الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء “خالد تاجا” وذكراه التي لا تموت في قلوب السوريين

“خالد تاجا” وذكراه التي لا تموت في قلوب السوريين

 

عبد الله البشير *

“مسيرتي حلم من الجنون.. كومضة شهاب زرع النور بقلب من رآها …لحظة ثم مضت” كانت هذه الكلمات التي سطّر بها الفنان “خالد تاجا حياته، فلا يسعنا أن نترك ذكرى رحيله السابعة دون وقفة نذكره فيها، الراحل “خالد تاجا” أو “أنتوني كوين العرب” كما لقبه الشاعر “محمود درويش”، الفنان السوري المخضرم الذي لامست أدواره الواقع فكان قريبا من القلوب يعكس بشخصياته ما كانت تجسده أعماله، وكأنه يأخذ مشاهده في رحلة عبر التاريخ أو يسير به في الشارع أو ينقله لمشهد واقعي من الدراما.
الفنان الذي ولد في دمشق “مدينة الياسمين” في نوفمبر 1939م ورحل في الرابع من ابريل 2012، لم يكن مجرد فنان عابر قد تمحو الأيام بصمته، فقد بدأ حياته الفنية وكأنه يعلم أن أعماله ستكتب في التاريخ، وستكون إرثا فنيا يحتذى به. عند بلوغه العاشرة من العمر بدأ يذهب للمسارح في دمشق، وكأنه على علم منذ طفولته بأن التمثيل والفن قدره المحتوم، ثم أدى في المرحلة الثانوية في خمسينيات القرن الماضي عمليين مسرحيين من تأليف وإخراج أساتذته في المرحلة الثانوية، لينتقل بعدها لفرقة المسرح الحر عام 1956 مع نخبة من رواد الفن السوري حينها، كأنور البابا وصبري عياد وحكمت محسن، ليلعب أدوارا مهمة على خشبة المسرح وينتقل بعدها إلى الكتابة المسرحية والإخراج.
في عام 1966 بدأ فعليا رحلته في السينما وكان دوره كبطل لفيلم “سائق الشاحنة” هو باكورة عمله، حيث اختاره المخرج اليوغسلافي “يوشكو فوتونوفيتش” له، وبطولته في هذا الفيلم كانت بابه الواسع لعالم الفن والتمثيل ويبدأ مسيرته الفنية التي توجت بستة وأربعين عاما من العطاء. في دور البطولة الذي جسده الراحل “خالد تاجا” جسد حياة شاب مكافح يعمل كمساعد لسائق شاحنة، يدفعه الطموح للتخلي عن حياة الريف ليكون هو السائق ويعاني من تمسكه بقريته، التي ربطه بها حبه لفتاة فيها ومعلمه الذي رغب بتزويجه ابنته.
لم تكن مسيرة الفن لدى “تاجا” سهلة كما غيره من الفنانين  فكان البعد عن العمل الفني لاثني عشر عاما على التوالي أمرا صعبا؛ بعد إصابته بمرض عضال كالسرطان الذي أفقده إحدى رئتيه، كون السجائر كانت صديقه المفضل رغم ضررها عليه، فأقصي عن الوسط الفني و حجر عنه، فلم يعد يدعوه أحد للمشاركة في أي عمل، لكن كان الفنان الراحل “طلحت حمدي” سندا له، ليعيده مجددا للوسط الفني، ومن ذلك الحين لم ينقطع ظهوره عن الشاشة، لتكون أعمال تاجا رافدا للفن السوري، في مجالاته الدرامية و التاريخية و الثقافية.
لكن تبقى العبارة التي رددها الراحل “خالد تاجا”: لست شيوعياً ولا من الحزب القومي السوري.. لكن بداخلي غضب شديد”، دليلا واضحا على ارتباط الفنان بواقعه وعدم بعده عنه، وصورة من صور مناهضته لما يعيشه الشعب السوري بظل حكم نظام الأسد، فكثير من المواقف جسد فيها تاجا شغفه بالثورة، وإن كان البعض يحاول بطريقة أو بأخر ى  نفي اعتقال نظام الأسد وتعذيبه له في أقبية السجون، و مشاركته في المظاهرة التي عرفت لمظاهرة “المثقفين” في حي الميدان الدمشقي عام 2011، إلى جانب الفنانة الراحلة مي سكاف، فنظام الأسد وموالوه من الفنانين لا يريدون لإرث فنان مثل خالد تاجا أن يكون خارج دائرة الفن المدجن من قبل النظام ، و همهم الوحيد إظهاره بمظهر الفنان الذي وقف مع نظامهم لآخر رمق في حياته ، الأمر الذي نفته سيرة الفنان و أعماله وحتى كلماته الأخيرة، فقد شارك في المظاهرات المطالبة بالتغيير السياسي، وشهد له من عاصره حتى من عامة الناس بالتواضع وحسن السيرة، ولم يكن كغيره من رواد الفن السوري مستغلا للظروف، رغم المجال المفتوح أمامه للارتماء بأحضان النظام كما فعل الكثيرون. من الواضح أن مواقفه السياسية في أعماله الفنية كانت في الحقيقة مواقف واقعية يعيشها هذا الفنان.
وطبعت كلمات تاجا الأخيرة الكثير من الحزن عليه في قلوب السوريين، معبرة عما في مكنوناته ومواقفه وقال فيها:
سامحوني سادتي إن جعلتكم تنتظرون…
كنت أقرأ في القرآن …
اعذروني لم يبقي المارون في بيتي شيئا أقدمه لكم.. سوى لحمي …
فاقبلوه هنيئا مريئا
ولكن حذار أن تأكلوه نيئا لأنني أخشى أن تتوحشوا فيأكل بعضكم بعضا
اطبخوه وافرشوه فوق رز أمريكي وارشفوا فوقه السمن العربي …
هكذا نحن العرب نأكل منسفنا واجعلوا ذبحي حلالا …
لأن في شرعتنا النحر حرام …
ليكن من الوريد إلى الوريد …
ودمي الذي يسيل …
اشربوه نخب انتصاراتكم بحفاظكم على عروشكم وقروشكم
شكرا لكم يا سادتي لقبولكم مأدبتي …
فالجوع لا يرحم لترتوي عروقكم ولتنتفخ كروشكم
فأكثر ما أكره في الحياة
الجوع والخنوع وصرخة الموجوع
وكل ما أرجوه أن تكتبوا على قبري
هنا يرقد حاتم الطائي ولم يكن بخيلا على قومه وأهله بدمه ولحمه
تفضلوا يا سادتي تفضلوا
المنسف جاهز سموا بالله وكلوا حتى تشبعوا
بعد أن يسفح الدم تصبح كلماتي حبرا على ورق

صحفي سوري*