فريق بوابة إدلب*

لم يتوقع محمود أن ينتهي به الحال مقعداً في منزله، عاجزاً تماماً عن الحركة دون مساعد، فالإصابة التي تعرض لها نتيجة قصف صاروخي قبل عام لم تكن إصابة خطرة لدرجة أنها قد تؤدي إلى الشلل، لكنه تعرض أثناء العلاج لخطأ طبي أفقده القدرة على الحركة.

ما يزال محمود يذكر جيداً كيف تم إسعافه إلى النقطة الطبية، ثم تحويله إلى إحدى المشافي العامة لاستكمال علاجه، حيث دخل ماشياً على قدميه لكنه خرج مقعداً محمولاً على “النقالة” نتيجة “خطأ أثناء عملية التخدير القطني، الأمر الذي أدى إلى إصابة الأعصاب بشكل مباشر” بحسب كلامه.

قد يتمكن محمود من السير على قدميه مجدداً، لكنه بحاجة لرحلة علاج إلى تركيا هي ليست ميسرة في القريب العاجل، ووضعه المادي أضعف من تحمل تلك النفقات.

تأثير الواقع الصحي في “المحرّر”

تحدث الاخطاء الطبية في أكثر دول العالم تطوراً، لكن حالة الحرب التي تعيشها إدلب منذ سنوات ساهمت بشكل أو بآخر بارتفاع نسبتها.

يرى الطبيب أسامة الشامي أن “هناك جهل عام بالمصطلحات الطبية، إذ يتم الخلط بين الخطأ الطبي والاختلاط الطبي الذي من الممكن أن يحدث نتيجة تداخل العلاجات، أو نتيجة نزلات مرضية قد تصيب المريض نفسه أثناء فترة العلاج، لكننا لا ننكر أن العشوائية الموجودة في المحرر وغياب المحاسبة ولجان التقييم ساهما بشكل مباشر في وجود بعض الأخطاء الطبية لا سيما عند قيام بعض الأطباء بالعمل خارج اختصاصاتهم”.

ويتابع “الشامي” :”غياب المشافي المركزية المتكاملة واقتصار أغلب المشافي الموجودة على اختصاصات معينة، ساهم في ظهور بعض الأخطاء الطبية، وقد يرتجل الطبيب في بعض الأحيان ويستغني عن أحد الفحوصات التي من الممكن ألا يستغني عنها في المشافي الكبيرة المتكاملة، مما يؤدي إلى تشخيص في الخطأ الطبي قد يوقع الطبيب بإشكال أكبر، ناهيك عن غياب المؤتمرات العلمية التي من شأنها رفع كفاءة الأطباء واطلاعهم على آخر الابتكارات” مشيراً إلى أن المريض يلعب في كثير من الأحيان دوراً كبيراً في الخطأ الطبي حيث يلجأ إلى أحد الصيادلة أو غير المختصين بهدف التوفير المادي، وقد يتدخل الصيدلي في تشخيص المرض ووصف العلاج نتيجة طمع مادي أو نتيجة العاطفة بهدف التوفير على المريض، الأمر الذي قد يوقع الصيدلي والمريض في خطأ طبي نتيجة التشخيص الخاطئ.

أبو أحمد (شاب من ريف حماة) كان أفضل حالاً من محمود، وتمكن في اللحظات الأخيرة من تجاوز عملية البتر كان من المخطط أن يخضع لها، وهو يقول لــ “بوابة سوريا”: “تعرضت لإطلاق نار منذ ثلاثة أعوام وأصبت برصاصة دخلت من رقبتي وخرجت من ظهري، وأثناء مرورها قرب أحد الأوردة أدت لحرق أحد الأعصاب المسؤولة عن تحريك اليد، الأمر الذي أدى إلى شللها بالكامل” مبيناً أن الطبيب أخبره أن يده لن تتحرك وهي في تراجع مستمر ويحتم عليه الدخول إلى تركيا لإجراء عملية بتر. وعند مراجعة طبيب آخر أخبره الطبيب أن يده سليمة وأن كل ما يحتاج إليه هو المعالجة الفيزيائية لمدة من الزمن. وختم كلامه بالقول: “لم أصدق ماقاله الطبيب وظننت أنه يمازحني أو يحاول التخفيف عني، لكني كنت مضطراً إلى سماع نصيحته، وبعد خمسة أشهر من العلاج الفيزيائي بدأت أصابعي بالحركة وبدأت يدي تعود لوضعها الطبيعي بشكل تدريجي وتجنبت عملية البتر بحمد الله “.

الصيدليات العشوائية ودورها

ساهمت حالة الحرب في خلق نوع من العشوائية التي أوجدت كثيرين ممن عملوا في مجال الصيدلة رغم غياب المؤهلات والعلم اللازم للمهنة، ما ساهم أيضاً بشكل أو بآخر في وجود الأخطاء الطبية.

تقول الصيدلانية سوسن سعيد: “من المؤكد أن أي عمل يتم على يد أشخاص غير مختصين ستنتج عنه جملة من الأخطاء، لكن المشكلة الكبيرة في القطاع الطبي أنك تتعامل مع أرواح وبالتالي أي خطأ يؤدي لكارثة، ويتحمل الصيدلي جزءاً ليس باليسير من المسؤولية عن الأخطاء الطبية التي تحدث اليوم، نتيجة دخول أشخاص لايملكون ما يؤهلهم للعمل في هذا المجال. وما يزيد المأساة محاولتهم التعدي على المهنة والعمل على وصف الأدوية والعلاجات حيث لم يقتصر عملهم على صرف الوصفة الطبية”.

وتابعت: “خلال عملنا اليومي نصادف الكثير من الأخطاء التي قد تؤدي لمضاعفات مرضية، فاللجوء مثلاً إلى استخدام المضادات الحيوية كعلاج لبعض الأمراض يشكل عاملاً مساعداً على تفاقمها، مثل جدري الماء والقلاع الفموي والرشح أو الكريب، حيث يجب أن يأخذ الصيدلي دوره الصحيح في التوعية والإرشاد للاستخدام الصحيح للأدوية ومنها المضادات الحيوية التي يؤدي استخدامها الشائع بين الناس بشكل عشوائي ومنقوص إلى الوصول لسلالات جرثومية معاندة للاستجابة لاحقاً، وسنكون أمام فرض لزمر دوائية جديدة، إلى جانب الأخطاء الطبية التي تقع نتيجة الاستعمال الخاطئ للدواء، فعلى سبيل المثال صادفني مريض استخدم مطهر “هيكزاميدين” بشكل شراب لأن الصيدلي اكتفى بوضع ثلاثة خطوط على العبوة، ولم يشرح للمريض أن هذا المحلول هو سائل مطهر لمسح مكان الإصابة وليس للتناول عبر الفم”.

إجراءات متبعة للحد من العشوائية

من جانبها قامت نقابة صيادلة إدلب باتخاذ بعض الخطوات للحد من انتشار الصيدليات العشوائية ومتابعة التراخيص النظامية للعاملين في هذا المجال. أما بالنسبة للمخالفات التي قد ترتكب من قبل الصيادلة، فهناك عقوبات مسلكية يتم فرضها ضمن النقابة وتبدأ بالتنبيه والإنذار ثم عقوبات مادية، وقد يصل الأمر إلى إغلاق الصيدلية وسحب الترخيص بحسب حجم المخالفة وتكرارها.

يقول نقيب صيادلة إدلب يحيى نعمة: “قامت النقابة بعمل إحصاء للصيدليات النظامية الموجودة في المحافظة، وطالبت الصيادلة بضرورة الحصول على الأوراق اللازمة لتثبيت الترخيص، كما تم تصنيف الصيدليات المخالفة، ورفع كتاب بحقها إلى مديرية صحة إدلب التي أصدرت بدورها قراراً بإغلاق تلك الصيدليات”.

ويكمل حديثه: “قامت مديرية صحة إدلب بتفعيل نظام المساءلة في نهاية شهر تشرين الأول من العام الماضي، بهدف ترسيخ مبدأ الشفافية أمام المستفيدين من الخدمات الطبية، بالإضافة إلى العمل على تلقي شكاوى المواطنين ورد الحقوق لأصحابها، بحيث يساهم هذا النظام بتحديد الفجوات الموجودة ضمن الخدمات الطبية والعمل على معالجتها، كما يساهم في رفع سوية الكوادر الطبية”.

مع ازدياد أعداد السكان في المحافظة يأمل أهالي إدلب منح الجانب الصحي عناية ودعم إضافيّيَن، لما له من أهمية مباشرة تمس حياة المدنيين بشكل مباشر وتنعكس عليها.