“مهما ضاقت علي الظروف لن أرضخ لواقعي وأكون ضحية أفعال الآخرين، وسأكمل مسيرتي التعليمية مهما بعدت المسافات، فمن هنا بدأت الحكاية وعندها تنتهي”. بتلك الكلمات عبرت الطالبة فاطمة العلي عن إصرارها على إكمال دراستها في جامعة حلب في التي تنقلت أماكنها بين مناطق عديدة في ريفي حلب وإدلب.

حال فاطمة كحال الكثير من الطلاب والطالبات الذين أرغمتهم ظروف الحرب على ترك دراستهم الجامعية، وبعد أن عادوا إلى سلك الدراسة من جديد بدأت نزاعات وصراعات بين فصائل عسكرية كان لها الأثر السلبي الكبير على الطلاب، وبعد مضي أربع سنوات على افتتاح جامعة حلب في “المناطق المحررة”، مرت مراحل عديدة يتخللها كمّ هائل من الصعوبات، مثل كثافة القصف وصعوبة الحصول على اعتراف بالجامعة.

مراحل دراسية بالغة الصعوبة

منذ أربع سنوات، فتحت جامعة حلب في “المناطق المحررة” أبوابها في مناطق عديدة من أرياف حلب وإدلب، وبدأ الطلاب يتوافدون للتسجيل إما لإكمال الدراسة بعد انقطاع أو للتسجيل كمستجدين.

تتحدث طالبة الأدب العربي فاطمة العلي لـ “بوابة سوريا” عن كمية المعاناة التي تلقوها كطلاب منذ افتتاح الجامعة وحتى الوقت الحالي: “في العام الأول لافتتاح الجامعة 2015، كان مقر كلية الآداب في مدينة دارة عزة غرب حلب، ورغم الضعف في بعض الأمور اللوجستية والكمالية إلا أنها كانت بديلاً مناسباً عن مؤسسات التعليم  في مناطق سيطرة النظام السوري، فكانت الملاذ الوحيد للطلاب السوريين الراغبين بإكمال تعليمهم العالي في الداخل السوري المحرر وبإمكانيات متواضعة بعض الشيء”.

وأضافت: “مع بداية العام الثاني تعرض مقر الكلية لغارات جوية من قبل الطيران الحربي، نظراً لأن البناء المستخدم للجامعة كان مقراً لمحكمة شرعية في وقت سابق، وكان نقطة استهداف شبه دائمة للطيران الحربي، فتم نقل الكلية إلى مدينة الدانا بريف إدلب ومعها بدأت الخلافات بين إدارة الجامعة التي تتبع للحكومة السورية المؤقتة وبين مجلس التعليم العالي في محافظة إدلب التابع لحكومة الإنقاذ وجيش الفتح سابقاً، ولم تكن أسباب تلك الخلافات واضحة على العلن وكانت بسيطة في البداية”.

وتستطرد بالقول: “أما في العام الثالث فقد انتقلت الكلية إلى مدينة سرمدا وزادت الخلافات بشكل أكبر بين الطرفين واحتدمت الأمور مع بداية العام الدراسي الجديد، ليتم نقل مقر كلية الآداب والهندسات إلى مدينة الأتارب بريف حلب الغربي، ومع نهاية الفصل الأول من العام الجاري عادت الخلافات بين الطرفين، وللأسف، كان الخاسر الأكبر في كل هذه الخلافات هم الطلاب، فقد أثرت الخلافات السياسية على مستقبلهم كثيراً، حيث فرضت حكومة الإنقاذ سيطرتها على مباني الجامعة في مدينة الأتارب، ما أجبر جامعة حلب التابعة للحكومة المؤقتة على الانتقال إلى مكان بعيد هو منطقة اعزاز في ريف حلب الشمالي حيث لن يستطيع غالبية الطلاب إكمال دراستهم”.

صعوبات “مرحلة اعزاز”

بعد سيطرة “مجلس التعليم العالي” التابع لـ “حكومة الإنقاذ” على كافة مقرات وكليات جامعة حلب في المناطق المحررة والتابعة للحكومة المؤقتة، أعلنت جامعة حلب في 17 آذار الفائت في بيان نشر عبر معرفاتها الرسمية نقل كافة كلياتها من إدلب وريف حلب الغربي إلى منطقة اعزاز شمال حلب.

يقول نائب رئيس “جامعة حلب الحرة” ضياء الدين القالش: “لا يمكن إعطاء رقم دقيق لأعداد الطلاب الذين يذهبون بشكل مستمر إلى كلياتهم في مدينتي اعزاز ومارع، لا سيما أن الكثيرين من طلبة الكليات النظرية لا يداومون وهم الأكثر عدداً، ومن المتوقع التحاق 2500 طالب وطالبة من ريف إدلب وريف حلب الغربي بكليات جامعة حلب الحرة شمال حلب، كما أن هناك عدداً كبيراً من الطلاب لا يتوقع التحاقه وقد تصل نسبته إلى 50% من طلبة المناطق المذكورة، أما بالنسبة للكادر التدريسي من دكاترة ومحاضرين فنسبة الذين لم يلتحقوا منهم لا تتجاوز 10% كحد أعلى” مؤكداً أن الضرر الأكبر للتعدي والاستيلاء على مقرات الجامعة كان يقع على الطلبة وينعكس سلباً عليهم .

نور أحمد هي إحدى الطالبات اللواتي نقلن أوراقهن إلى منطقة اعزاز لاستكمال دراستها في “المعهد التقاني للإعلام”، وهي مرت بعدة عقبات لاستلام ونقل إضبارتها الجامعية من ريف حلب الغربي إلى الريف الشمالي للمحافظة، حيث نُقلت أضابير الطلاب إلى “جامعة الشهباء” في مدينة الدانا شمال إدلب. “ذهبنا برفقة عدد من الطلاب إلى مقر جامعة الشهباء التابعة لحكومة الإنقاذ لاستلام الأضابير ونقلها إلى مقر جامعتنا الجديد، وكان استلام الأضابير صعباً للغاية، إذ كان هناك تدقيق كبير من قبل كادر جامعة الشهباء، إلى جانب صعوبات جمة أخرى تواجه الطلاب في رحلتهم إلى مدينة اعزاز، حيث يتوجب عليهم السفر من ريف حلب الغربي مروراً بمدينة عفرين حتى الوصول إلى مقر الجامعة في اعزاز، وعلى هذا الطريق توجد عشرات الحواجز التي تدقق على الجميع، وتفتشهم تفتيشاً دقيقاً، وحتى حقائب النساء الخاصة كانت تفتَّش أيضاً، حيث يتم إنزال الطالبات من الحافلة وتفتيشهن وتفتيش حقائبهم بدقة”.

وتكمل حديثها: “نحن كطالبات مسافرات إلى مدينة لا نعرفها، يتوجب علينا التنقل عبر سرفيس لا نعرف أصحابه، وهذا الأمر يجعلنا نشعر بالخوف كلما سافرنا إلى الجامعة، يضاف إلى ذلك أجور التنقل الباهظة التي بلغت خمسة آلاف ليرة سورية للرحلة الواحدة إلى الجامعة” مشيرةً إلى أن تعامل الطلاب والكادر التدريسي في مقر الجامعة بمدينة اعزاز كان رائعاً، يضاف إلى ذلك التجهيزات الحديثة للمبنى، وإلى أن الجامعة قدمت تسهيلات كبيرة للطلاب وخاصة الطالبات حيث جمعت المواد العملية في يوم واحد، أما المواد النظرية فيتم إرسالها بصيغة PDF على الجوال، بالإضافة إلى تأمين سكن خاص وقت الامتحانات.

وحول موضوع السكن يتحدث “القالش” لـ “بوابة سوريا” قائلاً: “لا تمتلك الجامعة إمكانية مادية لتأمين السكن والمواصلات لكافة الطلاب، لكنها تسعى إلى ذلك عبر التواصل مع المنظمات الداعمة لا سيما منظمتي “تعليم بلا حدود” و “مداد”. حيث تم تأمين السكن حتى الآن لـ 500 طالب وطالبة موزعين بين مدينتي اعزاز ومارع، ومعظم هؤلاء من طلاب الكليات العلمية التي تستوجب حضور الطالب ودوامه أكثر من الكليات النظرية الأخرى”.

وكانت كلية الحقوق التابعة لـ “جامعة حلب الحرة” قد أعلنت في 20 نيسان الجاري عبر حسابها على “فايسبوك” تكفُّل إحدى المنظمات بنفقات السكن والمواصلات لطلاب الكلية مجاناً، وذلك ضمن فترة امتحانات الفصل الثاني التي تبلغ مدتها شهراً.

ربما تساهم هذه التسهيلات في التخفيف من معاناة الطلبة، لكنها ستنعكس بشكل أو بآخر عليهم وعلى تحصيلهم العلمي بسبب وجود الكثير من المقررات التي تحتاج إلى الحضور وهو ما يتضارب مع صعوبة المواصلات وأمور أخرى، كأجور النقل. كل ذلك سببه التناحر على مستقبل الطلبة، ليبقى الحل بيد أهل الحل، بانتظار الوصول إلى حل نهائي يبعد مجال التعليم عن كافة الخلافات السياسية والعسكرية وغيرها .

 

guest
1 تعليق
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
trackback

[…] البارحة، في كلية الكهرباء في جامعة حلب، أن دخل الأمن على أحد المدرجات وقام بطرد الدكتور […]