عائشة صبري*

لم تُشكّل مقاربة النظام السوري الأخيرة في معرض ردِّه على اعتراف أمريكا بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل، والخلط الساذج عبر سياسته المقيتة بالهروب إلى الأمام وخلط الأولويات واستحضار إدلب والشمال السوري، آخر سقطات الخطاب السياسي والإعلامي له.
فعند كلِّ استحقاقٍ سياديٍ يتوجب عليه فيه الردّ على اعتداءات الكيان الإسرائيلي، يخلط الأوراق، وكأنَّ بإسرائيل قد اطمأنت على قواتها وأرضها من أي ردّ، مع السماح له بترتيل الأسطوانات الخلبيَّة المشروخة، وقصائد الشعر والزجل عبر وسائل إعلامه عن المقاومة والممانعة والتحرير وحقوق الشعوب في تحرير أرضها.
لا يُمكن الردّ على استحقاق سيادي ووطني يتعلَّق بجزء محتل من أرض الوطن منذ عشرات السنين ، والمدعم بالقرارات الدوليَّة التي تدعو لضرورة عودته إلى الوطن الأم دون امتلاكٍ واعٍ لأدوات الصراع، ومفاتيحه وإدارة ملفه بموضوعيَّة صرفة، وبعيدًا عن المزايدات والبطولات الدونكيشوتية، ووضع برنامج مستدام للتعبئة الوطنية وتشكيل خلايا سياسيَّة وإعلاميَّة وقانونيَّة وشعبيَّة وعسكريَّة  لتحشيد جماهير الوطن، على امتداد ترابه، ودون أن يخضع ذلك للضرورات المرحليَّة، والبازارات السياسيَّة لتحرير كل ما اقتطع من الأرض السوريَّة، وبصرف النظر عن جنسيَّة المحتل، وقوَّته وتحالفاته.
ولا يُمكن لمثل هذا الخطاب الخشبي في حال من الأحوال أن يُجدي في حلِّ القضيَّة، كما لا يُمكن الردّ على إسرائيل، وعند كلِّ صفعة بتكرار ذات العبارات بأنَّ الردّ سيكون على أدواتها في الداخل، وبتحرير الأرض السوريَّة من الشعب السوري مع كثرة الدول التي اقتطعت لنفسها أجزاء من هذه الأرض بالقوَّة وحدِّ السيف، أو بما هو أنعم عبر التنازل عن السيادة الوطنيَّة على جزء من الأرض طوعًا لهذا الحليف أو ذاك، عربونًا عن مساهماته في محاربة الشعب الذي تاقَ للحريِّة والتغيير والتنكيل بممتلكاته ومكتسباته.
يبدو سخيفًا وساذجًا تشبيه فقدان سيطرة النظام على الجولان السوري، وفقدانه السيطرة على إدلب، وذلك لاختلاف الطريقة التي خسر فيها السيطرة على كليهما، واختلاف الأطراف التي تُسيطر على المنطقتين.
فالجولان تم احتلاله وسلخه عن سوريا عام 1967 عبر عمليَّة عسكريَّة كبيرة احتلت فيها أراضٍ عربيَّة أخرى قام بها العدو الإسرائيلي بغرض الهيمنة، والاستغلال وتكوين حزام عسكري وأمني حول الأرض المحتلة عام 1948، ويُدير الاحتلال الجولان  بشكل مباشر وتسري فيه قوانينه وسلطاته.
وكانت الطغمة الحاكمة حاليًّا في دمشق هي نفسها الحاكمة في ذلك الوقت، وهناك غموض كبير وتساؤلات عديدة حول حقيقة ما جرى آنذاك، وفيما إذا كان هناك تواطؤ ما في مكان ما بهدف الحصول على مكتسبات سياسيَّة تُتيح حماية هذا النظام، وتمكينه واستمراره منذ ذلك الوقت حتى الآن.
أمّا الوضع في إدلب والشمال السوري، مختلف تمامًا، فالذي حرّر إدلب والكثير من المدن والبلدات من سيطرة النظام السوري هم الشعب السوري، وبأدوات بسيطة، وفي إطار ثورة عارمة ضد الفساد والإفساد اجتاحت البلاد بطولها وعرضها بهدف تغيير نظام الحكم؛ وبناء دولة القانون والمؤسسات، والتي تُتيح العدالة والمساواة لكلِّ أبنائها؛ وما دعاية النظام عن تحرير هذه المناطق من “الإرهاب” إلا وسيلة لإعادتها لقمقمه القسري الذي شيَّده بالخوف والنار على مدى عقود متتالية.
لم يكن تصريح “وليد المعلم” وزير خارجيَّة النظام، وفي إطار ردّه على قرار الرئيس الأمريكي تصريحًا موضوعيًّا، والذي تحدَّث فيه عن أنَّ القرار يزيد في عزلة أمريكا، وآخر من يتحدث عن العزلة هم أركان النظام السوري في ضوء العقوبات الاقتصاديَّة الدوليَّة على الشركات والأفراد، والحالة الاقتصاديَّة المزرية التي وصل إليها البلد، والعجز عن تأمين مستلزمات الحياة الضروريَّة للمواطنين.
وبالذات لأولئك الذين يُدافعون عن هذا النظام باستمرار، ورهن القرار السياسي والاقتصادي للحلفاء الذين ساندوه في الميدان دون اعتبار لمصالح البلاد والعباد، وكان حريًّا بهم الردُّ على إسرائيل ردًا يؤمن لهم الحد الأدنى من ماء الوجه المراق في قارعة الطريق، وأروقة الأجهزة والردهات المستترة، وليس الهروب أمام حواضنهم والتزاماتهم  إلى معارك غير متكافئة مع الشعب السوري، ومنجزاته الحضاريَّة والإنسانيَّة في الاتجاه المعاكس تمامًا في إدلب والشمال.
وكان الحدث الفاضح والمثير الذي أتى بعد الخطوة الأمريكيَّة هو تسليم جثة الجندي الإسرائيلي لإسرائيل عبر روسيا، وفي مراسم احتفاليَّة كانت مليئة بالشجن والعواطف، وكأنَّ المقصود من الخطوة هو زيادة إذلال نظام الأسد، وعبر حلفائه المقرَّبين، وهو الذي حاول أن يدفن رأسه في الرمل، والنأي بالنفس عن عملية التسليم هذه عبر لوكه لسيناريو مفبرك.
ونسي هذا النظام أنَّ هذا الجندي كان مدفونًا في أرضه، وتحت سلطانه وفي تربة يُسيطر عليها وقد تم نقله وشحنه برًّا عبر أراضيه وجوًّا عبر مطاراته، وأجوائه ووصل به العجز لحدّ الاعتراف بفقدانه السيطرة على قراره الوطني، وقيام حليفه الأبرز، وعبر قنواته الخاصة من تسليم الجثة دون استشارته، ولعدوه المتربص على ثرى أرضه التي يتشدَّق بالعمل على تحريرها، واعتبارها جزءًا أصيلًا من ترابه الوطني.
وكعادته وتاريخه يرمي لقواعده ومريديه قصصًا يلهون بها، وبطولات يتغنَّون بميادينها ورجالاتها، فيزبد ويرعد على إدلب والشمال، ويقصف ويقتل، ويُطلق التهديد والوعيد لتحريرها من أهلها وشعبها، فيحشد الأرتال والمدافع والطائرات، ويوزع حممها وموتها في المدن والبلدات، ثم يُعمم على منابره الإعلاميَّة “احسم نصرك في إدلب”، وهو يعلم أنَّ نصره ليس فيها، وأنَّه في مكان آخر حيث تتواجد جيوش، ودول قوّية يعجز عن مقارعتها ومواجهتها، أو النكث بعهوده معها هناك في شرق الفرات، وفي الجولان المحتل، وفي التفاهمات التي يحتفظ بنسخ عنها عن رهن وبيع وتأجير واستثمار لهذا الحليف أو ذاك.
وما ينبغي لهذا النظام أن يتيقن منه أنَّ الشعوب الحرَّة وحدها، والتي تشعر بقيم المواطنة الحقَّة  من خلال سلطة القانون، وعبر مؤسساتها الوطنية هي القادرة على تحرير الأرض، واستعادتها بخطة شاملة، وليس منح الدول الأخرى امتيازات سياديَّة وطنية، وتوريث الأجيال القادمة العار من خلال منح  التزامات مهينة وغير متكافئة (…) وليس عبر دجل الخطابات وخطط الاستخبارات للهروب من الاستحقاقات الوطنية، وتعبئة المكونات الشعبيَّة المختلفة ضد بعضها البعض.

كاتبة سورية*