نجاح عبد الله سليمان*

من وحي معتقلات وسجون عشوائية على الهوية والمناطق، كن يعاملّن كأسرى حرب مخطوفين، كان هناك معتقلات حوامل أجهضّن، وغيرهن الكثير. من وحي ما سبق فنحن على أعتاب مسرح، ليس مسرح تقليدي، فالجمهور لن يشعر بمن يؤدي أدواراً تمثيلية على الخشبة كالعادة، لأننا أمام مجموعة من النساء تُقدمن قصص من واقعهن هي قصصهن، والنص نصهن، يعني كل شيء على المسرح صادر عنهن ويمثلهن، فالقصة ليست قصة تمثيل بقدر ما هي تعبير عن الدواخل والوقائع وسرد للحقائق. هن يروين قصصا وقعت لهن تقدمهن عن طريق المسرح، وقد يقدمن شيئاً ما يكون أفضل من الصمت في النهاية.
وثائق وبرامج كثيرة عرضت للوضع السوري، ومنها نُقل إلى المسرح وباللغة العربية، ومن هنا اكتسبت هذه البرنامج، ومنها المعروض على قناة “آرتي” ما اغتنى بعمق حوارات نساء تمتعن بثقافة سياسية وعرفن معنى أن تكون السيدة سجينة. حيث تابعها الوثائقي عبر نقل مقاطع من المسرحية على الشاشة بكل أبعادها الدرامية وبقوة التعبير المؤثرة لممثلات هن من مررن بتجربة السجن وفيه تلقيّن أشد أنواع العذاب، وهن من يَقمن بتجسيدها فوق خشبته.. هي حكايات نساء سوريات شجاعات، نعم هن ما زلن على قيد الحياة، قُيدت حريتهن السياسية والاجتماعية، وتعرضن للسجن بسببها، لهذا أردن أن يَقمن هن أنفسهن بسردها للجمهور، وعلى المسرح دون تكليف أو تزييف او تحريف.
الواقع المرير أنه قد تكون المرأة السورية أكثر من دفع ضريبة الحرب في السنوات العِجاف الماضية، سواء في القتل والعنف أو الحصار والتجويع. حيث تبدو معاناة النساء مضاعفة، إذ يشتركن مع الجميع في تحمل أوزار الحرب، ويتخصصن في تحمل كثير من العادات والتقاليد الظالمة. ذلك بين استهداف عشوائي وحالات خطف، هي التي حتمت على الأهل تقييد حركة المرأة. وهو ما يؤثر على وضعها المعيشي. وما نقله العمل المسرحي لبعض من شهادات السوريات إلى المسرح، ولأهميتها قام التلفزيون الفرنسي بتوثيقها تلفزيونياً، فأصبح بذلك مُشاهد برنامج “درعا الناجين والناجيات” أمام حياتين؛ واحدة على المسرح وأخرى واقعية.
يجمع العمل الوثائقي بين الصورة الحية للمدينة والحياة اليومية للممثلات فيها وبين قصصهن المنقولة إلى جمهور المسرح. كل واحدة منها تحكي تجربتها كما تحكي لمُشاهد التلفزيون تفاصيل حقيقية عنها، قد يكون بعد مدة ستدرك المعنى الإنساني الجامع بين تجربتها ومطالبها بالحرية وبين بقية السوريات، وستظل تحمل ذكريات طيبة عنها ما زالت حية على رغم بعدها عن بلادها وعن الأوضاع التي جمتعها بهن.
الواقع أن الإعلام في غالبيته يركز على النظام والتنظيمات. لكن أين أولئك من المدنيين الذين قاموا بالدفاع؟ أين الشهداء، أين هؤلاء المختفية أخبارهم خلف الأسوار… أين أين؟. في بيوت بعضهن وفي لقاءاتهن تُعبر أحاديثهن عن شجون وذكريات وأحلام بعضها خاب وبعضها متفهم أسباب انحسار الحراك، فيما يسود الشعور بالرضى من تقديم تجاربهن للجمهور بصفتهن “شهوداً أحياء” على ماضٍ لابد للأجيال الجديدة من السوريين الاطلاع عليه ومعرفة ما جرى للناس فيه.
سبق وانفردت صحيفة صنداي تايمز بنشر تقرير يتحدث عن ابتزاز نساء سوريات جنسياً مقابل تقديم مساعدات المنظمات الإنسانية إليهن. جاء التقرير تحت عنوان “أرامل سوريات أجبرن على إعطاء صور عارية لهن إلى عامل في مجال المساعدات الإنسانية”. وتقول الصحيفة في تقريرها إنها كشفت عن أن مساعدات إنسانية تبرع بها بريطانيون قد وزعها أحد الموظفين المعروفين باستغلال هذه المساعدات للحصول على خدمات جنسية من أرامل فقيرات.
جاءت على الطريق، هيومان رايتس ووتش، لتقول “لاجئات سوريات يتعرضن للتحرش الجنسي، نساء سوريات يتحدثن عن معاناتهن مع قسوة الشتاء في ظل الحرب. ويقول التقرير إن البعض كتب إلى إحدى الأرامل قائلاً “لدي ثلاث سلال غذاء كبيرة لك. كل واحدة منها تحتاج إلى رجلين لحملها” طالباً صوراً عارية منها، وقد تلقى هذه الصور التي تبدو في خلفيتها العديد من لعب الأطفال. كما وافقت امرأة أخرى على إرسال صور له مقابل حصولها على مساعدات غذائية.
تقول الصحيفة إنه ليس هناك ما يشير إلى أن المنظمة الخيرية البريطانية كانت على علم بنشاطات الشعار أو أن أيا من العاملين فيها قد استخدمه للحصول على خدمات جنسية. وتنقل الصحيفة عن المنظمة الخيرية قولها “على الإطلاق، ليس ثمة أي علاقة مهما كان نوعها مع الشعار أو الأحباب “جمعيته الخيرية غير الحكومية” ولم تحصل أبدا”.
تقول المنظمة البريطانية إن لديها شبكة توزيعها الخاصة بها في سوريا ولا تعتمد على وكالات محلية للعمل نيابة عنها. وأضافت بشأن الصور المنشورة: “أحد الافراد العاملين في جمعية الأحباب التقط بشكل انتهازي صورة قرب شاحنات مساعداتنا الإنسانية لأغراض دعائية تخصه، ولا يعني ذلك دليلاً على علاقة بيننا، أو أن الأحباب كانت ضالعة في توزيع مساعداتنا في هذه المناسبة المحددة”.
نعم تجسد تفاصيل الصحيفة قصص، وكذلك ما ينقله الوثائقي التلفزيوني الإحساس القوي عند هؤلاء بصعوبة وجود السجن داخلهن وبقاء تفاصيله الدقيقة في ذاكرتهن، على رغم انقضاء مدة طويلة نسياً على خروجهن منه. كلامهن أمام الكاميرا يعود دوماً إليه وإلى أيامه التي يبدو أنها لن تُنسى ولن ينساها السجين طيلة حياته، والغريب أنه يضمر معها شعوراً بالحرية يبدو متناقضاً لكن أحاديث غالبيتهم أكدت تلك الحقيقة! ففي السجن يتعرف الإنسان إلى ذاته وتصبح ذاكرته مصدر قوته.
يبقى أن البوح أمام جمهور لا يعرفك ولا يعرف قضيتك يمدك بقوة داخلية وعزيمة على قول الحقيقة ونقل كل ما جرى. حكين في لحظات الاسترخاء عن قوة الأمل والحلم بمستقبل أفضل، والعزم على مواصلة الحلم على رغم ذكريات السجن الحزينة والأليمة. لتبقى حكيات بين المسرح والصنداي تايمز.. حضرت لنساء سوريات شجاعات

كاتبة وإعلامية مصرية*