أليمار اللاذقاني*

الطاقة شريان الحياة الرئيسي، وبغيابها تبدو الحياة شبه مستحيلة بدءاً من العمل لتأمين لقمة العيش وصولاً إلى القدرة على تأمين الحاجات الأساسيّة. وما إن تلوح إحدى أزمات الطاقة في سوريا من بعيد حتى يبدأ الناس باتخاذ التدابير التي من الممكن أن تخفف عبء الأزمة قليلاً، ومن ثم تبدأ مفاعيل الأزمة بالتطور إلى أن تصل إلى حالات قصوى.

يعتمد السكان في الساحل على مادة المازوت لتسيير مركبات القطاع العام من باصات النقل الداخلي وباصات الخدمة الصغيرة (السرفيس) التي تعمل على ربط المدن الساحليّة ببعضها، كما تربط القرى والبلدات بهذه المدن، كما يعتمد قطاع نقل البضائع التجاريّة البريّة على المازوت أيضاً، إلى جانب الحاجة إليه للتدفئة في فصل الشتاء. وتعتبر الجبال الساحليّة من أشد المناطق برودة في سوريا، وهي مناطق اعتمد سكانها منذ بداية الثورة على أخشاب الأحراج للتدفئة، قبل التصحر الكبير التي شهدته.

أمّا سكان المدن الساحليّة فيعتمدون على الكهرباء المنزليّة ومدافئ الغاز إلى جانب المازوت، نظراً للدفء النسبي لهذه المناطق، كما تمكنهم الكهرباء المنزليّة في حال توفرها من الاستعاضة بها عن الغاز المنزلي لحاجات المطبخ. هكذا، يبدو جليّاً كيف تتراكب أزمات الطاقة وكيف لفقدان مصدر معين من الطاقة أن يؤدي إلى استهلاك أكبر من المصادر الأخرى.

أزمات الطاقة بعد اندلاع الثورة

عانت سوريا أزمات محدودة في الطاقة الكهربائية منذ عام 2005 حين كان النظام يصدر النفط، وتمحورت المشكلة الرئيسيّة حينها في عدم قدرة النظام على صيانة محطات التوليد بشكل جيّد نتيجة العقوبات الأمريكيّة. ثم شهدت السنوات القليلة التي سبقت الثورة تحسناً واضحاً واختفاءً لهذه المشكلة، إلا أن السنة الثانية للثورة حملت معها أولى موجات أزمات الطاقة التي ارتفعت إلى مستويات أعلى في عامي 2014 و2015، و”استقرت” الأزمة على مستوى مرتفع نسبيّاً عام 2016 لتشهد في عام 2017 تحسناً على هذا الصعيد، حيث توفرت معظم مصادر الطاقة في ذلك العام، ثم عادت الأزمة من جديد وعلى أشدها في شتائي 2018 و2019، وعاد التقنين 3/3 و 4/2، أي أربع ساعات قطع للتيار مقابل ساعتين، لتصبغ كامل شتاء 2019 بأزمة طاقة مركّبة من العيار الثقيل، أدت لفقدان مؤيدي النظام إحساسهم العام بــ “النصر”.

لم يصل النظام إلى نقطة الإفلاس التام، حيث استطاع، عبر سنوات الحرب، توفير حدود دنيا من المازوت وساعات الكهرباء وأسطوانات الغاز. ويترنح المجتمع تحت وطأة أزمة شديدة مع بقاء قدرة النظام على ضبط هذه الأزمة وعدم انتشار مظاهر فوضى مقلقة بالنسبة إليه، إذ أدى ذلك إلى تبعات معيشيّة على معظم الناس، الأمر الذي لا يعطيه حلفاء النظام أهميّة بالغة، ففي مثل هذه الحالات يقوم حلفاء النظام بمدّه بكميّات تكون قادرة على الإبقاء عليه لا على حل المشكلة.

أزمة الطاقة الحالية: بدايتها وتفاعلاتها

بدأت أزمة الطاقة هذا العام بالظهور في وقت متأخر نسبيّاً، ففي السنوات السابقة كانت مفاعيل الأزمة تبدأ بالظهور مع قدوم فصل الشتاء وازدياد الطلب على المازوت والكهرباء، وتنتهي بحلول الربيع. لكنها لم تبدأ هذا العام إلا مع قدوم شهر كانون الأول، أي بتأخر شهرين، وبدأ تقنين التيار الكهربائي والنقص الشديد في عبوات الغاز المنزلي، وبقيت محطات التزود بالوقود توزع المازوت على المركبات باستخدام البطاقات الذكيّة، وتم تحديد مائة ليتر لكل عائلة للتدفئة، ما جعل مادة المازوت تصمد لشتاء كامل، قبل أن تعود كأزمة منذ بداية شهر آذار 2019، وأخذت طوابير الانتظار خارج المحطات تطول وتطول.

ما تزال أزمة الطاقة في أعلى مستوياتها اليوم، وهذا هو العام الأول، منذ انطلاق الثورة السورية، الذي تمتد فيه أزمة الطاقة حتى شهر آذار، إذ إن الدفء النسبي وارتفاع درجات الحرارة يوفر الكثير على صعيد الطاقة الكهربائيّة (في مثل هذه الشهور يتوقف الأهالي عن تشغيل مدافئ الكهرباء والمازوت والغاز، ولا يتطلب الأمر تشغيل المكيفات) ما يعطي فسحة تمتد لقرابة الأربعة أشهر حيث تبدأ موجات الحر الشديد ويبدأ الناس بالاعتماد على المكيفات وليعود الضغط من جديد على الطاقة الكهربائيّة.

هذا ماجرت عليه العادة في السنوات السابقة، إلّا أن امتداد الأزمة لهذا العام ينبئ بأزمة مديدة قد تكون العقوبات الأمريكيّة على إيران وروسيا سببا رئيساً بها على صعيد صعوبة استقدام موارد الطاقة، أو استثمار الآبار النفطية وحقول الغاز في سوريا.

أحراج الساحل السوري

تحوّل سكان الريف إلى الأحراج منذ العام الثاني لانطلاق الثورة السوريّة وذلك لتأمين الحطب للتدفئة، كما قام قسم آخر باستغلال الانفلات الأمني وسطوة الميليشيات المسلحة، للقيام بعمليّات التفحيم التي تعدّ خطراً أكبر يهدد الأحراج والغابات بالزوال، حيث اختفت غابات بأكملها، وتحولت الكثير من الجبال الخضراء إلى جبال جرداء. وتعد غابات مصياف وغابات كسب والفرلّق من أكثر الغابات تضرراً، حيث اختفت مساحات واسعة من الغابات خلال سنوات الحرب، مع غياب كامل لأجهزة النظام.

وحول هذا الموضوع قال لنا (ه. ج) وهو أحد أهالي قرى القدموس الباردة جداً والتي تصل مدة فصل الشتاء فيها إلى سبعة أشهر: “لم يحدث الكثير للأحراج في البداية، لكنّ فُقدت مادّة المازوت لاحقاً وارتفعت الأسعار كثيراً، ولم يكن لدينا سوى خيارين: إما الموت برداً أو اللجوء إلى هذه الأحراج التي تطوقنا من كل حدب وصوب، فانطلقنا للأحراج نقطع الحطب، وبدأ الناس ينظمون عمليات القطع والنقل، وأخذت صعوبة الحصول على الخشب تزداد عاماً تلو الأخر وبدأت الأشجار تندر، إلى أن اختفت هذه الأحراج بالكامل وتحولت جبالنا إلى جبال جرداء”.

ويبين (هـ ج) أن ما حصل لم يكن بسبب الحاجة إلى التدفئة، بل بسبب عمليات التفحيم، “فالحطّاب يقطع الأغصان الكبيرة ويترك خلفه الأغصان الناعمة، ويقطع الأشجار الكبيرة ويترك الجنبات الصغيرة التي ستكبر بعد خمسة أعوام أو أكثر، لكنّ الفحّام سيقطع كل ما هو أمامه وسيركز على الأغصان الناعمة لأنها تباع  بسعر أعلى (فحم للنرجيلة أغلى من فحم الشواء)، لذا وعبر خمس سنوات من القطع الجائر اختفت الأحراج بشكل كامل وربما نحتاج عشرين عاماً كي تعود إلى ما كانت عليه”، مشيراً إلى أن معظم القرويين انغمسوا في عملية “التفحيم” نظراً لغلاء الأسعار ونضوب الموارد، فكان الفحم مصدر العيش الوحيد للكثير من العائلات، ومنهم أولئك الذين كانوا يقاتلون مع المليشيات وتركوها، وهناك من استفاد وأثرى من هذه التجارة، وهم بالطبع ليسوا من أبناء القرى الفقراء.

ردود أفعال الأهالي

في ظل الحرب وفي سنوات اشتداد المعارك، وجد النظام مبررات كثيرة أمام مواليه لوجود أزمات الطاقة والأزمات المعيشيّة والاقتصاديّة، لكن بعد الحديث عن “النصر” والتشدّق فيه، أصبح من الواضح عجز هذا النظام عن تأمين الحاجات اليوميّة لهم، وأصبحت أزمة الطاقة اليوم من الأحداث التي تشكّل مع أحداث سابقة عليها حالة تضع “هيبة النظام” على المحك لديهم.

يقول (ع.ك): “إذا أردت الحصول على أسطوانة غاز بسعر 5000 ل.س فستجد الكثير، وإذا أردت الأسطوانة بسعرها الحقيقي (2650 ل.س) فلن تجدها مطلقاً، وإذا انتظرت على الدور لشهرين واشتكيت وبكيت على أبواب مسؤولي البعث الذين تولوا أمر التوزيع وعلى أبواب هيئات التموين، فستحصل على العبوة بثلاثة آلاف ليرة مع الكثير من المنّة من الرفاق البعثيين وموزعي الغاز ومسؤولي التموين. كلهم فاسدون، دولة البعث هي دولة الفساد، البعث صار يعني الفساد بالنسبة لنا، والعدل أصبح ميتاً بالنسبة للجميع”.

تبدو أزمة الطاقة ظاهرة مركزيّة في بنية النظام الحاليّة، إذا إنها تعدت كونها عارضاً من أعراض الحرب مع الثروات الهائلة التي يرسو عليها النظام واستباحة دول التدخل لهذه الثروات. هكذا، تصبح سوريا أضحية تقدم بالكامل لوحوش الخارج الذين لن يتركوا لشعبها حتى العظام.