سونيا العلي*
يعاني السوريون في المناطق المحررة ودول اللجوء من صعوبات ومشاكل عديدة في استخراج الأوراق الثبوتية، كإخراجات القيد والبيانات العائلية وإثبات الشخصية وجوازات السفر والشهادات العلمية، حيث بات الحصول عليها أمراً معقداً ومكلفاً، فالكثير من السوريين ممن يحاول الخروج من سوريا بحثاً عن الأمان أو الدراسة أو العمل سيواجهه عقبة الحصول على جواز السفر أو بعض الثبوتيات التي ضاعت أو فقدت أو احترقت تحت أنقاض المنازل المدمرة.
“أيمن العبود” من معرة النعمان فقد هويته الشخصية بعد غارة حربية على منزله، ولم يستطع استخراج هوية بديلة وعن سبب ذلك يقول: “عدم امتلاكي هوية شخصية بات لعنة تلاحقني في تفاصيل حياتي، فقد أصبح كل مواطن معارض للنظام السوري محروماً من الأوراق الثبوتية لعدم قدرته على الذهاب لمناطق النظام، وغياب جهة محايدة معترف بها في المناطق المحررة قادرة على منح ثبوتيات بديلة، مما يحرم عدد كبير من السوريين من حقوقهم، ويجعلهم لا يملكون أبسط الأوراق الثبوتية، بسبب تمييز النظام السوري ضد كل من يعارض حكمه، ويحرمه من الانتماء لبلده .
المحامي “عبد الرزاق العوض” من مدينة إدلب يتحدث لـ “بوابة سوريا” عن مشكلة الأوراق الثبوتية قائلا: “بداية عام ٢٠١٢ قام النظام السوري بإغلاق دوائر السجل المدني في المناطق الخارجة عن سيطرته، وتحويل السجلات والوثائق الرسمية إلى مناطق سيطرته، وأجبر موظفي هذه الدوائر بالالتزام بالدوام في مناطقه، أو مواجهة الفصل من وظائفهم، الأمر الذي شكل عبئاً على المواطنين.
ويضيف “العوض”: بالمقابل لم تستطع الحكومة المؤقتة تعويض الأهالي رغم قيامها بعدة محاولات لإصدار وثائق شخصية، وسعيها لتوحيد تلك الوثائق بكل المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، وجوبهت مساعيها لكسب الاعتراف بهذه الوثائق بالرفض من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الرافض لأي وثيقة لا تصدر عن النظام السوري .”
ويشير “العوض” لوجود أمانات للسجل المدني في المناطق المحررة توثق واقعات الزواج والطلاق إضافة إلى الميلاد والوفيات، ولكن دون اعتراف من الحكومة أو من دول الجوار، علماً أن تلك المكاتب تواجه صعوبات عديدة من قلة إمكاناتها وعجزها عن تأدية عملها بشكل كامل، وحاجتها لمعدات من طابعات وحواسيب وكهرباء، وكوادر تعمل على تلبية احتياجات المواطنين .
كذلك حال السوريين في بلدان اللجوء الممزقين بين بلد في حالة حرب، وبلد لجوء يفرض قيوداً مشددة على تواجدهم على أرضه، تزامناً مع استمرار نظام الأسد بعدم منحهم أوراق ثبوتية، مما يهدد مستقبل أولادهم بعدم الحصول على أي جنسية، مع عدم قدرة الائتلاف والأمم المتحدة على إيجاد حل لهذه المشكلة، فبات آلاف الأطفال السوريين المولودين حديثاً في بلدان اللجوء لا يملكون أوراق ثبوتية بما فيها جواز السفر، ما شكل عائقاً كبيراً لدى الأهالي، وجعل موضوع سفرهم من بلد إلى آخر مستحيلاً، فمثلاً في لبنان يفتقر معظم اللاجئين السوريين إلى إقامات قانونية من الحكومة اللبنانية مما عرقل الاعتراف بسورية أبنائهم المولودين على الأراضي اللبنانية، ليصبحوا مجرد أسماء بلا جنسية في مفوضية اللاجئين .
ابن مدينة سراقب بريف ادلب “محمود الكردي” الذي لجأ إلى تركيا يتحدث لـ”بوابة سوريا” قائلاً: “آلاف السوريين المتواجدين في تركيا لا يملكون جوازات سفر نتيجة دخولهم بشكل غير نظامي، و رفض نظام الأسد تجديد جوازات السفر للعديد من الأشخاص المطلوبين أو المتخلفين عن خدمة الجيش في الداخل، ما يجعل استخراج بيان ولادة لأي طفل، ومن ثم استخراج جواز سفر أمراً مستحيلاً .”
ويبين “الكردي” بأنه رزق بطفل بعد سفره وزوجته إلى تركيا، وعجز عن استخراج جواز سفر له، وبالتالي لم يعد بإمكانه مغادرة تركيا أبداً، ولم يعد بإمكانه سوى القيام بتسجيله في النفوس التركية بعد الحصول على بيان ولادة، وهذا كل ما استطاع فعله  .
ويردف الكردي: “السبيل الوحيد لأي معاملة حكومية هو القنصلية الوحيدة في اسطنبول، لكن استخراج أي ورقة منها يكلف مصاريف كبيرة، فاستخراج جواز سفر مثلاً من الممكن أن يستغرق سنة كاملة، وتصل كلفة استخراجه إلى (٢٠٠٠ دولار)، إضافة لتعاون موظفي القنصلية مع السماسرة مما يرفع قيمة التكلفة أيضاً، كما يشدد نظام الأسد الشروط الأمنية، ويفرض إجراءات للتحقق من أن المتقدمين بالطلبات غير متهمين بمعارضته .”
والجدير بالذكر أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تشير إلى أن ٧٠ بالمائة من الأطفال السوريين المولودين في السنوات الأخيرة محرومون من حق التجنيس لأنهم لا يملكون شهادة ميلاد رسمية، مما يحرمهم من الرعاية الصحية والتعليم والحصول على الوظائف مستقبلاً.
أمام هذه الظروف نشأت مكاتب التزوير والأسواق السوداء لبيع الأوراق الثبوتية وجوازات السفر المزيفة أو المسروقة، كما توسعت هذه الأسواق لتتخطى احتياجات السوريين فشملت طالبي اللجوء من دول مختلفة أرادوا الاستفادة من باب اللجوء الإنساني، الذي فتح أمام المواطنين السوريين، كما استغل عدد من التجار والمزورين حاجهم، لتصبح سوق التزوير سوقاً مزدهرة لاستخراج الثبوتيات المزورة أو النظامية عن طريق دفع الرشاوى، وتمرير بعض المعاملات بوساطة بعض موظفي النظام، وبات لكل هذه الأوراق والمعاملات أسعاراً رسمية يتنافس عليها هؤلاء التجار وبالعملة الصعبة .
المواطن “عبد الله الشيخ ” من ريف إدلب دفع مبلغاً كبيراً لتثبيت معاملة زواجه لدى دوائر نظام الأسد وعن ذلك يقول: “أنا متزوج منذ خمس سنوات بعقد شرعي، وقد رزقت بطفلين، دون أن أتمكن من تثبيت زواجي باعتباري مطلوب للأفرع الأمنية بسبب مشاركتي في المظاهرات السلمية منذ بداية الثورة، لذلك لجأت إلى أحد موظفي النظام الذي تقاضى مني مبلغ (٨٠٠ دولار أمريكي) مقابل تثبيت زواجي ومنحي بطاقة عائلية .”
بينما “أبو محمد” من ريف إدلب الذي  يعمل كسمسار ووسيط لتسريع سير المعاملات المطلوبة ضمن مديرية النفوس في مدينة حماة يتحدث لـ”بوابة سوريا” عن الصعوبات التي فرضها نظام الأسد على مستصدري الأوراق الثبوتية بقوله: “يعمل النظام على تضييق الخناق على معارضيه، حيث أصبح الحصول على بدل ضائع ليس بالأمر السهل، فضلاً عن الرقابة الأمنية المشددة التي يفرضها على دوائر الأحوال المدنية، كما يرفض النظام استصدار أوراق بديلة للمطلوبين الأمنيين .”
الحصار على مناطق المعارضة لم يعد يقتصر على الغذاء والدواء، بل وسعه النظام ليشمل كل نواحي الحياة، بما في ذلك حق السوريين في الانتماء لبلدهم، ليواجه أطفالهم مستقبلاً مجهولاً ويعيشوا دون قيود أو وثائق مصدقة تثبت أنهم سوريي الجنسية على الأقل .

*ناشطة إعلامية سورية مقيمة في الداخل السوري