محمد محمد عارف*

تستمر قوات النظام السوري في تضييقها على المدنيين بوسائل شتى، فهي لم تكتف بتهجير أكثر من نصف سكان سوريا وقتل مئات الآلاف منهم، بل عمدت إلى وسائل جديدة تزيد من الحقد والاحتقان لدى الأهالي لكثرة التضييق عليهم.

في مدينة حلب الخاضعة لسيطرة قوات النظام السوري، وبعد تهجير سكان المناطق الشرقية منها أواخر عام 2016، عمدت إدارات الأفرع الأمنية التابعة لنظام الأسد إلى مصادرة أملاك الأهالي وبيوت المدنيين بحجج مختلفة، وخصوصاً سكان المناطق الشرقية من المدينة الذين انضموا إلى الثورة السورية.

مصادرات بحجج مختلفة

تعمل قوات النظام السوري ممثلة باللجان الشعبية “الشبيحة” ورؤساء الأفرع الامنية على مصادرة بيوت الأهالي في المناطق الشرقية لحلب، انتقاماً منهم لانضمامهم إلى صفوف الثورة.

يقول خالد عرابي وهو أحد المهجرين من مدينة حلب وتمت مصادرة بيته: “بعد خروجنا من حي المشهد في مدينة حلب، عمدت قوات الأسد إلى مصادرة بيتي وبيت أهلي في حي الزبدية، ووضعوا على باب البيوت ورقة كتب عليها: “يرجى من صاحب المنزل مراجعة فرع السياسية والأمن العسكري” كما أخبرنا أحد أقربائنا، وبعد ذلك تم عرض البيوت في المزاد العلني ليكون سعره مليونين ونصف مليون ليرة سورية، ويصبح المنزل ملك لشخص شيعي”.

وأضاف: “يمنع أي شخص من أقارب صاحب البيت من المشاركة في المزاد العلني، وفي غالب الأحيان يقتصر المزاد على الإيرانيين الشيعة المتواجدين في المدينة، وقد حاولت كثيراً إدخال أحد أقربائي في المزاد إلا أنه كان يُرفض في كل مرة، كما أن سعر بيتي كان يزيد على 10 ملايين ليرة سورية قبل الثورة، وتجاوز سعره أكثر من 50 مليوناً في الوقت الحالي، لكن تم بيعه بسعر بخس جداً”.

كلام عرابي يؤكده الناشط الإعلامي عبيدة بعاج الذي استولت قوات النظام على بيته أيضاً، وهو يقول لــ “بوابة سوريا”: “وسائل جديدة يبتكرها نظام الأسد للانتقام من سكان الأحياء الشرقية، فقد عمل على هدم الكثير من البيوت بعد مصادرتها في أحياء الصاخور والميسر وطريق الباب، ومن هذه البيوت بيتي في حي صلاح الدين والذي تم هدمه بحجة أن البناء مهدد بالانهيار بشكل كامل، لكن السبب الرئيسي هو انتماء أصحاب هذه البيوت إلى الثورة السورية. طبعاً هناك أبنية متصدعة لكن قوات الأسد استخدمت هذه الحجة لتدمير الكثير من بيوت الثوار وهي بيوت ما تزال صالحة للسكن” .

وتابع “بعاج”: “أما بالنسبة للبيوت التي يتم عرضها في المزادات العلنية بغية البيع، فقلما نجد أحداً من سكان المدينة يقبل المشاركة في المزاد لسببين: أولهما تدني الوضع المادي لدى الأهالي هناك، والثاني عدم قبول أي شخص من سكان المدينة شراء بيت يعيش مالكه الحقيقي في المناطق المحررة، فيقتصر المزاد على كبار الشبيحة والإيرانيين المقربين من النظام” .

وبحسب مصدر مطلع فإن 175 بيتاً من الأحياء الشرقية وضعت في قائمة المزادات العلنية القادمة، وسيتم بيع كافة البيوت التي قامت مخابرات “أمن الدولة” بحجزها، وكل بيت تتم مصادرته يوضع على بابه ورقة بوجوب مراجعة فرع الأمن السياسي والأمن العسكري، كما أن كل بيت فارغ هو معرض للمصادرة والبيع في أي وقت في ظل الفلتان الأمني الذي تشهده أحياء المدينة”.

وذكر ناشطون محليون أن عناصر من “لواء الباقر” الموالي للنظام السوري قامت بمصادرة عدد من بيوت الأهالي في أحياء حلب الشرقية بالتزامن مع خروج سكان بلدتي كفريا والفوعة العام الفائت، بهدف توطينهم في تلك البيوت .

مصادرة بيوت “البحوث العلمية”

لم تكتف قوات النظام بمصادرة أو هدم بيوت وأملاك الأهالي في الأحياء الشرقية من مدينة حلب، بل التفتت أيضاً إلى الأحياء التابعة لها التي لم تجرِ فيها أية معارك أو اشتباكات، وهي تعمل على مصادرة البيوت التي سلمت إلى موظفي “البحوث العلمية”، رغم استكمال سداد ثمن البيت.

وعن ذلك تحدثت حنان محمد لـ”بوابة سوريا”: “كان والدي أحد الموظفين في البحوث العلمية، وفي العادة يتم تسليم أي شخص يعمل في هذا القطاع بيتاً في المساكن الحديثة التي تبنيها الدولة، مقابل دفع ثمن البيت على شكل أقساط على المدى الطويل. وبعد استلامنا البيت قمنا بتأجيره بسبب امتلاكنا منزلاً آخر، وعند اندلاع الثورة مكثنا لفترة طويلة في قريتنا الأم وكان والدي يسافر إلى مدينة حلب كل شهر ليقبض مرتبه الشهري، لكن تم استدعاؤه إلى أحد الأفرع الأمنية واتهامه بالإرهاب وبتشكيل مجموعات مسلحة، والحقيقة أن والدي كان يملك حلقة تحفيظ قرآن في جامع القرية، إلا أن الشخص الذي رفع التقرير فيه أراد إلحاق الضرر به، وبعد ثمانية أشهر في السجن أرسلت إلينا برقية وفاة باسم والدي”.

هنا بدأت الإجراءات الأمنية لمصادرة البيت بطرق مختلفة بحسب حنان، إذ “قامت قوى الأمن بإسكان عائلة في بيتنا كخطوة أولى لمصادرته بشكل كلي، إلا أننا تمكنا من إخراج العائلة والسكن فيه مجدداً، لتعاود قوى الأمن إرسال إنذار إخلاء للبيت خلال مدة أقصاها شهران من تاريخ الإنذار بحجة عدم استكمال دفع الأقساط المترتبة على البيت وهذا الكلام لا أساس له من الصحة، وبعد التواصل مع وساطات عدة تم إعطاؤنا مهلة خمسة أشهر لإخلاء البيت وبعد مضي ثلاثة أشهر أُرسل إلينا إنذار ثانٍ يقضي بإخلاء البيت خلال مدة ثلاثة أيام أو سيتم إخراجنا بالقوة، فقمنا بترك البيت”.

وختمت بالقول: “أي موظف لدى البحوث العلمية يتم توقيفه أو احتجازه لأي سبب كان حتى لو كانت مدة التوقيف 15 يوماً، تتم مصادرة بيته وقطع راتبه على الفور لأنه أصبح إرهابياً بنظر النظام، فعلى الرغم من توكيل محامٍ للدفاع عنا وذهابي أنا وأمي إلى دمشق لمقابلة رئيس البحوث العلمية، إلا أنه لم يرض حتى بمقابلتنا أو رؤيتنا”.

مصدر مطلع آخر أشار إلى أنه تمت مصادرة 50 بيتاً من أصحابها الأصليين ممن كانوا يعملون في البحوث العلمية، ومن تلك البيوت بيت تقطنه امرأة خمسينية تلقت ثلاثة إنذارات بإخلاء البيت، وعند رفضها الإخلاء تم إخلاء البيت بالقوة ورميها وأغراض بيتها في الشارع من قبل فرع الأمن العسكري الذي قام بتغيير قفل المنزل ومصادرته.

لم تكتف قوات النظام وشبيحته بنهب وسلب ممتلكات وبيوت المدنيين، وباستخدام أساليب كثيرة للتضييق عليهم في مدينة حلب خاصة الأحياء الشرقية منها، كأزمة الماء والكهرباء مرورا بالغاز وصولاً إلى مصادرة البيوت. فماذا لو كان بإمكان النظام قطع الهواء عنهم؟

*بوابة حلب