الصفحة الرئيسية تحليل الخبراء الدور الإسرائيلي في الصراع السوري من النأي بالنفس إلى المشاركة بصياغة مصير...

الدور الإسرائيلي في الصراع السوري من النأي بالنفس إلى المشاركة بصياغة مصير سوريا

ماجد كيالي*

أثار تسليم روسيا لإسرائيل رفات الجندي “زكريا باومل”، الذي لقي مصرعه قبل (37 سنة) في معركة السلطان يعقوب (إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان 1982)، النقاش من جديد حول دور إسرائيل في الصراع السوري، مع تحولات هذا الدور، الصامت أو الصاخب، في مختلف المراحل، والذي انتقل من النأي بالنفس، مروراً بالغارات الجوية على مواقع لإيران والنظام وحزب الله، وصولًا إلى محاولة المشاركة بتقرير مستقبل سوريا.
اللافت أن عملية التسليم تلك تمّت بشكل علني، وفي لقاء خاص تم ترتيبه لهذا الغرض جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين برئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في العاصمة الروسية موسكو في الخامس من نيسان/إبريل 2019، وسط مراسيم احتفالية، ومع تصريحات واضحة من الرئيس بوتين ذاته، بأن العثور على رفات الجندي الإسرائيلي تم بواسطة قوات روسية وبمعاونة قوات نظامية سورية، رغم كل محاولات التعتيم أو التضليل أو التجاهل، التي لجأ إليها النظام السوري للتغطية على هذا الحدث.
وربما يجدر التنويه هنا هو أن عملية التسليم تلك، المهمة جداً للرأي العام الإسرائيلي، جرت قبل أيام معدودة من الانتخابات الإسرائيلية المقررة (يوم 4/9)، فيما اعتبر أنه بمثابة “هدية” أخرى لدعم نتنياهو في معركته الانتخابية، بعد “الهدية” التي كان قدمها له الرئيس ترامب، وتمثّلت باعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان السورية.
عدا كل ذلك، فإن هذه الخطوة الروسية إزاء إسرائيل، وعلى حساب سوريا، يمكن فهمها كرسالة متعددة الاتجاهات والأغراض، إذ هي تفيد، أولاً، بأن روسيا باتت بمثابة المقرّر الرئيس في كل ما يتعلق بالصراع السوري ومستقبل نظام الأسد. ثانياً، أن روسيا هي التي يمكن أن تضمن أمن إسرائيل ومصالحها في سوريا، من مختلف النواحي. ثالثاً، أن روسيا تولي العلاقة مع إسرائيل، أهمية فائقة، إلى درجة الاستعداد للتنسيق معها، أو ربما إشراكها، في تقرير مستقبل سوريا، وهو ما تأكد في التسريبات عن وجهة نظر إسرائيلية لحل الصراع السوري، قدمها نتنياهو إلى بوتين. رابعاً، هي رسالة ذات مغزى إلى إيران، تفيد بأن روسيا يمكن أن تستثمر في قوة إسرائيل لتحجيم الطموحات الإيرانية في سوريا، وكذلك لإفهامها أنها هي وحدها من يملك مفتاح الحل والربط في سوريا، بخاصة مع العلم أن إسرائيل تنسق مع روسيا في الضربات العسكرية التي توجهها ضد القواعد الإيرانية، على امتداد الأرض السورية.
أما فيما يخصّ إسرائيل، والتي يمكن اعتبارها بمثابة القطبة المخفية في الصراع السوري، فإنه يمكن ملاحظة تعاظم دورها في مختلف الاتجاهات، سياسيا وعسكريا، علما أنها في بداية انفجار الثورة السورية اتخذت من الناحية العلنية موقف النأي بالنفس، حتى أن نتنياهو أوصى أركان حكومته بعدم الإدلاء بأية تصريحات في هذا الشأن. بيد أن إسرائيل، من الناحية العملية اشتغلت على محورين، أولهما، السكوت عن دخول القوات الإيرانية، والميلشيات التي تتبعها إلى سوريا، بحيث “اشتغلت الشغل الوسخ” بما يخدم إسرائيل في زعزعة البنية الدولتية والمجتمعية في سوريا، وهو الدور الذي كانت لعبته في العراق منذ 2003، وفي لبنان. وثانيهما، أنها اشتغلت ما بوسعها على كبح أي موقف دولي من شأنه حسم الصراع باتجاه إسقاط نظام الأسد، أو حتى إيقاف الصراع الدائر، تحت شعار: “عرب يقتلون عربا.. دعوا العرب يقتلون بعضهم”، (بحسب مقالة كتبها أليكس فيشمان (2012)، وهو ما يفسر لا مبالاة الولايات المتحدة لكل ما يجري، مع علمنا بأن إسرائيل هي التي اقترحت إخراج النظام من مشكلة الكيماوي (آب/أغسطس 2013)، وتجنيبه ضربة دولية، من خلال استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يقضي بتصفية مخزونه من الأسلحة الكيماوية.
لم يتوقف الأمر على ذلك فحسب، إذ أن إسرائيل كانت اشتغلت طوال المرحلة السابقة على مراقبة ميزان التسلح في سوريا، وعبر سوريا من إيران إلى لبنان، وظلت توجه الضربات العسكرية الصاروخية والجوية إلى قوافل ومخازن السلاح، التي ترى أنها قد تشكل تهديدا لها.
وعلى أية حال فإن إسرائيل عزّزت مكانتها في الصراع السوري بعد التدخل العسكري الروسي في سوريا (أيلول / سبتمبر 2015)، وبذلت جهودا كبيرة ودؤوبة لإقامة علاقات متميزة مع القيادة الروسية، حيث قام رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو بزيارات متعددة إلى روسيا للقاء رئيسها بوتين، بغرض تعزيز التنسيق المشترك في المواقف السياسية والعسكرية، ويأتي ضمن ذلك التفاهم على ضرب مراكز القوة الإيرانية وقوافل التسلح إلى لبنان.
بيد أن أعلى حالات تدخل إسرائيل على خط الصراع السوري عسكريا وسياسيا حدث في العامين الماضيين، مع مجيء إدارة ترامب، فأولاً، هي شددت من ضرباتها الجوية وغاراتها على المواقع العسكرية الإيرانية، بطريقة متكررة، وقوية، مطالبة بإبعاد أية قوات إيرانية عن حدودها لما بعد (80ـ100كم). وثانياً، وضعت لنفسها هدفا يتمثل بإخراج إيران من سوريا، أو تحجيم مكانتها (بعد أن أنهت مهمتها التي خدمت إسرائيل)، وذلك بالتساوق مع السياسات الأمريكية إزاء إيران، والمتعلقة بفرض عقوبات عليها وتحجيمها. وثالثاً، فها هي إسرائيل تطرح مؤخراً تصورا لمستقبل سوريا، في محاولة منها الدخول كشريك مع الأطراف الدولية والإقليمية الأخرى في صوغ مستقبل سوريا وشعبها. ورابعاً، في الحقيقة فإن كل ما فعلته إسرائيل، إضافة إلى أنه كان يصب في إطار إضعاف سوريا، وزعزعة بناها المجتمعية، كان يصبّ أيضا باتجاه احتفاظها بهضبة الجولان تحت سيادتها، وهذا وذاك يفسر مواقفها السياسية وتحالفاتها وتحركاتها العسكرية.

*كاتب فلسطيني