دولي لإضعاف أو تحجيم نفوذ إيران في المنطقة، بعد أن انتهى دورها، أو انتهى الاستثمار الأمريكي (والإسرائيلي) بها، بعد أن لعبت دورا كبيرا وأساسيا في تقويض البني الدولتية والمجتمعية في المشرق العربي، لاسيما في العراق وسوريا، الأمر الذي أفاد إسرائيل كثيرا. رابعاً، في الظروف الراهنة باتت إسرائيل بمثابة الدولة الأكثر استقرارا وازدهارا في المنطقة، والتي تربطها علاقات استراتيجية مع القطبين الكبيرين اللذان يتحكما بتقرير مصير سوريا، أي الولايات المتحدة وروسيا. خامساً، في تلك الظروف لم تعد إسرائيل مهتمة بعملية التسوية وفق معيارها التقليدي (الأرض مقابل السلام)، وهذا ينطبق على الولايات المتحدة، التي لم يعد تهمها صورتها المتوهمة، كراع نزيه وكطرف موثوق وكوسيط نزيه، في عملية التسوية، بقدر ما يهمها أمن إسرائيل ومصالحها، فهي حليفتها الاستراتيجية، لذا رأينا الولايات المتحدة أطاحت مرة واحدة بصورتها تلك، وذلك من خلال اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل ومحاولاتها تصفية قضية اللاجئين وتشريعها الاستيطان في الأراضي المحتلة وإغلاقها مكتب منظمة التحرير، ولا مبالاتها إزاء الطرف الفلسطيني في سعيها إقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل والأنظمة العربية.

في هذا الإطار يجدر التذكير بالنواحي المهمة الآتية:
أولاً، إن إسرائيل كانت تتطلّع دوما لضم هضبة الجولان، منذ احتلالها (1967)، وهي قامت بفرض القانون الإسرائيلي في الهضبة السورية المحتلة (1981)، قبل حوالي أربعة عقود، في سبيل ذلك، علما أن مساحتها 1800 كم2 (1 بالمئة من مساحة سوريا)، يعيش فيها الآن حوالي 40 ألف مواطن سوري.
ثانيا، الجولان منطقة استراتيجية مهمة، من الناحية العسكرية، بحكم هضابها المرتفعة، ومن ناحية ثروتها المائية (14 بالمئة من المياه الجوفية في سوريا)، وهي تذهب كلها لإسرائيل، وأيضا من الناحية الاقتصادية إذ إنها منطقة جذب سياحي في إسرائيل، وهذا ما يعزز طمع إسرائيل بها.
ثالثاً، واضح أن إسرائيل لا تدفع أي ثمن لاحتلال الهضبة، فهي أكثر جبهة هادئة بالنسبة لحدودها، مع الدول المجاورة، حتى أن عديد من المسؤولين فيها يتفاخرون بأنها أهدأ جبهة مع إسرائيل، إذ لم تطلق رصاصة واحدة على إسرائيل من هضبة الجولان منذ 1973 (حرب وكتوبر)، أي منذ 45 عاماً، ناهيك أن النظام كان ادعى سقوط الجولان، في حرب حزيران (1967) قبل أن تسقط عسكريا من الناحية الفعلية، ما عنى ذلك أنه تنازل عنها؛ ولعل هذا سبب تمسك إسرائيل ببقاء نظام الأسد، في ما يمكن اعتباره بمثابة قطبة مخفية في الصراع السوري، وهي تدخل في محاولة فهم الموقف الأمريكي إزاء النظام.
رابعاً، في حين أن إسرائيل تحتل الجولان منذ 52 عاماً، ورغم الاعتداءات الإسرائيلية المتوالية على مواقع النظام، بخاصة في السنوات القليلة الماضية، إلا أن النظام ظل يتمسك بمقولته عن الرد في المكان والزمان المناسبين، في حين تبيّن أنه إنما كان يعد جيشه لقتال شعبه لا لقتال إسرائيل التي تحتل أراضيه، وتهين كرامته وسيادته على أراضيه. صفحة الجولان السورية ستبقى إحدى الصفحات السوداء في سجل النظام السور

*كاتب سياسي فلسطيني

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments