ظروف الحرب وخاصة حملات القصف الممنهجة التي تتعرض لها أرياف حماة، حيث تكون المدارس هدفاً بذاتها في كثير من الأحيان، فرضت على قطاع التعليم في ريف حماة الغربي صعوبات وتحديات منها ما يمكن تجاوزها ومنها ما تكون خارجة عن سيطرة الكوادر التعليمية، وتتسبب في توقف العملية التعليمية ولو بشكل مؤقت.

وبالرغم من كل الظروف التي تشهدها المنطقة فإن العملية التعليمية مستمرة، ويتم تعليق الدوام في بعض الأحيان في حال تكثيف القصف من قبل قوات الأسد، وذلك حرصاً على سلامة الطلاب والكوادر التعليمية.

يتم التدريس في كافة المراحل التعليمية في مدارس “المجمع الغربي” في حماة، والتي تتبع جميعها إلى “مديرية تربية حماة الحرة”، باستثناء بعض التبعيات الجزئية حيث يتلقى بعض الموظفين رواتبهم من دوائر النظام، وتمنح مديرية التربية لطلاب المراحل الانتقالية والشهادتين الثانوية الإعدادية شهادات موثقة بحسب مستوى الطالب.

خالد الفارس مشرف “المجمع الغربي” يقول لــ “بوابة سوريا”: “في العام الفائت تلقى الطلاب المنهاج الدراسي بنسبة 100%، وبالرغم من وجود تفاوت بسيط في أعمار الطلاب بسبب فترات انقطاع بعضهم جراء النزوح المتكرر وعودتهم إلى صفوف قد يكونون فيها أكبر سناً من أقرانهم، إلا أن هذه المشكلة يمكن تلافيها من خلال المدرسين الأكفاء”.

ويتم تعيين هؤلاء المدرسين من خلال مسابقات علنية واختبارات بإشراف مديرية التربية، وبحسب الفارس فإن “المنهاج الذي يتم تدريسه هو المنهاج السوري بعد أن عملت لجنة مختصة في وزارة التربية على تنقيحه وتعديله، ونسبة 80% من المدرسين الذين يدرسونه هم جامعيون مختصون، في حين أن نسبة 20% منهم طلاب جامعيون لم يستطيعوا اكمال دراستهم الجامعية وبالتالي الحصول على الشهادة بسبب الملاحقة الأمنية لهم، كما أن 40% من المدرسين يقومون بعملهم بشكل تطوعي طيلة العام ولا يتلقون رواتب من أية جهة”.

يتسبب القصف وظروف الحرب بالكثير من حالات الإعاقة الجسدية أو الرضوض النفسية، وقد يترك المدرسة بعض من هم في سن التعليم الإلزامي من هؤلاء لأسباب متعددة.

يقول الفارس: “بالنسبة لذوي الاحتياجات الخاصة يوجد قسم في كل مدرسة يستقبل الأطفال منهم، إلا أن نسبتهم قليلة لا تتجاوز 5%، ويخضع المعلمون بين الحين والآخر لدورات خاصة للتعامل الأمثل مع هذه الشريحة على وجه الخصوص، وكيفية التعامل مع الأطفال بشكل عام في أوقات الأزمات والحروب، وتطوير قدراتهم على تقديم الدعم النفسي اللازم للطلاب الذين تعرضوا لصدمات نفسية بسبب النزوح أو ظروف الحرب بشكل عام، ويتم تقييم الاحتياجات لمثل هذه الدورات من قبل مديرية التربية، وللمنظمة الداعمة دور رئيس في تقديم تلك الدورات والمادة العلمية المعطاة”.

وتشكل موجات النزوح المتكررة وعدم الاستقرار الأمني بسبب تجدد استهداف قوات النظام لأرياف حماة بشكل دوري، تحدياً كبيراً قد يؤدي إلى إرباك العملية التعليمية والتأثير عليها بشكل سلبي:.

يقول عبد الفتاح عبيد مسؤول العلاقات العامة في “مديرية تربية حماة الحرة”: “تبلغ نسبة الطلاب النازحين في المدارس التابعة لناحيتي قلعة المضيق والزيارة حوالي 25% من إجمالي الطلاب، يعاملون كما يعامل الطلاب المقيمون ويلتحقون بصفوفهم، وفي حال كانوا منقطعين عن المدرسة يتم سبر معلوماتهم عن طريق لجان مختصة ومن ثم يتم إلحاقهم بالصف المناسب”.

ويضيف: “من خلال متابعة سجلات الدوام فقد تم تسجيل العديد من حالات التسرب، وتزداد هذه الحالات مع بداية كل موجة قصف جديدة بسبب النزوح المؤقت أو التخوف من استهداف المدرسة، كما أن من أسباب التسرب الفقر وصعوبة تأمين الاحتياجات اليومية للكثير من الأسر وبالتالي اضطرار الكثير ممن هم في سن التعليم إلى العمل لمساعدة عائلاتهم، عدا عن أن الكثير من العائلات التي فقدت معيلها وباتت تعتمد بشكل رئيس على الولد الأكبر والذي يفترض أن يكون على مقعد الدراسة أسوة بأقرانه، دوراً في ارتفاع عدد المتسربين”.

النصيب الأكبر من المعاناة على صعيد مشكلة التسرب ربما يكون في ريف حماة الشمالي الذي لا يكاد يعرف الهدوء والاستقرار، لكونه جبهة ساخنة قد تشتعل في أي لحظة.

عارف رحال أحد أولياء الأمور في ريف حماة الشمالي يقول لـ “بوابة سوريا”: “نعاني في منطقتنا من النزوح المستمر والتهجير بسبب القصف المكثف، وهذا ما يجعل المنظمات ترفض تنفيذ أي مشروع تعليمي في المنطقة، ما يؤدي بدوره إلى حرمان الأولاد من المدارس وخاصة من عمر 9 سنوات فما فوق، كما أثّرت هجرة الكادر التعليمي إلى مناطق أكثر أمناً أو إلى خارج سوريا بشكل كبير، ما ترك أطفالنا نحن الذين اضطرتنا الظروف للبقاء في تلك المناطق بلا تعليم، أو في حده الأدنى”.

مع بداية العام الدراسي الحالي عادت المدارس في كامل الريف الغربي إلى العمل بشكل جيد، بعد أن كانت المدارس العاملة قليلة وتعمل كواردها بشكل طوعي.

يقول عبيد: “في الفترة الأخيرة وبالتزامن مع عودة النازحين إلى الريف الشمالي من حماة تم تفعيل مدرسة في مدينة اللطامنة وخمسة مدارس في مدينة مورك، وكان للاستقرار الأمني دور إيجابي حيث ساهم في عودة النازحين وإعادة تفعيل المدارس المتوقفة عن العمل، كما قدمت بعض المنظمات الدعم للعملية التعليمية كمنظمة قبس التي دعمت أغلب المدارس في الريف الشمالي، ومنظمة مرام التي دعمت عدداً آخر، الأمر الذي قلل من نسبة التسرب وساعدت على عودة الأهالي إلى مدنهم”.

وبلغ عدد المدارس العاملة في المجمع الغربي لوحده 85 مدرسة عاملة في حين توجد اليوم 35 مدرسة متوقفة عن العمل، وهي مدارس تقع في ناحيتي القلعة والزيارة وتتبع لـ “مديرية تربية حماة الحرة” إلى جانب مدارس تعمل بوجود كوادر تتلقى رواتبها من مديرية النظام. ولم تسلم تلك المدارس من حملة القصف الأخيرة التي بدأت أوائل شباط إذ تم استهدافها بشكل مباشر.

يقول جمال خطاب وهو متطوع في منظمة “بنيان” لــ “بوابة سوريا“: “تضررت عدة مدارس في ناحية قلعة المضيق وخاصة في حملة القصف الأخيرة، وأكثرها تضرراً هي مدرسة عدنان الحاج حسين في قلعة المضيق، وربما تحمل محاولة ترميمها مخاطرة كبيرة، وكذلك مدرسة عبد المعين خير الله وثانوية أكرم الأحمد اللتين تعرضتا لأضرار خفيفة ومتوسطة يمكن ترميمها في حال عاد الهدوء إلى المنطقة”.

وبين خطاب أن “القصف امتد ليشمل مدرسة الحويجة في سهل الغاب، وثانوية الحويز التي تعرضت إلى قصف بقذائف المدفعية والهاون من الحواجز المحيطة بها (حواجز الرصيف والعزيزية وقبر فضة) لكن أضرارها كانت متوسطة، أما بالنسبة لمدرسة الحرية غربي الحويز فهي بحاجة لبعض الإصلاحات نتيجة استهدافها بالقذائف والرشاشات بسبب موقعها المقابل لحواجز النظام” مشيراً إلى وجود مدارس متوقفة عن التدريس في الوقت الذي تتابع أخرى عملها، “إذ ما تزال جميع المدارس في قلعة المضيق والحويز والحرية متوقفة بشكل كامل، أما في زيزون وقسطون فإن دوام المدارس متقطع تبعاً للوضع الأمني، بينما كان الوضع أفضل في شحشبو إذ عادت المدراس إلى الدوام اليومي المستمر”.

كما قامت “مديرية تربية حماة الحرة” بنقل مقر عملها من قلعة المضيق الساخنة إلى موقع آخر في جبل شحشبو، كي تضمن استمرار إقبال طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية على التسجيل لامتحانات العام الدراسي الحالي، وذلك بموجب مذكرة عممتها على الإعلاميين المحليين الأسبوع الماضي.

وعلى الصعيد اللوجستي، تفتقر المدارس إلى قاعات الاختبارات التقنية بحسب عبيد، إذ إن “دروس الحاسوب تقتصر على الشق النظري، فجهاز الحاسوب الوحيد في كل مدرسة مخصص للإدارة فقط، إن وجد، كما تفتقر المدارس أو وسائل التعليم المساعدة عدا عن حاجتها إلى الكهرباء لتعمل، وهي غير متوفرة في معظم المدارس”.

لكن هناك بعض المدارس التي تعمل بدعم خاص من بعض المنظمات مثل منظمات “قبس” و”مجد الشام” وتتوفر فيها ظروف أفضل لتحسن سير العملية التعليمية رغم محدودية انتشارها.

يقول أحمد العرعور مدير منظمة “مجد الشام” التي تدعم عدة مدارس في ريف حماة ومناطق النزوح: “عملنا في العام الدراسي الحالي على تفعيل مدرسة في اللطامنة للمرحلة الابتدائية تستوعب 350 طالب، ومدرستين في مورك من الصف الأول وحتى الثالث الثانوي وهي تستقبل حوالي 750 طالب”.

تصل نسبة النجاح إلى أكثر من 90%، وتصل نسبة التفوق إلى 5% بحسب إحصائيات مديرية التربية، على الرغم من الظروف الأمنية القاسية التي يعاني منها قطاع التعليم في حماة، وهي نسبة تبقى مبشرة نسبياً من ناحية درجة الإقبال على التعليم رغم كل شيء.

*مدير بوابة حماه

 

guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments