الصفحة الرئيسية رأي وتحليل هل سيسهم كيماوي الأسد بحمله إلى المحاكم الدولية؟

هل سيسهم كيماوي الأسد بحمله إلى المحاكم الدولية؟

أنس الخطيب*

نعيش في هذه الأيام الذكرى السنوية الثانية لمجزرة الكيماوي في خان شيخون والسنوية الأولى لكيماوي مدينة دوما في الغوطة الشرقية، جريمتان أودتا بحياة مئات الأبرياء معظمهم من الأطفال والنساء ضمن قائمة الهجمات بالسلاح الكيميائي تجاوز عددها 220 هجوماً أكثر من 95 بالمائة منها نفذها نظام الأسد.
وبحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أدت تلك الهجمات التي كان أولها عام 2012 إلى مقتل 1397 معظمهم من المدنيين كلهم في المناطق المحررة وقارب عدد الإصابات 10 آلاف معظمهم في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد.
مرت مجازر الكيماوي المحرم استخدامه دولياً دون أي عقاب عسكري أو قانوني أو سياسي للجاني، باستثناء الضربات العسكرية المحدودة (غير رادعة) بعد أيام من مجزرة خان شيخون، حيث وجهت السفن الحربية الأمريكية والفرنسية ضربات استهدفت بعض المواقع والمطارات العسكرية، بعد التنسيق مع الجانب الروسي الذي بدوره حذر النظام ووجهه لتفريغ المواقع المراد قصفها، ما أفقد الضربات وزنها ليعيد النظام الكرة بعد أقل من عام في استهداف مدينة دوما بالغازات السامة.
ورغم الدعوات المستمرة لتفعيل المادة “21 ” من قرار مجلس الأمن 2118، التي تنص على “أنه في حال عدم امتثال النظام السوري للقرار، بما يشمل نقل الأسلحة الكيميائية أو استخدامها، فإنه يتم فرض تدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة”. إلا أن النظام ارتكب مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية في السابع من إبريل 2018، لتحقيق تقدم على الأرض يفضي لترحيل أهالي مدينة دوما، وهو ما يمثل انتهاكاً إضافياً لحقوق الإنسان والقوانين المرعية في الحروب والمواجهات.
كل تلك الجرائم والانتهاكات لم يرد عليها المجتمع الدولي مختبأً خلف الفيتو الذي استخدمته روسيا مرتين، لإفشال عمل لجنة التحقيق الدولية، التي توصلت في أحد تقاريرها إلى مسؤولية النظام السوري عن استخدام الكيماوي بمجزرة خان شيخون، في 4 من إبريل 2017، واستخدمته للمرة الثالثة بعد أيام من مجزرة دوما.
وكانت الصدمة الكبرى عندما تولى النظام السوري رئاسة منتدى الأمم المتحدة لنزع السلاح الكيماوي والنووي في أيار 2018 ، وهو ما شبهه مراقبون دوليون بتعيين “مغتصب مسلح مسؤولا عن ملجأ للنساء” ووصف بأنه “يصدم ضمير الإنسانية ويقوض مصداقية الأمم المتحدة ويبعث أسوأ الرسائل عنها على الإطلاق”.
قانونياً فإن السبب الأهم الذي أدى إلى غياب محاسبة الأسد ونظامه على الانتهاكات والجرائم والتجاوزات، هو عدم وجود محكمة مختصة  بسوريا، كونها ليست مشاركة في اتفاقية محكمة الجنايات الدولية، وبالتالي المحكمة ليس بمقدورها أن تفتح تحقيقًا بخصوص الانتهاكات ومجازر الكيماوي في سوريا، وأيضًا يبدو مجلس الأمن عاجزاً عن إحالة الملف إلى محكمة الجنايات الدولية أو إنشاء محكمة دولية خاصة بسوريا، بسبب  الفيتو الروسي الدائم لحماية النظام.
ولكن إقرار قانون قيصر في الولايات المتحدة الأمريكية أعاد فتح الباب أمام إمكانية محاسبة النظام، حيث صادق مجلس النواب الأميركي على قانون لحماية المدنيين في سوريا، والذي يفرض عقوبات على داعمي نظام الأسد، ويدعو إلى محاكمة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا.
ويحمل التشريع الاسم المستعار لعسكري منشق عن النظام قام بتسريب أدلة على التعذيب والقتل الممنهج إلى خارج البلاد، بعد أن عمل كمصور شرعي للأمن العسكري التابع للنظام وكان مكلفًا بتوثيق حملة التعذيب والقتل التي يمارسها النظام، وجاء في مشروع القانون أن “الأعمال القتالية لبشار الأسد ضد الشعب السوري أودت بحياة أربعمائة ألف مدني، وأدت إلى تدمير نصف البنية التحتية في سوريا، وأجبرت أكثر من 14 مليون شخص على مغادرة منازلهم خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأنتجت أسوأ أزمة إنسانية منذ أكثر من ستين عاما”.
وعدّد المشروع الأسلحة التي تستعمل ضد الشعب السوري، ومنها البراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية، بالإضافة إلى أساليب أخرى كالحصار والتعذيب والإعدامات والاستهداف المتعمد للمرافق الطبية، وغير ذلك.
تزامن إقرار قانون قيصر مع عمليات اعتقال شهدتها بعض الدول الأوروبية بحق بعض ضباط النظام الذين ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان في سوريا، وقالت وسائل إعلام المانية إن الشرطة اعتقلت ضابطين سوريين هما أنور رسلان عقيد سابق ضمن الاستخبارات السورية قاد فرعي (251 و285) بين عامي (2011-2012 م) والضابط إياد عبد الله.
وفي فرنسا، قال الادعاء إنه اعتقل ضابطاً سورياً سابقاً بعد تحقيق استمر منذ عام 2015، مدعوماً بشهادات وصور لآلاف الأشخاص من ضحايا التعذيب في سوريا والتي اثبتت إدانة المشتبه به. وكانت السلطات الألمانية أصدرت مذكرة توقيف دولية بحق اللواء جميل حسن، مدير المخابرات الجوية السورية، صيف العام الماضي وهو أحد أبرز المسؤولين عن مجازر الكيماوي وجرائم القتل والتعذيب في معتقلات النظام السوري، وبحسب صحيفة الشرق الأوسط فإن منظمة “الإنتربول” لمكافحة الجرائم الدولية وضعت إشارة حمراء على اسم “حسن”. ونقلت الصحيفة عن مصادر أوروبية أن الإنتربول طلبت من الدول الأعضاء فيها العمل على توقيف “حسن”، وتلقى مكتب الإنتربول في لبنان رسالة، تطلب منه إيقاف الضابط السوري بعد ورود أنباء عن تلقيه العلاج داخل الأراضي اللبنانية.
كل ما سبق وعودة التضييق على نظام الأسد ومنع الدول العربية من تطبيع علاقاتها معه، وسياسة الضغط الدبلوماسي الأمريكي والخيارات المفتوحة لدفع الأسد نحو التسوية السياسية تفتح باب التساؤل عن إمكانية وضع الأسد وأركان نظامه في مواجهة المحاكم الدولية،  لمحاسبته على جرائم يندى لها جبين الإنسانية وتمثل وصمة عار بحق المجتمع الدولي على رأسها مجازر الكيماوي التي أودت بحياة مئات الأبرياء.

صحفي سوري*