خولة سمعان*

يقال في المثل، تعبيرا عن فداحة كارثة ما: (أتت على البشر والحجر والأثر)
وقد فعلت الحرب في سوريا هذا وتمادت، فإننا لا نستطيع أن نحصر آثارها الكارثية، مع التنويه بانعكاساتها السلبية التي ستحفر في الأجيال القادمة، وهذا مبحث يطول الخوض فيه.
وهي – الحرب – في جانب من جوانبها، تطاولت على التاريخ وأفسدت الجغرافيا، إذ عمدت بالقوة العسكرية إلى خطط عجيبة من شأنها إعادة التوزيع الديموغرافي في البلاد بما يتماشى مع رؤيتها الضيقة.
لقد خبرت البشرية الحروب وآثارها المدمرة ،وأدركت أنها لا تتوقف عند حد ، لذا عمد المجتمع الإنساني إلى تدابير وإجراءات من أجل تقييد السلوك البشري في حالة الصراع المسلح ، لحماية المدنيين ، ووضع خطوط محددة للحفاظ على الحياة المدنية والثقافية للشعوب ، فتوالت الاتفاقيات رافدة اتفاقيات لاهاي لعام (1899- 1907 )، وكلها تحث بالإضافة إلى حماية المدنيين ، على حماية الأعيان  المدنية والثقافية ،فكانت اتفاقية جنيف لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين ، واتفاقية لاهاي لعام 1954 وبروتوكوليها .لتوفر حماية خاصة للأعيان المدنية والثقافية .
وتم تعريف الأعيان المدنية، في الفقرة الثانية من المادة 52 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977 من القانون الإنساني الدولي، بأنها (كافة الأعيان التي ليست أهدافا عسكرية. (ويشمل ذلك كل المنازل والمدارس والجامعات والمستشفيات ودور العبادة والكباري والجسور والمزارع والمنشآت الهندسية والمصانع وموارد مياه الشرب ومنشآت الري ومحطات توليد الطاقة الكهربائية ، وبصفة عامة كل ما يهدف لخدمة الأغراض المدنية).
وقد بينت اتفاقية لاهاي المتعلقة بحماية الأعيان الثقافية في حالة النزاع المسلح لعام 1954 والبروتوكولان الإضافيان الأول والثاني معنى الأعيان الثقافية (كل ما يعود إلى تراث الإنسان وحضارته وثقافته) وقد جاء فيها:
الأعمال المحظورة أثناء النزاع المسلح، وهي:

  • استهداف الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب بأي من الأعمال العدائية.
  • استخدام مثل هذه الأعيان في دعم العمليات الحربية.
  • استهداف مثل هذه الأعيان لهجمات الردع.
    فإذا استعرضنا ما آلت إليه معظم الشواهد التاريخية والآثار وأماكن العبادة في سوريا، سنجد حجم الدمار والتخريب المتعمد والسرقة هائلا جدا.   ولست أقدم في هذا المقام إحصائية دقيقة عن الآثار السورية وما آلت إليه، بل إنني أستعرض أبرز ما تم تدميره.
    وصفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) عمليات التنقيب عن الآثار في سورية بـ “الأمر الخطير والمدمر للغاية للتراث الثقافي السوري”، مشيرة إلى أن عمليات تنقيب عن الآثار غير قانونية وشديدة الخطورة تجري في أنحاء متفرقة في سوريا، وفي مواقع أثرية مهمة، وأن بعض المواقع الأثرية دمر أو نهب بالكامل.
    وذكر المدير العام المساعد المكلف بقطاع الثقافة بالمنظمة (فرانشيسكو باندرين) في مؤتمر صحفي: أن التنقيب غير القانوني عن الآثار يحدث في مدينة ماري السومرية القديمة ومدن إيبلا وتدمر وأفاميا، وأن هذا الأمر يحدث في جميع المدن، وبعضها نقب فيه إلى حد لا يمكن تصوره، مثل مدينة أفاميا التي دمرت تماما. وذكر: أنه يتم الإتجار بالقطع الأثرية والتراث الثقافي عبر منظمات غير قانونية.
    وقد ذكرت صحيفة الحياة: أن قيمة ما تم تهريبه من سورية من آثار وقطع وتماثيل وتحف قد بلغ (بليوني دولار)، وهي تتنوع ما بين آثار تعود إلى عصور ما قبل التاريخ حتى القرن العشرين. ومن المفيد أن ننوه أن التاريخ السوري يمتد من الإمبراطوريات العظمى في الشرق الأوسط إلى فجر الحضارة الإنسانية، وقد أدرجت في نطاق الكنوز الأثرية العالمية في منظمة اليونسكو عدد من المواقع، وهي:
  • أحياء دمشق القديمة. وهي من أقدم المدن في العالم وأقدم عاصمة في التاريخ، سار على أزقتها الملوك وأباطرة التاريخ وأصحاب الرسول..
  • حلب القديمة. تعتبر أقدم مستوطنة بشرية موجودة حاليا بالعالم، وواحدة من أكبر المدن الدينية في العالم القديم.
  • قلعة المضيق
  • قلعة الحصن
  • مدينة بصري القديمة
  • مدينة تدمر
  • القرى الأثرية شمالي وشمال غربي البلاد حيث المناطق الواقعة شمال الهضبة الكلسية، وتضم مئات الأديرة
    والكنائس القديمة.
    مدينة ماري شرقي البلاد
    ذكر تقرير للأمم المتحدة أصدرته نهاية عام 2014 أن حوالي ثلاثمئة موقع سوري قد تم تدميره بالكامل أو الإضرار به، وفي مقدمة ذلك الآثار الإسلامية، والمدينة الأثرية في تدمر، وتعد من أهم المواقع الأثرية العالمية، كذلك الآثار اليونانية والرومانية في أفاميا.
    في مدينة حلب 
    نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرا بتاريخ (16 أغسطس / آب 2012)، أوردت فيه نقلا عن رئيسة صندوق الحفاظ على المواقع التراثية العالمي (بوني بيرنهام)، تعدادا للمواقع الأثرية والآثار النادرة في حلب التي تتعرض لأضرار غير قابلة للعلاج. ومن بينها (هيكل آلهة العاصفة) الذي يعود تاريخه إلى الألف الثاني أو الثالث قبل الميلاد، ويعد واحدا من أقدم الإنشاءات بالعالم التي اكتشفت حديثا، ولم تفتح بعد ليشاهدها الجمهور.
    من بين هذه الآثار النادرة أيضا: طرقات (المدينة) التي تشبه المتاهة، والتي قال التقرير أنها تجسد تاريخا مصغرا للبشرية، ففي أسفل الحصن (قلعة حلب) توجد بقايا أفاريز العصر البرونزي، والحصون الرومانية والمدينة القديمة المسورة بأكملها، بمسجدها الكبير (المسجد الأموي في حلب) الذي يعود للقرن 12 ميلادي، وآلاف المنازل ذات أفنية الواسعة التي تميزها الألوان الفاتحة للعصور الوسطى، والأسواق العربية، والمدارس الحجرية البنيان والتي يرجع تاريخها للقرن 17، والقصور والحمامات العثمانية.
    يعود تاريخ سوق حلب القديم (سوق المدينة) إلى آلاف السنين، وقد تم تخريبه بالكامل، نتيجة اندلاع النار به جراء القذائف التي تساقطت عليه.
    قالت المديرة العامة لليونسكو، إيرينا بوكوفا: إن تدمير إحدى أكبر المدن وأكثرها أهمية في العالم، هو مأساة لجميع السوريين وللإنسانية جمعاء.
    من الجدير ذكره أن (227’35) مبنى في حلب قد تضررت، وفقآ لخريطة الأقمار الصناعية التي قامت بها اليونسات، وبالتالي، فإن (تاريخ المدينة القديمة التاريخية في حلب قد دمرت). كذلك تم قصف الجامع الأموي في حلب، وقد دمر صحن الجامع، ونهبت الكنوز الأثرية التي يضمها.
    ذكرت الحكومة السورية أنها قامت بإبلاغ اليونسكو أنها أخلت 24 متحفا، ونقلت محتوياتها إلى أماكن أكثر أمنا، وقد أبلغ المدير العام للمتاحف والآثار في سوريا مأمون عبد الكريم رويترز، أن عشرات من القطع الأثرية التي تغطي 10آلاف سنة من عمر حضارة البلاد نقلت إلى مخازن خاصة لتجنب تكرار ما حدث في بغداد.
    في تدمر
    في عام 2015 دمر مسلحون (الأسد اللات) وهو تمثال يبلغ من العمر 2000 سنة، كان يحرس في وقت سابق معبدا قديما مخصصا لآلهة ما قبل الإسلام. وفقا لما ذكرته هيئة الإذاعة البريطانية. في صيف 2015، قصفت تنظيم “داعش” معابد (بيل وبالشامين) الذي يقع بالقرب من المقابر القديمة في القرون الوسطى. وفي أكتوبر من العام نفسه دمر تنظيم “داعش” قوس النصر في المدينة، وتشمل الأضرار الأخرى مسجد السلطانية ومتحف الفنون الشعبية، بفعل قنابل مزروعة من قبل داعش. كذلك دمر داعش بقايا تيترابيل الروماني القديم، وجزءا من مسرح روماني قريب في وقت ما بين ديسمبر 2016.
    بصرى
    أما العاصمة الرومانية بصري فقد طالها الدمار إلى حد يصعب تحديده
    إيبلا وماري
    كذلك تم نهب وتخريب وتدمير إيبلا وماري وهما من العصر البرونزي.
    مواقع مهمة أخرى
    تأثرت قلعة الحصن الأثرية كثيرا من جراء القصف بالطيران والقذائف، وتم تخريب ونهب وتدمير معظم مدينة (دورا أوروبوس) وهي مدينة أثرية تعود إلى الحقبة الهلنستية، وتمتد إلى الفترة الآشورية، تقع في شرق سورية، على ضفة الفرات اليمنى، كذلك تم نهب (تل عجاجة) في الحسكة.
    الرقة
    وفقآ لخريطة تفاعلية نشرتها صحيفة نيويورك تايمز في 2015، فقد دمر مقاتلو تنظيم “داعش” داعش ثلاث مزارات تاريخية في الرقة، وبالإجمال تم العبث بالمدينة القديمة وتدمير مساجدها الأثرية، مثل مسجد عمار بن ياسر. يذكر أن الرقة كانت عاصمة العباسيين بين الأعوام (796 – 809) ميلادي.
    حمص
    تعرضت مدينة حمص إلى خراب هائل ودمار وحرائق من جراء القصف الجوي والقذائف وسواها من أدوات القتل الفتاكة، مما جعل معظم تاريخ المدينة القديمة رمادا وركاما، أما مسجد خالد بن الوليد فقد تم تدمير المئذنة والقبة، وتم تدمير ضريح الصحابي خالد بن الوليد الموجود داخل المسجد تدميرا كاملا. ونذكر أيضأ هدم دير (مار اليان) التابع للسريان والكاثوليك في مدينة القريتين في حمص، والذي يعود بناؤه إلى القرن الخامس الميلادي.
    درعا
    لم تسلم مدينة درعا من نيران الدمار والقتل.. لقد التقمت النيران معظم البلاد، ولا تزال، لذا يصعب تعداد التدمير فيها.. إلا أننا نذكر مسجد العمري، وهو من الآثار الإسلامية المهمة، مبني في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وقد تم تدميره بالكامل.
    مواقع أخرى
    قام الطيران بضرب مدينة معرة النعمان في ريف إدلب، وبالتالي تم ضرب متحف معرة النعمان، يجدر أن نذكر أن مدينة معرة النعمان أنبتت الفيلسوف والشاعر العربي أبي العلاء المعري.
    في شمال البلاد
    وفي شمال البلاد، في عفرين، تم تدمير موقع براد الأثري الذي يضم ضريح مار مارون، ومعبد عين دارا الأثري، كذلك تحولت منحوتات حجرية كانت تزين الجدران الخارجية في المعبد إلى ركام. أما كنيسة دير سمعان (سمعان العمودي) فقد طالها الكثير من الخراب والدمار وأعمال النهب.
    هذا ولا تزال عشرات وعشرات المواقع والأماكن المهمة تحتاج إلى استطلاع ما آلت إليه.
    والسؤال: كم من الفداحة سببها الجبروت والتعسف!

*كاتبة سورية