حازم حلاق*

أيامٌ عصيبة مرت على المدنيين خلال الأسابيع الماضية في كافة “المناطق المحررة” التي تقع على خطوط التماس الجنوبية والغربية مع قوات الأسد، من خان شيخون شرقاً حتى قلعة المضيق غرباً وفي قرى ريف حماة الشمالي الغربي وسط سهل الغاب، وذلك بسبب تكثيف قوات الأسد قصفها ورماياتها في تلك الفترة.

وتركّز القصف بشكل كبير وأساسي على قرى سهل الغاب وبلدة قلعة المضيق، وأدى إلى نزوح كلي للمدنيين من عشرات القرى الممتدة على طول الخط الشرقي لسهل الغاب، الذي تتمركز في الجهة المقابلة له عشرات الحواجز ونقاط عسكرية تضم مرابض المدفعية وراجمات الصواريخ.

النزوح وتداعيات الأزمة

كانت قلعة المضيق تُؤوي آلاف المدنيين من أهلها ومن النازحين والمهجرين إليها من مناطق أخرى، ومع بدء الحملة باتت المدينة شبه خالية.

يقول عزيز نصر الله (أحد أهالي المدينة) لـ”بوابة سوريا”: “يلجأ النظام إلى قصف المدينة بشكل مكثف بهدف إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، لمعرفته بكثافة السكان العالية فيها، وهو ليس بحاجة لذرائع أو مبررات، لكن عندما يتلقى أي ضربة في أي منطقة يكون الرد على المدنيين سواء في قلعة المضيق أو غيرها” معتبراً أن “السبب يعود إلى خلافات سياسية بين الدول وهي خلافات يدفع ثمنها الشعب السوري، حيث تزامنت الهجمة مع تسيير الدوريات التركية التي من المفترض أنها طرفٌ ضامن للاتفاق، لكن لم تطبق بنود ذلك الاتفاق ولم نرَ شيئاً سوى الدمار والنزوح”.

ولم تكن قرى الشريعة وباب الطاقة والتوينة وهي قرى مجاورة لقلعة المضيق أفضل حالاً، بل عاشت وضعاً مشابهاً. لم يخرج أيّ من الأهالي من هذه المناطق مع بداية فترة التصعيد والقصف ظناً منهم أنها فترة ستنقضي سريعاً، لكن ما حدث هو العكس، حيث بات القصف ممنهجاً بتوقيتٍ واستمرارية شبه منتظمين، ومع بدء ارتقاء الشهداء والإصابات بالتزامن مع استهداف الطرقات والمراكز المدنية كالمدارس والمساجد والنقاط الطبية، كان لابد للأهالي من النزوح.

يقول سليمان الدرويش (من أهالي قرية الطاقة): “توجه قسم كبير من النازحين إلى مخيمات الشمال، ولحسن الحظ فإن الغالبية منهم لديهم خبرات سابقة بالنزوح وهم يعرفون طريقه جيداً، وقد توجهت أنا وعائلتي وكثيرون من أهالي القرية إلى مخيمات الشمال قرب أطمة وكفرلوسين مع عودة متقطعة إلى القرية أقوم بها منفرداً بهدف تفقد المنزل والممتلكات”.

وفي السياق ذاته يقول محمد الخالد وهو نازح من قرية الشيخ حديد في منطقة الطار: “أقيم في قرية التوينة منذ فترة، وتنقلتُ بين عدة قرى بسهل وجبل الزاوية، ومع اشتداد القصف اضطررت إلى الخروج بالعائلة نحو إحدى قرى جبل شحشبو حيث يقيم أحد أقربائي، وكان هذا الخيار الوحيد أمامي نظراً لكون المخيمات بعيدة وأنا مرتبط بالقرية وبحاجة للعودة إلى هناك دوماً لمتابعة العمل في الأرض”.

وتقيم عشرات العائلات في مخيمات عشوائية مؤقتة في جبل شحشبو، وبشكل خاص بجوار النقطة التركية. يقول علي الخالدي: “نزحنا نحو قرية شير مغار حيث تتواجد القوات التركية هرباً من القصف على اعتبار أن المنطقة آمنة نسبياً ونقيم في خيام عشوائية، والبعض يقيم في سيارته أو شاحنته أو عربة جراره الزراعي المسقوف بقماش أو نايلون ليتحول إلى ما يشبه الخيمة”.

ويشير الخالدي إلى أن “سبب لجوء الأهالي إلى المخيمات العشوائية هو عدم وجود مكان آمن بالأصل في أي قرية، ناهيك عن عدم وجود بيوت فارغة، لأن هذه القرى بالأصل قرى صغيرة وهي لم تشهد حركة عمران جديدة، وبالتالي من الصعوبة بمكان تأمين منزل فيها، وهذا كان دافعاً رئيسياً لتوجه النازحين إلى التخييم بشكل عشوائي رغم الظروف المعيشية وأحوال الطقس القاسية”.

درجة استجابة المنظمات

وجود النازحين في العراء على سفوح جبل شحشبو، دفع بعض المنظمات إلى التدخل لتقديم بعض المساعدات العاجلة، كالوجبات الجاهزة المطبوخة والتي يتم تقديمها للنازحين مباشرة.

يقول محمد الظافر وهو ناشط من أبناء قلعة المضيق ويعمل مع إحدى المنظمات الإنسانية: “بالنسبة للاستجابة فإن المنظمات عملت على إغاثة النازحين المتواجدين في جبل شحشبو، حيث قامت منظمة عطاء بتوزيع سلل NFI (وهي سلل غير غذائية تضم لباساً وأغطية وفرشاً منزلية) على النازحين، كما قامت منظمة إيلاف بتوزيع سلل غذائية ووجبات مطبوخة جاهزة للاستهلاك المباشر على المخيمات العشوائية، والاستجابة مستمرة من عدة منظمات أخرى تقوم بدراسة وتقييم الوضع وتحاول تقديم خدمات إسعافية للنازحين”.

ومن جانبه يقول محمد سليمان (أحد متطوعي الدفاع المدني في حماة): “عملنا على مساعدة النازحين المقيمين في المخيمات العشوائية بمحيط قرية شير مغار وقره جرن والعريمة، وقامت فرق الدفاع المدني بتأمين مياه الشرب النظيفة وتعبئة الخزانات المنتشرة بين الخيام والتي يتم استخدامها من قبل النازحين للغسيل والنظافة الشخصية”.

وعلى الرغم من أن الاستجابة كانت جيدة في منطقة جبل شحشبو وجبل الزاوية، إلا أن جميع الآراء اتفقت على أن الاستجابة في مخيمات الشمال كانت سيئة ودون المستوى المقبول علماً أن العدد الأكبر للنازحين يوجد هناك.

دور المجالس المحلية

يقول محمد الطعمة وهو عضو “المجلس المحلي لبلدة الحويز”: “غادر نحو خمسة آلاف نسمة من أهالي بلدة الحويز باتجاه مناطق أخرى كقرى جبل الزاوية وجبل شحشبو ومخيمات الشمال، واتجهت النسبة الأكبر من هؤلاء إلى المخيمات بسبب عدم القدرة على دفع أجور للمنازل”.

وتابع: “نحن معنيون بشكل مباشر كمجلس محلي بأزمة النازحين، وقد عملت المكاتب المختلفة جاهدة لتأمين دور الوسيط وتسهيل وصول المنظمات المعنية إلى النازحين لتقديم الاستجابة الطارئة في ظل ضعف الإمكانيات المادية للمجلس، إذ لم نتمكن من تنفيذ أي مشروع لصالح النازحين واقتصر دورنا على الجانب اللوجستي مع المنظمات الأخرى”.

ويؤكد مدير “المكتب الإغاثي في المجلس المحلي في الشريعة” تركي حشيش على الصعوبات الكبيرة التي يلاقيها النازحون الذين خرجوا من بلدة الشريعة وهم يقدرون بالآلاف، إذ “اتجه معظمهم إلى مخيمات الشمال وتزامن وصولهم إليها مع حلول المنخفض الجوي البارد والممطر الذي استمر لعدة أيام، وتسببت أمطاره الغزيرة في جرف عدد كبير من الخيام وقطع الطرقات بين المخيمات، ويسعى المجلس إلى التواصل مع المنظمات لتأمين مساعدات إغاثية للنازحين المقيمين في المخيمات”.

وبانتظار ما يمكن أن يتمخض عن الاجتماعات التي يقوم بها المعنيون بالملف السوري، أو انفراج في الأزمة يمكن أن يؤدي إلى انخفاض مستوى القصف، ما يزال النازحون يتطلعون إلى العودة إلى منازلهم وقراهم بعيداً عن المخيمات، وهو ما يمكن أن يعيد إليهم فرحة مسلوبة منذ زمن.

*من فريق بوابة حماه