الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء في بعض دلالات القول الديمقراطي السوري

في بعض دلالات القول الديمقراطي السوري

دمر السليمان*

خلال اجتماع ضم ممثلين عن عدد من القوى السياسية السورية “الديمقراطية” المعارضة، الطامحة إلى تنسيق العمل فيما بينها، وصلت هذه القوى إلى لحظة ضرورة تشكيل لجنة بهدف إنجاز إحدى المهام المتعلقة بهذا الهدف، ووقف المجتمعون حائرين أمام الآلية التي سوف يتم اعتمادها لتشكيل هذه اللجنة. تقدم أحد المشاركين باقتراح اعتماد أسلوب القرعة، الأمر الذي أثار تحفظ البعض وتهكم أغلبية المجتمعين.
يثير هذا الاقتراح فضولاً وتساؤلاً كبيرين، وقد يستدعي العودة إلى الخلفية والجذر التاريخي لهذا الاقتراح وما إذا كان اعتماد هذا الأسلوب ناجعاً في حالة مثل حالة الاجتماع السوري المذكور لقوى المعارضة وغيرها من اجتماعات أم أنه شكل من أشكال العبثية. وبالعودة إلى جذور وأماكن تطبيق هذا النوع من الاختيار، يفاجأ المرء بأن “القرعة” قد اعتمدت كأحد أسس تشكيل مؤسسات النظام الديمقراطي في اليونان القديمة، وأن منظر الثورة الفرنسية (جان جاك روسو) قد اعتبر أن النظام التمثيلي، والذي نعتبره ديموقراطياً، ليس سوى نظام أرستقراطي يُنتج “نظاماً فوقياً متعالياً”، وقد ميز “روسو” بين شعب حر يقوم بصناعة قوانينه بنفسه، وبين شعب يختار ممثلين عنه لكي يقوم هؤلاء بهذه المهمة. كما أن سييس وهو أحد فلاسفة الفكر السياسي الفرنسيين، فسّر نشوء النظام التمثيلي من خلال مبدأ تقسيم العمل الذي فرضه نشوء النظام الرأسمالي مع بداية الثورة الصناعية، بسبب الحاجة إلى نشوء فئة مختصة في العمل السياسي ونتيجة تعقد ملامح الحياة الاجتماعية التي يشكل العمل السياسي أحد أهم سماتها، عبر العلاقة بين الحدث السياسي وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع، والقانون.
كل هذه المقدمات تعطي المشروعية للعودة إلى جذور ظاهرة “القرعة” كشكل من أشكال الاختيار في القطاع السياسي، سواء من حيث الآلية أو من حيث النتائج المترتبة على هذا الاختيار، وهي ليست دعوة لتطبيق هذا الأسلوب أو ذاك في ممارساتنا السياسية كقوى معارِضة، ولكن من أجل أن يبقى الأفق الديموقراطي، خلاقا وقادراً على خلق إبداع جديدة في الآليات السياسية خصوصاً، وفي مراجعة ممارستنا التي من المفترض أن تكون ديمقراطية.
النظام الديمقراطي في اليونان القديم
عادةً، يتم اعتماد تسمية “الديموقراطية المباشرة” لتمييز النظام الديمقراطي الأثيني، وهو المفهوم الذي سوف نبين مدى عدم دقته، ذلك أن “المجمع” الذي يفترض أنه يضم كافة المواطنين الأثينين لم يكن يمسك بكامل السلطة، وكانت هناك العديد من العمليات السياسية ذات الطابع التنفيذي والاداري التي توكل إلى جملة من الهيئات السياسية، كان يتم اختيار جزء من أعضائها عبر الانتخاب، والجزء الأكبر عبر “القرعة” التي كانت تتم عبر معايير معينة وليس بشكل اعتباطي كما يحلو للبعض أن يتصور.
ويشمل النظام السياسي الأثيني إلى جانب “المجمع” الهيئات السياسية التالية:
أ- الهيئة التنفيذية: تضم (700 مواطن) يتم اختيار 600 منهم عن طريق “القرعة” من بين المواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 30 عاماً، ويتم تجديد أعضاء هذه الهيئة كل سنة، ويحق لكل مواطن تقديم ترشيحه لهذه الهيئة ولكن لا يحق للمواطن الموجود في هذه الهيئة الترشح لسنتين متتاليتين. ويمكن لكل مواطن أن يطلب تعليق عضوية أي شخص موجود في هذه الهيئة ومحاسبته أمام “المجمع”،  وهذا الوضع كان يجبر كل مواطن على توخي الحذر إذا قرر تقديم نفسه كمرشح.
ب- مجلس الشيوخ: يتم اختيار أعضاء هذا المجلس عن طريق “القرعة” أيضاً من بين المواطنين الذين تزيد أعمارهم عن 30 عاماً، ويتم تجديد أعضاء هذه الهيئة كل سنة، وتتمثل المهمة الرئيسية له في جمع المقترحات القانونية المقدمة من قبل المواطنين، ثم إعداد هذه المقترحات لعرضها أما “المجمع”
جـ – الهيئة القضائية: تتكون من (6000 مواطن) ممن تزيد أعمارهم عن 30 سنة وتكون ولاية الهيئة سنة واحدة، ويتم اختيارهم جميعاً عبر “القرعة”، ويمارس هذا المجلس مهمة الرقابة على السلطة التنفيذية، وفض النزاعات بين المواطنين، ويمكن لأي مواطن الطعن في قرار هذه الهيئة أمام “المجمع”. ثمة هيئات أخرى تلعب فيها القرعة دوراً رئيساً أيضاً، ويمكننا أن نلاحظ مما سبق بأن المجتمع الأثيني كان يدرك مخاطر القرعة كطريقة للاختيار من خلال المعايير التي تحكم اختيار المرشح عن طريق القرعة، وعن طريق الآليات التي ابتكرها اليونانيون لتفادي هذه المخاطر.
ومن الممكن رصد جملة من النتائج المترتبة على هذا النمط من الاختيار، والتي من المرجح أن يكون أهمها هو القدرة والإمكانية الدائمة لمراجعة القوانين والقرارات التي يتم إقرارها في هذه الهيئات من قبل أي مواطن، وإمكانية أن يترشح أي شخص ليشغل مكاناً في إحدى هذه الهيئات -مع الأخذ بعين الاعتبار محدودية فترة وجوده– يفرض بأن تتوفر لدى المواطن درجة معينة من المعرفة المسبقة في طبيعة المهام التي سوف يقوم بها، ولاحتمال تعرضه الدائم لإمكانية المساءلة من قبل أي كان، بالإضافة إلى أن المعرفة الدائمة باحتمالية تبادل الأدوار التي تفرض على الجميع التفكير بعقل الآخر، ويتيح إمكانية بناء المواطن الذي يدرك آلية وأسباب اتخاذ القرارات وكيفية تطبيقها، ويمكن أن نضيف في هذا السياق ما قدمه الفيلسوف أرسطو حول معيار “المواطنة”، بأنه ليس فقط الشخص الذي يطيع القوانين و ينصاع لها بسهولة، بل هو أيضا من يمتلك القدرة على أن يقترحها ويطبقها أيضاً على الأخرين، آخذا بالاعتبار احتمال أن يطبق القانون عليه.
إن التساؤل حول درجة ودقة تعريف المجتمع الأثيني بكونه “مجتمعاً ديمقراطياً”، هو تساؤل يمتلك كامل المشروعية انطلاقاً من كون المجتمع الأثيني لم يكن يعتبر المرأة تمتلك الحق في المشاركة في الحياة العامة، ولكونه كان مجتمعاً يشرعن وجود العبودية، لكن نستطيع أن نعتبر أيضاً أن درجة الحرص على المساواة والعدالة بين مجموعة ليست بالقليلة في هذا المجتمع (40000 عدد المواطنين الذين يحق لهم التواجد في المجمع) هي فرصة لأخذ عينة بؤرية قابلة للفهم والتحليل والاستفادة.
لا يهدف العرض السابق إلى التسويق أو الدفاع عن القرعة كأسلوب أختيار، بقدر ما يهدف إلى ضرورة مراجعتنا الدائمة لمعايير ادعائنا وتبنينا للديموقراطية، مع إدراكنا بأن قضية المواطنة في عصرنا الراهن تشكل تحدياً كبيراً لكونها قد تتطلب درجة من المعرفة ليست باليسيرة حول الكثير من القضايا من أجل القدرة على اتخاذ موقف منها.
وبالعودة إلى الواقع السياسي للمعارضة “الديمقراطية” السورية، وبناء على المعايير آنفة الذكر، يبدو أن عدم الاعتراف المتبادل وعدم التقدير الحقيقي، وعدم تلمس الجميع للجميع كسوريون أولا قبل كل شيء، هو ما حكم وما يزال يحكم الممارسة السياسية الحالية، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في الأداء ضمن القطاع السياسي، وخصوصاً إذا سلمنا بأن الديمقراطية هي تجسد للحرية في هذا القطاع، وهي ممارسة قابلة للتغير والتطور عندما يكون هدفها الحقيقي صون حقوق الجميع بالمعرفة وتجسيد هذه المعرفة على أرض الواقع، آخذين بعين الاعتبار بأن نظاماً مثل النظام الكوري الشمالي يدعي الديمقراطية أيضاً.

*كاتب وباحث سوري