الصفحة الرئيسية رأي وتحليل إسرائيل توزع كراسي لاصقة لزعماء العرب

إسرائيل توزع كراسي لاصقة لزعماء العرب

سميرة المسالمة*

اعتمد بنيامين نتنياهو رئيس وزراء “إسرائيل” سياسة جديدة في حملته الانتخابية الأخيرة حيث توجه إلى الحراك خارج الدائرة الانتخابية المحلية، مركزاً على تسويق نفسه عربياً كرجل سياسة قادر على تحريك دمى الزعامات العربية، وتوجيه أولوياتهم السياسية والدبلوماسية وحتى الحياتية، بما يحقق له الاستقرار في مركز التحكم بمصائرهم، وتغيير أولويات شعوبهم المسحوقة بأنظمتهم الاستبدادية، حيث استثمر في طرق مواجهة الأنظمة العربية للثورات الشعبية في كشف طرائق حفاظهم على السلطة، وبعرض حقيقة واقعهم الأخلاقي في القضايا الإنسانية التي تمس حقوق مواطنيهم، وبذلك جردهم من “كذبة الشرعية الشعبية” والدفاع عن القضية المركزية “إقامة دولة فلسطين الحرة” حيث لا يمكن لمستبد أن يكافح ضد مستبد حتى تحت تقّييده على أنه محتل وغاصب.
ومن خلال استثمار الواقع العربي فرض نتنياهو نفسه كأحد أبرز المتصارعين داخل الحرب السورية، واستطاع إحالة نتائج كل ما تم خلال سنوات الحرب إلى عوامل لإنجاح مهمته في انتزاع التأييد الداخلي والخارجي لبقائه في الحكومة الإسرائيلية، اعتماداً على دوره الاستراتيجي في توزيع الأدوار في الحرب السورية (التي بدأها النظام السوري على شعبه)، وتمكن من التسلل إلى مكانة حيوية من خلال فتح أركان النظام أبواب “بورصة الحرب” للاستثمار لكل الراغبين باقتطاع حصصهم السياسية والاقتصادية والجغرافية، موظفاً وبشكل احترافي شهية المتسلقين على ثورة السوريين إلى السلطة من أفراد وجماعات محلية سورية، وخارجية ” عربية وإقليمية” لرفع قيمة السهم الحربي، وضمان بقاء النظام لضبط سوق الخسارات الداخلية لمصلحة مرابح الشركاء الخمسة، وفي مقدمتهم إسرائيل التي حظيت بنصيب الأسد مرتين واحدة في الجولان وأخرى في مقابر دمشق المنبوشة.
إن اعتماد إسرائيل منهج الحيادية تجاه الثورة السورية مع بدايات انطلاقتها 2011، واعتبار بقاء حدودها آمنة هو الهم الوحيد لها، وتوهم أن ذلك سبباً في تأجيج غضب النظام السوري عليها، ما دفع أحد أهم رموزه الاقتصادية (رامي مخلوف) بالخروج عن صمته، ملوحاً بعواقب ما يمكن ان يصيب استقرار إسرائيل في حال تمكن الثوار من زعزعة استقرار النظام في سوريا، إنما يمكن اليوم النظر إليه على أنه مجرد دعاية إعلانية تشجيعية لدخول إسرائيل العملية الاستثمارية في الحرب السورية ذات العوائد الربحية، وفق ذرائع منطقية تنطلق من ضرورة الحاجة الداخلية  الأمنية الإسرائيلية، و ضمن ما يمكن تسميته “المرابح أو العائدية الربحية الكبيرة” ، رغم أنها دخلتها باتجاهين متناقضين:
من جهة هي دعمت بقاء النظام كقوة قادرة على إدارة ملف الصراع المحلي، وهو ما بدا واضحاً من خلال قوة تأثيرها على الموقف الأميركي، الذي اتخذ من مبدأ حماية أمن إسرائيل منطلقاً لتدخله المريب في الصراع، وتصريحاته المتناقضة تجاه شرعية بقاء النظام وعدمها، ومن ثم تغاضيه عن تجاوز النظام لخطوطه الحمراء التي وضعها بما يتعلق باستخدام السلاح الكيماوي، ثم أجبرت اسرائيل الإدارة الأميركية على “محي” تلك الخطوط ، في حين أبقت على قدرة الإدارة الأميركية على تحريك النزاع العسكري بما يضمن استمراريته دون حسمه خلال السنوات الثمانية لعمر الحرب في سوريا، وهو ما يدخل إسرائيل ضمن منظومة أصدقاء النظام السوري لجهة مساندته على البقاء، حيث لا يمكن فعل ذلك إلا في ظل استمرار الصراع المسلح والتلاعب بأدواته على الطرفين.
أما على الجهة المقابلة وعلى التضاد من الأولى، فإسرائيل جعلت أولويتها في الحرب السورية ضرب معاقل الوجود الإيراني العسكري داخل الأراضي السورية، وهو ما أعطاها شرعية التوافق مع رغبات بعض “المعارضة السورية” التي تعاملت من مبدأ سياسي فاشل “عدو عدوك صديق”، حيث تعاطت مع إسرائيل كحليف لها ضد إيران، لأنها تعتقد أن تلك الضربات الإسرائيلية تضعف من التدخل الإيراني في الحرب السورية الذي كان أحد أهم أسباب قدرة النظام على إلحاق الهزائم بالفصائل المسلحة في المعارك الميدانية، كما أن إيران أتاحت للنظام الصمود الاقتصادي في فترات الحصار الخانقة عليه الذي فرضته الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوربية، كوسيلة إرضاخ وتهذيب لسلوك النظام السوري، وليس لإنهاء لوجوده في أي مرحلة سابقة أو حالية من موقف الإدارة الأميركية منه، أو حتى  موقف الدول الأوربية المتضررة بشكل مباشر اقتصادياً وأمنياً من استمرار الحرب في سوريا ومن انتهائها في الآن نفسه.
ورغم تناقض الموقف الإسرائيلي واشكاليته من المتنازعين في سوريا إلا أن حكومة نتنياهو، هي أول المعلنين عن مرابحهم في سوريا، وهي إذ  تقطف ثمار مراهنتها على الجانبين المؤيدين لها من نظام ومعارضة في سوق الحرب السورية، فقد سجلت أعلى استثمارات لها في بورصة الحرب المفتوحة، وجعلت من الملف السوري أحد أهم عوامل حملتها الانتخابية الترجيحية، فحيث استطاعت من خلالها أن تخرج ما في الخزائن السياسية المغلقة من اتفاقات وقرارات، وأن تميط اللثام عن حقيقة “الوهم” في الدور الدولي للأمم المتحدة وقراراتها، فهي في الآن نفسه قدمت نفسها كقوة عظمى أولى، تدير عبر سياساتها تحركات ومصالح القوى الثلاث الحقيقية الدولية في العالم (الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والصين) في منطقة الشرق الأوسط.
وهو ما يمكن أن يبرر الصمت أو الموافقة الأميركية التي ترقى إلى مستوى المساندة والدفع لمشاريع السيطرة الروسية في الملف السوري، ودورها في الوساطة لإنهاء الملفات العالقة بين النظام السوري واسرائيل من ملف الجولان رغم صبغته الأميركية، والاعتراضات الاستعراضية الكلامية عليه سواء روسياً أو عربياً، إلا أنه في حكم القرار المجمع عليه تنفيذياً، وصولاً إلى الوساطة المتعلقة بنبش مقابر السوريين لإخراج جثامين الجنود الإسرائيليين، وهو ما يجعل من سوريا الصوت الأكثر تأثيراً في معركة نتنياهو الداخلية مع منافسيه.
وإذا كانت هذه أرباح مباشرة لحكومة نتنياهو، فإن أرباح أخرى يمكن الإشارة إليها على الصعيد العربي العام ومنها: أن أهم ما أثمره الصراع طويل الأمد أنه غيّر أولويات ومواقع الدول على خارطة العداوات والصداقات، وانتزعت إسرائيل من خلال موقفها المعادي لإيران التعاطف الشعبي السوري المعارض للنظام، وكذلك أنهت حالة التزوير الإعلامي الذي انتهجه الإعلام العربي في قضية الموقف من قضية فلسطين، ومن إسرائيل كدولة احتلال، لتصبح العلاقات معها أقرب إلى الأنظمة العربية التي تجلس إلى طاولة مشتركة معها، منها إلى العلاقات العربية البينية التي تصل عداواتها البينية إلى ما هو أعمق وأكثر خطورة على بعضها وعلى شعوبها من المشروع الإسرائيلي على خطورته.
إن الناخبين الحقيقيين اليوم لنتنياهو ليسا روسيا والولايات المتحدة فحسب، بل سوريا بشقيها “المعارض” الذي لم يعرف أن يبني مشروعه السوري السياسي القانوني، و”النظام” الذي راهن على الحرب كوسيلة بقاء في السلطة، وما بينهم تأتي أنظمة صفقة القرن التي تبادل فلسطين الدولة “بكرسي الزعامة” اللاصقة إلى الأبد.

*كاتبة سورية