نايف القدور*

يقع تل حلف في المنطقة الحدودية “السورية – التركية” الحالية إلى الجنوب الغربي من مدينة رأس العين بمسافة ثلاث كيلومترات، وذلك في منطقة ينابيع نهر الخابور. وتل حلف هو الاسم المعاصر للموقع الذي كان يُدعى باسم “جوزانا” في الألف الأول قبل الميلاد.
تبلغ أبعد التل (600 متر طولا) و (360 متر عرضا) ويرتفع عن السهول المحيطة به (18 مترا)، وبدأ التنقيب في التل من قبل بعثة أثرية ألمانية منذ عام 1911 برئاسة ” فون ماكس أوبنهايم ” وعلى فترات متقطعة حتى عام 1927م.
تمكن “أوبنهايم” من حصر سويتين(فترتين) حضاريتين في موقع تل حلف الأثري وهما: الأولى، فترة الألف السادس (ق. م) وقد تم الكشف خلالها عن عدد من المجموعات الفخارية المتعددة الألوان التي استعملت في تلك الفترة. حملت هذه السوية اسم الموقع وأصبح مصطلحاً لهذه الفترة، حيث تعرفت البعثة على دور تعرف باسم “تولوس”، ويعتبر هذا النظام المعماري من أهم مميزات سوية حلف، وتم العثور على العديد من الأواني الفخارية “الحلفية” ذات الخصائص الفنية الملونة بأشكال هندسية أو نباتية أو حيوانية إضافة لدمى طينية تمثل الآلهة الأم.
والفترة الثانية هي فترة الألف الأول (ق. م) وهي فترة الحضارة الآرامية ، كشفت  عن قصر ومعبد ذو نظام معماري مميز، ومن اللقى الأثرية الهامة التي كشف عنها، مجموعة من التماثيل الحجرية البازلتية الضخمة والمعروضة في كل من متحف حلب ومتحف برلين في المانيا.
أهم المكتشفات في الموقع الأثري:
بالإضافة إلى المساكن والبيوت، فالقصر كشف فيه عن نقوش ومنحوتات تعود إلى الملك الآرامي (كابارا بن قاديانو)، وقد شيد هذا القصر وفق المخطط المعروف “بيت هيلاني” أي البيت العالي، ويتألف من قاعة العرش، أمامها باحة مكشوفة مسورة، لها مدخل ضخم يليه درج كبير من الحجر المنحوت، تم تزيين المدخل بمنحوتات حجرية كبيرة، ونقوش بارزة، وتتضمن هذه المنحوتات والنقوش جنودا يقفون بأسلحتهم أو في وضع مبارزة أو صيد حيوانات مختلفة، بالإضافة إلى مخلوقات متمازجة تتضمن شكل الإنسان والعقرب و الإنسان السمكة و الرجال الثيران و الأسود المجنحة، وشكل آدمي برأس أسد وغيرها، وتضم النقوش مشاهد الحرب والصيد والطيور ومشاهد دينية ومشاهد قرابين ، و اكتشف أيضا مدفن ملكي يحتوي العديد من الأواني والتحف، و تم نقل الكثير من هذه المكتشفات إلى متحف برلين.
معروضات قاعة تل حلف في متحف حلب:
قاعة “تل حلف” هي إحدى القاعات الثلاث التي يضمها جناح “تل حلف” وهو أحد أجنحة “متحف الآثار السورية القديمة” بالمتحف الوطني.
و أول من اكتشف هذا التل في ثلاثينيات القرن الماضي هو العالم الألماني البارون “ماكس فون أوبنهايم” ، حين علم بالعثور على بعض التماثيل مصادفةً من قبل الأهالي بينما كانوا يحفرون قبراً لأحد موتاهم، وقد عثر على منحوتات بازلتية كانت تزين جدران المعبد والقصر، كما اشتهر الموقع بالخزف الحلفي العائد إلى الألف السادس (ق.م)، بالإضافة إلى أنها كانت عاصمة مملكة “بيت بخياني” الآرامية -مدينة “جوزانا” القديمة- وفيها العديد من القصور والمعابد، وأنشئ في مدينة “برلين” الألمانية متحف خاص يضم الآثار المكتشفة في “تل حلف”، وفي مدخل متحف “حلب” نموذج من تماثيل كشف عنها في هذا التل.
ومن أهم معروضات قاعة “تل حلف” منحوتة بازلتية تمثل كائنين مركبين من إنسان وثور يحملان قرص الشمس المجنحة ورجل بوضعية الركوع ، يعود إلى أوائل الألف الأول قبل الميلاد، وتمثال الإلهة “عشتار” وتعود إلى الألف الأول قبل الميلاد. ومن المعروضات أيضاً عدد من لوحات حجرية كانت تغطي الجزء السفلي من جدران القصر، ولوحة حجرية عليها مشهد الصيد البري تمثل صيد أيل وثور، ومنحوتة الرجل-الطائر-العقرب مهمته حراسة البوابة وتعود إلى الألف الأول قبل الميلاد. بلغ عددها حوالي 183 منحوتة.


أهم المعروضات في متحف البرغامون في برلين:
لقد تم نقل العديد من المنحوتات إلى متحف البرغامون في برلين، وعرضت في جناح خاص “متحف حلف” أعيد انشاء بوابة المعبد المحمول على ثلاثة تماثيل كبيرة، وعدد من القطع الأخرى.
وتعرض المتحف للتدمير أثناء الحرب العالمية الثانية. أوصى “أوبنهايم” بجمع ما تبقى من القطع الأثرية وأجزائها بعد القصف، والتي بلغ عددها 27 ألف قطعة، ووضعها في صناديق في قبو متحف البرغامون. استطاعت مجموعة من علماء الآثار والمختصين، وبعد جهود مضنية، استمرت 10 سنوات إعادة ترميم وتجميع هذه الشظايا والقطع الأثرية، لقد كانت النتائج مذهلة، فقد عادت الحياة لنحو 500 قطعة أثرية من “تل حلف” تضم نحو 60 تمثالا ضخما، ولوحات صخرية بارزة وأدوات وأشكال متنوعة غاية في الروعة يعود تاريخها الى الالف الثالث قبل الميلاد، حيث تشكل فصلا حضاريا رائعا من تاريخ الآراميين في شمال سورية.

*باحث أثري