حاوره: نور الدين الإسماعيل*

“زيتونة لا شرقية ولا غربية، آدمية سمراء معروقة، تبوح لها بكل مواجعك، فإذا ما انتهيت نطقتْ وأضاء قولها، وروت لك تاريخ آلاف السنوات التي عاشتها ومرت عليها وهي صامدة في أرضها تأبى الهزيمة والنزوح. تلك الزيتونة اسمها: عبد العزيز الموسى!” هكذا وصف الكاتب الصحفي محمد السلوم الروائي عبد العزيز الموسى.

ولد الكاتب الروائي عبد العزيز الموسى عام 1946 في مدينة كفرنبل التابعة لمحافظة إدلب، وعمل بداية حياته مدرساً لمادة الفلسفة في ثانوية المدينة التي كانت بلدة في تلك الأيام. له تسع روايات مطبوعة، منها “اللقلق”، و”عائلة الحاج مبارك” التي فازت بالمركز الثاني في “مسابقة نجيب محفوظ للرواية العربية”، و”الجوخي”، و”جب الرمان”، و”كاهن دورا” التي فازت بجائزة “مجلة دبي الثقافية”، و”مسمار السماء”، و”بنت الشنفراني”. بالإضافة إلى روايات أخرى لم تطبع.

التقت “بوابة سوريا” مع الروائي عبد العزيز الموسى وأجرت معه الحوار التالي:

  • حبذا لو تعرفنا على البدايات في كتابتك الروائية.

* بدايةً، الأرض والناس يشكلان المكون الأساسي للعمل الروائي، مضافاً لهما الأنواء المزاجية، فالناس ليسوا أنبياء وليسوا أشراراً وفي كل شخص نبي وشرير.

بالطبع، كان لنهم القراءة منذ المرحلة المتوسطة في المعرة دور كبير، فقد أنهيت الأدب الروسي تقريباً، وأعتمد على مكتبات عامة وعلى ما يزودني به الأصدقاء من كتب ونصوص. تعرفت على الأدب العربي أثناء وجودي في الجزائر باستثناء نجيب محفوظ، ثم الأدب العراقي مؤخرأ بعد الأدب اللاتيني، فضلاً عن قراءات فكرية ودينية حسب المناخ.

فكرت بكتابة أول رواية في بداية الثمانيات، وبعد عشر سنوات نشرتُ ثلاث روايات هي “عائلة الحاج مبارك” و”الغراب الأعصم” أو “اللقلق”، و”بغل الطاحون”، وسبق لي أن كتبت الرواية أيضاً على شكل كتابات طيارة يومية غالبها منفعل ومزاجي، وهي أشبه بوجهات نظر وخواطر مجموعة عندي في دفاتر لا تحمل عناوين، بل انطباعات متحركة يومياً.

  • أنت ابن بيئة ريفية. هل أثرت هذه البيئة على كتاباتك؟

* طبعاً. البيئة منجمٌ ثرّ لوصف التحولات الزراعية والطبيعية وأهواء البشر، ويظهر تأثيرها بشكل أكبر في “جب الرمان” حيث الطبيعة الرائعة التي تتوثب في كل سطر، وفي “الغراب الأعصم” و”الجوخي” أيضاً، حيث حياة الناس وعلاقاتهم وأرضهم وسماؤهم. والبيئة أحياناً مربط الفرس عند الانتقال من حال إلى حال، ويتبدى ذلك في رواية “بنت الشنفراني” التي ترصد أكثر من مائة صفحة منها معاناة الفلاح وبؤسه ودوراته الموسمية وردود أفعاله. بدون البيئة الزراعية والطبيعة ليس ثمة رواية عندي.

  • كيف كانت علاقتك بالنظام قبل الثورة؟

* لم أكُ “دمثاً” في كتاباتي قبل الثورة وبعدها، ويصفونني بــ “المشاغب”، ولهذا لم يطبعوا لي ولم يوافقوا أصلاً على طباعة أعمالي، وكنت أتحايل وأغيّر العناوين ولكن دون جدوى، رغم إعجاب القرّاء أحياناً بالمادة. مثلاً، قدّمت رواية “جرجرة” للحصول على موافقة الطباعة خمس مرات، وفي كل مرة بعنوان مختلف لأضلل الرقيب، ولم يوافقوا على طباعتها، إلى أن قرر رئيس اتحاد الكتّاب استمالتي لحضور مؤتمر بين المعارضة وممثلين عن النظام في المحافظة، وكنت مريضاً وقتها لكنه لم يصدقني. وعلى الفور، طبعوا لي رواية في أسبوع، ورواية ثانية في نفس الوقت في “وزارة الثقافة”، وتم تعييني من قبلهم قارئاً لمسابقة أدبية كبرى، وقرروا أني القارئ الأول في الاتحاد. دام هذا الغزل الذهبي بيني وبين اتحاد الكتّاب مدة شهر أو أقلّ، وفجأة وحين يئسوا من التحاقي بالمؤتمر رقّنوا قيدي في الاتحاد وفصلوني منذ عام 2013. لماذا؟ لا أعرف.

كتبتُ أربع روايات خلال الثورة، أثناء القصف والخوف والبرد والفرار بأولاد ابني محمد الذي استشهد في موقع عمله ذات قصف من طائرة. في هذه المناخات نبتت هذه الروايات التي لن يجرؤ أحدٌ على طباعتهاـ لأنها مكتوبة تحت النار.

  • ما هي اللحظة الفارقة التي أثرت على حياتك الشخصية والأدبية خلال سنوات الثورة؟

* طبعاً لحظة استشهاد ابني، وقد كتبت وسط اللوعة الباكية رواية تشبهه، ولن أطبعها مع أنها تحمل في طياتها الكثير، وتحمل حقيقة وجودنا في هذا المفصل الحرج مع الإنكليز واليهود والفرس في وقت واحد. في الرواية بكاء وعويل وبصاق على قامات ذات قداسة كبرى في ذاكرتنا بدا أنها لا تستحق إلا أن ندوس في بطنها.

  • ما هي مهمة الأدب والأديب برأيك وما هي علاقتهما مع مناخات الاستبداد؟ وهل ينتج الاستبداد أدباً؟

* في حالة المستبد تتم تنمية حالة الخنوع والرضوخ، وتتم عملية قمع منازِع الرجولة وعملية خصاء مدروسة للقامات العالية، إلى جانب معاقبة الرأي الحر. عموماً لا ينتج الاستبداد أدباً فذاً متميزاً، بل أدب مناشيرٍ مرجوف وحذرٍ يلفّ ويدور حول المرأة لمعالجة أعماق الأديب الفاقد لخصائص جنسه، ويلهث وراء علاقات مريبة للوصول إلى وهم التوازن في الشخصية، والندب على نتائج مفجعة للبقاء على قيد الذاكرة.

يتم تأليق دور المرأة للتعمية على العجز وعالم الوسط الذليل. الرواية في الأصل لا تعيش في مناخات الوسط السياسي المرقع الزاحف والتبريري. ومع كون المرأة مستقبل العالم كما يقولون، فإنهم يضعونها في حلق المستقبل القبيح كسلعة ممتهنة ووسيلة انحراف، وحتى الأمومة تجدب وتجف لصالح عبارات جوفاء تحتلها المرأة في وسائل الاعلام.

هناك على ما يلاحظ ندرة وجدب في الإنتاج، وتردد وخوف ومناخات رعب لا تعرف من أين تبدأ. الرواية عموماً تنتظر الوقائع إلى أن تسكن لكي تكتب عنها، والوقائع تستعر وتحمل مفاجآت ليست في بال قصص الجحيم، وهذا توقيت خاطئ لو كتبت، وستكتشف ما إن تكتب أنك تسرّعت وأنك لم ترَ كفاية ولم تعاين الأمر من جوانبه الأخرى، ومن ثم فأنت لم تكتب رواية.

  • حبذا لو تحدثنا عن رواية “مسمار السماء”!

* “مسمار السماء” ليست آخر أعمالي لا المطبوعة ولا المخطوطة، وقد طبعت بعدها روايتَي “بنت الشنفراني” و”كاهن دورا”. “مسمار السماء” فضاء زمني غير مشغول بمهارة حاولت مقاربته نظراً لخطورته بالدرجة الأولى. تتحرك الرواية على أكثر من سكة حديد في وقت واحد. هناك سلمو وهو يرقع مخطوطاً تاريخياً بلهفةِ تجار المخطوطات داخل قبو كان يشغل مهاماً غير مشرفة سابقا، وبالتوازي مع سلمو والمخطوط والرتيلاء والجربوع وروائح المرحاض، هناك عبارات مجتزأة من مخطوط عتيق تلصق بمخطوط لاحق.. هذه العبارات التي كانت “شغالة” في وسط تاريخي قبل سبعة قرون تمثل إسقاطات معاصرة.. السكة الثالثة في نفس الوقت تدور حول سجن سليم الجودي لعشر سنوات وأوضاعه في السجن وطبيعة التحقيقات معه، أما السكة الرابعة التي تسير الرواية عليها فهي ليست مع زوجة سليم ولا أم جمعة ولا ابنته أنسام ومحنتها مع المخابرات، بل مع حليمة، القاع والعمق الأحمر اللاهب في حياة سليم الذي لا يجرؤ هذا الأخير على البوح به. وهناك سكة راهنة يومية هي مقتطفات من الراديو ونشرات الأخبار التعليقات.

هذه الدروب كلها تسير متوازية على خط واحد واتجاهات متنوعة ولا تصل أية واحدة إلى هدفها.

 

*مدير بوابة إدلب